علي سيف الرعيني _| بقي واحد !!

في أحد الأحياء القديمة كان أربعة أصدقاء يكبرون معًا منذ الطفولة. تقاسموا المقاعد الدراسية، ولعبوا في الأزقة نفسها، وحلموا بأن يبقوا إخوة مهما أخذتهم الحياة إلى طرق مختلفة. وكان أكثرهم طيبة شاب يُدعى سامي يؤمن أن الصداقة ليست كلمات، بل مواقف
مرت الأعوام، وتفرقت بهم السبل. أحدهم أصبح تاجرًا ناجحًا، والثاني تقلد منصبًا مرموقًا، والثالث سافر إلى الخارج، أما سامي فبقي موظفًا بسيطًا، يعيش حياة متواضعة، لكنه لم يتغير. كان أول من يبارك نجاح أصدقائه، وأول من يواسيهم عند الشدائد، ولم يطلب منهم يومًا شيئًا
وفي إحدى السنوات، تعرض سامي لحادث مروري أفقده القدرة على العمل عدة أشهر. احتاج إلى عملية جراحية عاجلة، لكن راتبه البسيط ومدخراته المحدودة لم يكونا يكفيان
فتح هاتفه، وتردد طويلًا قبل أن يرسل رسالة إلى أصدقائه الثلاثة الذين طالما اعتبرهم سندًا له
قرأ الأول الرسالة، ثم أغلق هاتفه بحجة انشغاله
أما الثاني، فاكتفى بعبارة قصيرة: سامحني الظروف صعبة
والثالث لم يرد أصلًا، رغم أنه كان ينشر في حساباته صور رحلاته وسياراته الجديدة.
أغلق سامي هاتفه، ولم يشعر بالألم بسبب المرض بقدر ما شعر به بسبب الصمت الذي جاء ممن ظنهم أقرب الناس إليه.
وفي مساء اليوم نفسه، طرق باب منزله رجل بسيط يعمل نجارًا. كان اسمه عبدالله ولم يكن من أولئك الأصدقاء القدامى، بل جارًا تعرّف إليه منذ سنوات قليلة.
دخل وهو يحمل ظرفا صغيرا وقال بخجل:
بعت أدواتي التي أعمل بها أعرف أنها مصدر رزقي، لكن صحتك اليوم أهم. الأدوات يمكن أن أشتري غيرها، أما الإنسان فلا يعوض
ارتجفت يد سامي، وانهمرت دموعه لأول مرة منذ الحادث. حاول أن يرفض، لكن عبدالله أمسك بيده وقال:
إذا لم نقف مع من نحب وقت الشدة، فلا معنى لكل ما نقوله عن الوفاء
نجحت العملية، وتعافى سامي بعد أشهر، وعاد إلى حياته، لكنه عاد بقلب مختلف. لم يعد يقيس الناس بعدد السنوات التي عرفهم فيها، بل بعدد الخطوات التي يمشونها نحوه عندما يعجز عن الوصول إليهم
وبعد سنوات، رحل عبدالله عن الدنيا إثر مرض مفاجئ
وفي جنازته، لم تكن السيارات الفاخرة ولا أصحاب المناصب هم الأكثر حضورًا، بل امتلأت الطرقات بالناس البسطاء الذين سبق أن مد لهم يد العون، أو وقف معهم في ضيق، أو رسم على وجوههم ابتسامة دون أن ينتظر مقابلا
وقف سامي أمام قبره طويلًا، ثم قال بصوت اختلط بالبكاء:
كن بمالك لكن الحقيقة أنك أنقذت إيماني بالناس
ومنذ ذلك اليوم، كلما سأله أحد عن معنى الصداقة لم يكن يجيب بكلمات كثيرة، بل كان يقول:
الصديق الحقيقي هو الذي يأتي إليك عندما يجد الجميع ألف سبب للغياب
وفي زمن تصبح المصالح أسرع من المشاعر، لا تفرط في صديق وفيّ لأجل خلاف عابر أو كلمة قيلت في لحظة غضب فالأوفياء لا يتكررون كثيرًا، وإذا خسرهم الإنسان، فقد يكتشف متأخرًا أن كل العلاقات التي جمعها بعدهم لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تركه شخص واحد صادق
لأن الحياة لا تقاس بعدد من عرفناهم بل بعدد من بقوا معنا حين احتجنا إليهم، وحين انطفأت الأنوار ولم يبقَ في الطريق سوى الوفاء !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى