وشاية من طفل
حيدرعاشور
جلس الجدُّ أمام مكتبته العامرة، تلك التي تضم بين رفوفها أمهات الكتب؛ من رواياتٍ عالمية، وفلسفاتٍ عميقة، ومجلداتٍ في الدين، والحرية، والاشتراكية، والشيوعية. كانت هذه الجدران المحشوة بالورق عاصمته الخاصة، ومصدر أمنه الثقافي والفكري. ومن نافذته القريبة، راح يراقب غروب الشمس بقلبٍ يعتصره الألم؛ لم تكن تلك التجاعيد التي تختطُّ وجهه مجرد حكاية لسنين مضت، بل كانت أثلاماً غائرة حفرها خذلان ذوي القربى، وطعنات صامتة ممن يُفترض أنهم مأمنه.
أمسك هاتفه بيدٍ ترتجف، لا وهَناً من كبر، بل من فيض الخيبة. بدأ يكتب رسالةً وجهها إلى أخيه الأصغر. لم تكن رسالة عتابٍ صارخ، فالصراخ لا يليق بوقاره، بل كانت عتباً هادئاً، بارداً، يقطر وجعاً مصفّى:
- لم أتعجب من تصرفك هذا يا أخي؛ فقد عهدتُ تقلبات الأيام وعلمتني الحياة أن القلوب تتبدل. لكن الذي شقّ روحي، ونكأ جرحاً ظننته اندمل، هو حفيدك الصغير. لقد جاءني اليوم ببراءته الطفولية التي لوّثها حديث الكبار خلف الأبواب المغلقة. نظر في عينيّ بعينين بريئتين رُسِمت فيهما قسوة لا تشبه الطفولة، وقال: 'جدو يقول عنك: نحن كبار ولا فرق في الأعمار، من يريدني فليأتِ إلى معملي، هو من يسلم عليّ، أنا لا أسلم على أحد!.
- ولم يقف الأمر عند حدود هذا الكبرياء الأجوف يا أخي؛ بل أردف الصغير بزهوٍ مرير قائلاً إن عائلتك ضحكت، وتندرت بحديثك هذا؛ سخريةً مني، وتصفيقاً لغرورك. وأنا أخوك.. أخوك الذي يفوقك عمراً، ويسبقك عِلماً، ومن قاسمك المهد وشظف الذكريات الأولى. اسمعني جيداً.. لم يؤلمني أنك صغّرت من شأني، فمقامي لا تصنعه الألسن، بل آلمني أنك تصغر في عيون أطفالك وأحفادك وأنت تزرع فيهم بذور القطيعة والتعالي، وتعلّمهم كيف يكسرون ضلعاً في جسد عائلتهم الإنسانية. الوجع ليس منك.. الوجع على هذا الصغير الذي سرقتم نقاء طفولته، وحولتم براءته إلى خنجر مسموم. لم أكن أظن، ولو لخلجة عين، أن هذا الشيب الذي وقّر رأسي، والعلم الذي أفنيت عمري في تحصيله وتلقينه لك وللناس، سيصبحان يوماً فاكهة مجالسكم، وأضحوكة يتسلى بها غرورك. لم أكن أطلب منك أن تأتيني حابياً، بل كنت أرتجي لُحمة أخوةٍ باقية، لا تكسرها مناصب الدنيا الزائلة، ولا تحجبها أموال المعامل والشركات. لقد علّمتَ حفيدك كيف يستعلي على الناس، ونسيت أن تعلّمه كيف يبرّ كبيراً، أو يحترم رحماً، أو يوقر دماً. تركتُ لك معملك ودنياك التي تتطاول بها، وجمعتُ ما بقي من كرامتي في صرّة كبريائي ورحلت. فالبيوت التي لا يُحترم فيها الكبير، هي بيوت خاوية من البركة، ولا تُرجى منها صلة.
ولم تكن إلا لحظات حتى شق صمت الليل صوت أذان الفجر، ينساب كبلسم على روحه المتعبة. انتفض قائماً، والبرودة تملأ أطرافه، ليتفاجأ بجدران غرفته المألوفة. فجأة، تدفقت تفاصيل الرسالة القاسية التي كتبها إلى مخيلته، فالتفت بنبض متسارع يبحث عن هاتفه. فتح الشاشة بيد ترتجف، ليكتشف أن كل ذلك العذاب لم يكن سوى كابوس عابر. تنفس الصعداء، واحتضن الهاتف حامداً الله بركوع وسجود؛ فقد أنقذه القدر من خسارة أخيه الأصغر إلى الأبد.