ھدى حجاجي أحمد - متتالية قصصية...

بيني وبين الله نفسي

وكلّ خرائط الغياب

القصة الأولى: المرآة التي لا تعكسني

في الصباح، لم تكن المرآة على حالها.

كنت أقف أمامها ككل يوم، لكن الصورة لم تكن تكتمل.

وجهي موجود… لكن شيئًا ما ناقص.

كأن الملامح تعرف طريقها إليّ ولا تصل.

لم أرتبك في البداية.

ظننت أنه تعب، أو وهم، أو لعب ضوء.

لكنني حين اقتربت أكثر، اختفى انعكاسي قليلًا.

ليس بالكامل.

بل كأنه يتراجع خطوة كلما تقدمتُ نحوه.

همست:

"أنا هنا… لماذا لا ترينني؟"

لم يجبني أحد.

لكنني شعرت بجوابٍ داخلي:

ربما لأنكِ لم تعودي كما كنتِ.

أو لأنكِ صرتِ بين صورتين… ولا تنتمين لأي منهما.

أغلقتُ المرآة بعينيّ، لا بيدي.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت أشك أنني مرئية كما أظن.

القصة الثانية: بيني وبين الله نفسي

في الليل، كنت أجلس وحدي.

لا أحد في الغرفة.

ولا صوت سوى قلبي.

قلت بصوت لا يسمعه أحد:

"يا رب… هل أنا واضحة عندك؟ أم مثلما أنا عند نفسي… نصف مكتملة؟"

لم أنتظر إجابة.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا.

كان صمتًا يلتف حولي كيدٍ خفية تلمس ارتباكي.

شعرت أنني لست وحدي كما أظن.

وكأن هناك شيئًا أقرب مني من نفسي.

قلت:

"أنا لا أطلب تفسيرًا… فقط أن أفهم لماذا كل شيء داخلي يمشي ولا يصل."

ثم بكيت.

ليس لأنني حزينة فقط…

بل لأنني أخاف أن أبقى بلا معنى واضح حتى لنفسي.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن الدعاء ليس كلمات…

بل محاولة لترتيب الفوضى في الداخل.

القصة الثالثة: كلّ خرائط الغياب

الخرائط التي نرسمها للحياة لا تشبه الطريق.

تشبه الغياب أكثر.

أفتح ذاكرتي كخريطة قديمة.

أبحث عن الأماكن التي فقدتُ فيها نفسي.

هنا…

عند أول خيبة.

وهنا…

عند أول وداع لم أستطع إيقافه.

وهنا…

عند آخر مرة قلت فيها "أنا بخير" ولم أكن كذلك.

كل نقطة على الخريطة كانت تؤدي إلى فراغ صغير.

والفراغات تتصل ببعضها.

حتى يصبح الغياب وطنًا كاملًا.

سألت نفسي:

"هل يمكن للإنسان أن يعيش داخل خريطة ناقصة؟"

ربما.

فنحن لا نعيش في الأماكن…

بل في ما فقدناه منها.

وفي كل خريطة أملكها الآن…

لا يوجد طريق مستقيم.

فقط انكسارات صغيرة تقودني إليّ.

القصة الرابعة: لا أحد يطرق الباب كما في البداية

في الماضي، كنت أظن أن كل الطرق تؤدي إلى أحد.

اليوم، فهمت أن بعض الطرق تُبنى لتعود بك إليك فقط.

جلست قرب الباب.

لم يطرقه أحد.

ولا حتى الذكريات.

الغريب أنني لم أعد أنتظر.

لكن شيئًا في داخلي ما زال يصغي.

كأنني أعيش بين احتمالين:

باب قد يُفتح…

أو قلب تعوّد ألا يُفتح بالكامل.

همست:

"ربما نحن لا نفقد الآخرين… بل نفقد الطريقة التي نصل بها إليهم."

ثم أغمضت عيني.

وتركت الباب كما هو.

لا مفتوحًا…

ولا مغلقًا.

فقط معلّقًا بين احتمالات لا تنتهي.

القصة الخامسة: أنا التي لم تعد تُشبهني

في النهاية، لم أعد أعرف اسمي كما كان.

ليس لأنني نسيته…

بل لأنه لم يعد يكفي لي.

أنا لست النسخة الأولى.

ولا الأخيرة.

أنا ما بينهما.

شيء يشبه امرأة…

ويشبه سؤالًا لم يُكمل طريقه.

وقفت أمام الحياة وقلت:

"أنا لست كاملة… لكنني حقيقية بما يكفي لأستمر."

وفي تلك اللحظة، فهمت أن الغياب ليس مكانًا نفقد فيه الآخرين…

بل حالة نتعلم فيها كيف نكون نحن، بدون ضمانات.

الخاتمة

بيني وبين الله نفسي…

لا أحد يشرحني لي.

ولا أحد يعيدني كما كنت.

وكلّ خرائط الغياب التي في داخلي…

لا تقود إلى النهاية.

بل إلى بداية لا تشبه ما سبقها.

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى