هكذا ينعتونه في القرية.. أحد الجيران القادمين من وراء البحار أهداه هاتفا ذكيا مستعملا.. تعلم بسرعة كيف يسبح في العالم الأزرق..
اختفى حمو يومين بالتمام والكمال.. لم يفعلها من قبل.. كان يختفي يوما أو نصف يوم، ثم يظهر مثل ثعلب زفزاف، لكن من غير ذيل.. خشيت أمه أن يكون قد حصل له مكروه.. في كل مرة تسأل عنه أحد الجيران فيطمئنها بأنه سيعود، ولا داعي لأن تخاف عليه..
حمو صعد أعلى قمة في الجبل.. افترش جلبابه الصوفي، واتكأ على جدع شجرة.. في كل مرة يفتح الهاتف ويُغلقه.. يُعيد مشاهدة ما هو منشور في الموقع.. يلتفت يمينا ويسارا، وأحيانا يرفع رأسه إلى السماء.. يُطفئ الهاتف للحفاظ على البطارية أطول فترة ممكنة.. ثم يفتحه من جديد لم يُصدق.. اعتقد أن خللا وقع في جهة ما..
يخرج من الموقع.. يدخل إلى غوغل.. عشرات الأخبار عن أكابر القوم لا يعرف أحد من أين يأتون بالأموال، وكيف يستولون على الأراضي، وينون القصور والفيلات الفخمة، ويراكمون الثروات في البر والبحر.. عقود البيع والشراء والتحفيظ لا تخرمها إبرة.. تساءل حمو مع نفسه:
ـ لا بد أن شبكة قوية تُدير هذه اللعبة..
شك بأن يكون للعين التي لا تنام يد في ذلك.. لكنه أقنع نفسه:
ـ لا يهم يا حمو من وراء نشر الفضيحة.. الفضيحة أهم.. لا بد أن يحدث زلزال في البلد..
ثم أضاف:
ـ لا يمكن أن تقع كل هذه الفضائح ولا تخرج جهة للناس تُكذب الأخبار، أو تُحقق، أو تقول على الأقل اللهم إن هذا منكر..
كلما أحس بالجوع تناول كسرة خبز صغيرة، وبعض حبات التين مع شرب الكثير من الماء حتى يُحس بامتلاء بطنه.. وكلما فرغت القنينة نزل إلى جانب الوادي وملأها..
عندما عاد في مساء اليوم الثاني إلى القرية.. سألته أمه بلهفة أين اختفى عنها كل هذه المدة.. اكتفى بابتسامة بلهاء، وبحث عن الشاحن وركبه للهاتف.. ذهب إلى طبق الخبز، وأخذ كسرة صغيرة بدأ في تناولها..
بعد صلاة العشاء.. خرج إلى الحانوت، واقتنى تعبئة بعشرة دراهم كسلفة ثم عاد إلى البيت..
تأكد من وصول التعبئة.. فحص أيقونة الشحن.. عليه أن ينتظر حوالي نصف ساعة لتكتمل العملية.. التفت إلى الدولاب الصغير القريب من سريره، أخذ رواية المسخ لكافكا.. أحيانا يتقمص شخصية جريجور.. لا يريد أن يتحول إلى خنفسة أو صرصور.. هو يحب أن يتحول إلى طائر يخترق الجدران، ويحلق عاليا في السماء حتى لا يشعر مثله بأنه منبوذ ووحيد، وقد أصبح عبء على أمه..
حمو حصل على شهادة عليا.. واجتاز مباريات العديد من الوظائف، لكنه لم ينجح في أي منها.. يعتقد مع قرارة نفسه بأن جهة ما تسرق مجهوده، وتنسبه لغيره.. والبعض يظن بأنه يمزج بعض هباله مع أجوبة الامتحانات..
عندما يمر أجانب من القرية متجهين إلى الجبل، يتحدث معهم بطلاقة.. يندهش اهل القرية، فيعتقد بعضهم أن جنيا يسكنه هو من يتكلم الإنجليزية..
قال الحسين باستغراب:
ـ أنا لا أفهم ماذا يقول بالأمازيغية الا بصعوبة، فكيف يفهمه الأجانب ويتواصلون معه بعفوية كانه واحد منهم؟!
قرر أن يختبر رباطة جأش أهل القرية.. بعث لهم في المساء بكل ما سجله في هاتفه حول الفضائح التي ينشرها موقع جبروت..
بدأ البعض يطّلع على هذه الرسائل، والهاتف يرتعش بين يديه.. ثم يمحيها بسرعة، ويندم على ذلك.. يُقنع نفسه بأنه فعل الصواب.. حمو هذه المرة يلعب بالنار.. هؤلاء من علية القوم، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجههم.. فإما أن يبعثوا لك من يكسر وجهك، أو يرفعون قضية ضدك، تُجردك من الملابس، وتزج بك في السجون لسنوات طويلة.. ويطالبون بتعويضات ما أنزل الله بها من سلطان، فينتزعون منك الأرض والبيت وقطيع الماعز.. وما تبقى من غرامة يتحول إلى أعوام وراء القضبان...
حمو يعرف بأنه ليس مجنونا.. لكن عليه أن يتظاهر بالجنون حتى يقبله الناس على ما هو عليه.. ربما ألف لعب هذا الدور حتى تعود عليه وأصبح مجنونا بالفعل..
الجو معتدل في الخارج.. نزع السروال والقميص، وبقي التبان وحده يستر العورة.. جرى ناحية المسجد.. حرك يديه كأنهما جناحي طائر أسطوري.. يجري ويصرخ بأعلى صوته:
ـ اغتالوا كرامة .. أولاد الحرام سرقوا الماء والتراب والانعام؟!
خرجت النسوة والاطفال أمام ابواب المنازل.. البعض يضحك، والبعض يدعو له بالستر.. جاءت امه تهرول.. خاطبته وهي تجهش بالبكاء:
- كفى يا حمو؟! لقد فضحتني امام الناس!
رد بصوت أجش:
ـ لا يا أمي أنت لم تسرقي التراب والماء والهواء.. هم من فعل ذلك..
وأشار بيده إلى أقصى نقطة تغرب منها الشمس عن القرية..
مراكش 13 مايو 2026
اختفى حمو يومين بالتمام والكمال.. لم يفعلها من قبل.. كان يختفي يوما أو نصف يوم، ثم يظهر مثل ثعلب زفزاف، لكن من غير ذيل.. خشيت أمه أن يكون قد حصل له مكروه.. في كل مرة تسأل عنه أحد الجيران فيطمئنها بأنه سيعود، ولا داعي لأن تخاف عليه..
حمو صعد أعلى قمة في الجبل.. افترش جلبابه الصوفي، واتكأ على جدع شجرة.. في كل مرة يفتح الهاتف ويُغلقه.. يُعيد مشاهدة ما هو منشور في الموقع.. يلتفت يمينا ويسارا، وأحيانا يرفع رأسه إلى السماء.. يُطفئ الهاتف للحفاظ على البطارية أطول فترة ممكنة.. ثم يفتحه من جديد لم يُصدق.. اعتقد أن خللا وقع في جهة ما..
يخرج من الموقع.. يدخل إلى غوغل.. عشرات الأخبار عن أكابر القوم لا يعرف أحد من أين يأتون بالأموال، وكيف يستولون على الأراضي، وينون القصور والفيلات الفخمة، ويراكمون الثروات في البر والبحر.. عقود البيع والشراء والتحفيظ لا تخرمها إبرة.. تساءل حمو مع نفسه:
ـ لا بد أن شبكة قوية تُدير هذه اللعبة..
شك بأن يكون للعين التي لا تنام يد في ذلك.. لكنه أقنع نفسه:
ـ لا يهم يا حمو من وراء نشر الفضيحة.. الفضيحة أهم.. لا بد أن يحدث زلزال في البلد..
ثم أضاف:
ـ لا يمكن أن تقع كل هذه الفضائح ولا تخرج جهة للناس تُكذب الأخبار، أو تُحقق، أو تقول على الأقل اللهم إن هذا منكر..
كلما أحس بالجوع تناول كسرة خبز صغيرة، وبعض حبات التين مع شرب الكثير من الماء حتى يُحس بامتلاء بطنه.. وكلما فرغت القنينة نزل إلى جانب الوادي وملأها..
عندما عاد في مساء اليوم الثاني إلى القرية.. سألته أمه بلهفة أين اختفى عنها كل هذه المدة.. اكتفى بابتسامة بلهاء، وبحث عن الشاحن وركبه للهاتف.. ذهب إلى طبق الخبز، وأخذ كسرة صغيرة بدأ في تناولها..
بعد صلاة العشاء.. خرج إلى الحانوت، واقتنى تعبئة بعشرة دراهم كسلفة ثم عاد إلى البيت..
تأكد من وصول التعبئة.. فحص أيقونة الشحن.. عليه أن ينتظر حوالي نصف ساعة لتكتمل العملية.. التفت إلى الدولاب الصغير القريب من سريره، أخذ رواية المسخ لكافكا.. أحيانا يتقمص شخصية جريجور.. لا يريد أن يتحول إلى خنفسة أو صرصور.. هو يحب أن يتحول إلى طائر يخترق الجدران، ويحلق عاليا في السماء حتى لا يشعر مثله بأنه منبوذ ووحيد، وقد أصبح عبء على أمه..
حمو حصل على شهادة عليا.. واجتاز مباريات العديد من الوظائف، لكنه لم ينجح في أي منها.. يعتقد مع قرارة نفسه بأن جهة ما تسرق مجهوده، وتنسبه لغيره.. والبعض يظن بأنه يمزج بعض هباله مع أجوبة الامتحانات..
عندما يمر أجانب من القرية متجهين إلى الجبل، يتحدث معهم بطلاقة.. يندهش اهل القرية، فيعتقد بعضهم أن جنيا يسكنه هو من يتكلم الإنجليزية..
قال الحسين باستغراب:
ـ أنا لا أفهم ماذا يقول بالأمازيغية الا بصعوبة، فكيف يفهمه الأجانب ويتواصلون معه بعفوية كانه واحد منهم؟!
قرر أن يختبر رباطة جأش أهل القرية.. بعث لهم في المساء بكل ما سجله في هاتفه حول الفضائح التي ينشرها موقع جبروت..
بدأ البعض يطّلع على هذه الرسائل، والهاتف يرتعش بين يديه.. ثم يمحيها بسرعة، ويندم على ذلك.. يُقنع نفسه بأنه فعل الصواب.. حمو هذه المرة يلعب بالنار.. هؤلاء من علية القوم، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجههم.. فإما أن يبعثوا لك من يكسر وجهك، أو يرفعون قضية ضدك، تُجردك من الملابس، وتزج بك في السجون لسنوات طويلة.. ويطالبون بتعويضات ما أنزل الله بها من سلطان، فينتزعون منك الأرض والبيت وقطيع الماعز.. وما تبقى من غرامة يتحول إلى أعوام وراء القضبان...
حمو يعرف بأنه ليس مجنونا.. لكن عليه أن يتظاهر بالجنون حتى يقبله الناس على ما هو عليه.. ربما ألف لعب هذا الدور حتى تعود عليه وأصبح مجنونا بالفعل..
الجو معتدل في الخارج.. نزع السروال والقميص، وبقي التبان وحده يستر العورة.. جرى ناحية المسجد.. حرك يديه كأنهما جناحي طائر أسطوري.. يجري ويصرخ بأعلى صوته:
ـ اغتالوا كرامة .. أولاد الحرام سرقوا الماء والتراب والانعام؟!
خرجت النسوة والاطفال أمام ابواب المنازل.. البعض يضحك، والبعض يدعو له بالستر.. جاءت امه تهرول.. خاطبته وهي تجهش بالبكاء:
- كفى يا حمو؟! لقد فضحتني امام الناس!
رد بصوت أجش:
ـ لا يا أمي أنت لم تسرقي التراب والماء والهواء.. هم من فعل ذلك..
وأشار بيده إلى أقصى نقطة تغرب منها الشمس عن القرية..
مراكش 13 مايو 2026