_ الأجرة؟
_صلواتي
_ما صلواتك! أريد أجرة السيارة
كان الآخر يتحدث بلغة غير عربية والسائق لا يعرف سواها، فنشأ قتال كلامي بينهما. ينشغل السائق بالجدال على أخذ الأجرة بينما يأخذ مَن في السيارة حقيبته ويهرب كلص.
يعود السائق مجددا إلى الأرض التي نقل منها الركاب والدماء تغلي من رأسه. يرى ركابا جدد. يقفون هكذا، مرتدين ثيابا سوداء، يطالعون السيارات التي ستنقلهم إلى وجهتهم الوحيدة، يرى الراكب يمعن النظر في السيارات الراكنة من حوله كأنها قطع فنية معروضة في متحف عبثي، ثم يعلق "واوا أمريكية، سيارة مرسيدس USA" كأنه يشتريها لا يستخدمها للنقل. قطيع من البشر تقوده فتاة صغيرة. وقطيع عائلي آخر تقوده زوجة وثالث تقوده امرأة مسنة. وقفت أمامهم سيارة كيا منظرها مقبول ومالكها يسكن بغداد.
كان الهمّ المعيشي للسائق هو ركاب يملأون الفراغ، توصيلة ذهاب ثم رجوع إلى نقطة الركاب. رآهم وهو يجلس خلف المقود، أوقف نصف جسده عند النافذة وصرخ:
_كربلاء… كربلاء!
اجابوا بصوت واحد:
_كربلاء مستقيم.
في عُرف قوانين السياقة العراقية، لا وجود لشيء اسمه خطّ مستقيم، كأن يأخذ السائق ركّابه من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول مباشرة. العراقي يعرف بالفطرة أكثر مما يعرف بالقانون أنّه يلتقط الركّاب من الحدود ثم يصل بهم إلى مطعم ما ،وأن سائق باص الريم هو الذي يواصلهم إلى جهتهم، من دون أن تخرج الرحلة بطبيعة الحال عن كربلاء وهكذا تصبح ، كربلاء مستقيم.
مثلا، إذا كانت مقاعد الكيا عشرة أصبح ركابها عشرين، جلس الجميع في السيارة، الواحد تلو الآخر فأضافوا ثِقلا للعربة لا بسبب وزنهم فاجسادهم تشكو من حصار اقتصادي . بقدر حضورهم؛ حضورٌ يشبه حجرا وُضع على القلب بدل الأرض، لا يزحزحه إعصار ما إن استقروا حتى انخفضت السيارة أو هكذا خُيل للسائق. حينها وجد حتى الكابريس الخفيفة بدت فجأة كمسير شاب مثقل بالخيبة
كانوا متراصين هكذا بلا حراك سوى اهتزاز مطبات الطريق التي تنقلهم بعنف أحيانا. أعينهم تطالع الشارع من النوافذ باهتمام بالغ وشفاههم تتحدث بلا انقطاع، كيف لوافد أجنبيّ في بلد غريب أن يتحدث بلغته الأم ثم يتوقع من الآخرين أن يفهموه؟ كانوا يتحدثون مع السائق وهو يجيب باهتزاز رأسه فحسب، وفجأة ارتفعت السيارة بهم وكأنها تصعد جبل موت، وانفتح المشهد من النافذة كلوحة غريبة تأسر العين، بناء تحت هضبة حدودية، تعلوه قبة باللون الأخضر، يلوح بين الغبار والخفوت الغروبي. بناء مألوف
قبة صغيرة بلون أخضر باهت، تحرسها جدران إسمنتية متقشفة، وفي بساطتها تسكن رهبة دينية، وروح مكان يهمس بهدوء صوفي.
نطق أحدهم من مقعده وسأل السائق بفضول بشري:
—ما هذا المكان؟
أجابه السائق:
—الإمام الحسين
فقال:
—الإمام الحسين! الإمام الحسين
ما إن نطق بها حتى انفجرت المقاعد زوابع من بكاء ولطم وولولة، وانخرط الجميع معه دفعة واحدة يصرخون:
—يا حسين، يا حسين!
صرخ أحدهم في السائق:
—أطبگ
ها هم أخيرا في أرض الميعاد، الأرض التي حُرموا من رؤيتها طوال أربع وعشرين عام لا لشيء سوى أن رسوم العبور مُفرَضة على عابري الحدود، وهم ياكلون رغيف واحد في اليوم.. غفلوا أن هذه الأرض مهجورة من السكان، خالية من الفنادق والمنازل والباعة والمشترين وكل مظاهر المدنية سوى قرية صغيرة قريبة من بناء المرقد.
التوقيت غروب والآفاق ضبابية، لا يسعك رؤية ما هو بعيد. أوقف السائق السيارة على جانب الطريق وفتح أحدهم الباب. ترجل الأول من السيارة ليس بقدمه بل بذراعيه كمن يقرب نفسه من الأرض تقديسا. وضع اليد اليمنى على الأرض، تلتها اليسرى وبدأ يحبو على الأرض كطفل يكتشف الحياة لأول مرة، خاشعا متلهفا مشتاقا
تلاه الآخرون، يقلدون فعلته زحفا من أسفلت الشارع إلى رخام المرقد، يخطون بحذر مهيب، تتعثر أقدامهم بالخشوع،
ويعلو عويلهم:
—يا حسين...يا حسين
الهواء مشبع برائحة الغبار والقداسة والهدوء المحيط بالمرقد يختلط بصدى الأصوات والضوء الغروبي يلثم القبة الخضراء ببطء ويغطي الجميع بوشاح من السلام والخشوع؛ ولأن صوت الليل مسموع، سمعهم أهل القرية فهرعوا نحوهم، يحملهم فضولٌ بين غرابة وحذر.
أما السائق، فاستند إلى سيارته يراقب المشهد ويدخن مبتسما. جلس خلف المقود وتركهم يزحفون نحو المرقد وانطلق بسيارة الكيا kia خاصته. في حينها هرع أهل القرية إليهم واقفين، مستغربين من حالهم، مصححين الخطأ المكاني الذي وقع.
عاد السائق إلى نقطة الحدود مجددا وقد اصطحب ركابا آخرين.
الطريق، النوافذ قبة خضراء وأجساد زاحفة يخطفها منظر رجل يبتسم
_صلواتي
_ما صلواتك! أريد أجرة السيارة
كان الآخر يتحدث بلغة غير عربية والسائق لا يعرف سواها، فنشأ قتال كلامي بينهما. ينشغل السائق بالجدال على أخذ الأجرة بينما يأخذ مَن في السيارة حقيبته ويهرب كلص.
يعود السائق مجددا إلى الأرض التي نقل منها الركاب والدماء تغلي من رأسه. يرى ركابا جدد. يقفون هكذا، مرتدين ثيابا سوداء، يطالعون السيارات التي ستنقلهم إلى وجهتهم الوحيدة، يرى الراكب يمعن النظر في السيارات الراكنة من حوله كأنها قطع فنية معروضة في متحف عبثي، ثم يعلق "واوا أمريكية، سيارة مرسيدس USA" كأنه يشتريها لا يستخدمها للنقل. قطيع من البشر تقوده فتاة صغيرة. وقطيع عائلي آخر تقوده زوجة وثالث تقوده امرأة مسنة. وقفت أمامهم سيارة كيا منظرها مقبول ومالكها يسكن بغداد.
كان الهمّ المعيشي للسائق هو ركاب يملأون الفراغ، توصيلة ذهاب ثم رجوع إلى نقطة الركاب. رآهم وهو يجلس خلف المقود، أوقف نصف جسده عند النافذة وصرخ:
_كربلاء… كربلاء!
اجابوا بصوت واحد:
_كربلاء مستقيم.
في عُرف قوانين السياقة العراقية، لا وجود لشيء اسمه خطّ مستقيم، كأن يأخذ السائق ركّابه من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول مباشرة. العراقي يعرف بالفطرة أكثر مما يعرف بالقانون أنّه يلتقط الركّاب من الحدود ثم يصل بهم إلى مطعم ما ،وأن سائق باص الريم هو الذي يواصلهم إلى جهتهم، من دون أن تخرج الرحلة بطبيعة الحال عن كربلاء وهكذا تصبح ، كربلاء مستقيم.
مثلا، إذا كانت مقاعد الكيا عشرة أصبح ركابها عشرين، جلس الجميع في السيارة، الواحد تلو الآخر فأضافوا ثِقلا للعربة لا بسبب وزنهم فاجسادهم تشكو من حصار اقتصادي . بقدر حضورهم؛ حضورٌ يشبه حجرا وُضع على القلب بدل الأرض، لا يزحزحه إعصار ما إن استقروا حتى انخفضت السيارة أو هكذا خُيل للسائق. حينها وجد حتى الكابريس الخفيفة بدت فجأة كمسير شاب مثقل بالخيبة
كانوا متراصين هكذا بلا حراك سوى اهتزاز مطبات الطريق التي تنقلهم بعنف أحيانا. أعينهم تطالع الشارع من النوافذ باهتمام بالغ وشفاههم تتحدث بلا انقطاع، كيف لوافد أجنبيّ في بلد غريب أن يتحدث بلغته الأم ثم يتوقع من الآخرين أن يفهموه؟ كانوا يتحدثون مع السائق وهو يجيب باهتزاز رأسه فحسب، وفجأة ارتفعت السيارة بهم وكأنها تصعد جبل موت، وانفتح المشهد من النافذة كلوحة غريبة تأسر العين، بناء تحت هضبة حدودية، تعلوه قبة باللون الأخضر، يلوح بين الغبار والخفوت الغروبي. بناء مألوف
قبة صغيرة بلون أخضر باهت، تحرسها جدران إسمنتية متقشفة، وفي بساطتها تسكن رهبة دينية، وروح مكان يهمس بهدوء صوفي.
نطق أحدهم من مقعده وسأل السائق بفضول بشري:
—ما هذا المكان؟
أجابه السائق:
—الإمام الحسين
فقال:
—الإمام الحسين! الإمام الحسين
ما إن نطق بها حتى انفجرت المقاعد زوابع من بكاء ولطم وولولة، وانخرط الجميع معه دفعة واحدة يصرخون:
—يا حسين، يا حسين!
صرخ أحدهم في السائق:
—أطبگ
ها هم أخيرا في أرض الميعاد، الأرض التي حُرموا من رؤيتها طوال أربع وعشرين عام لا لشيء سوى أن رسوم العبور مُفرَضة على عابري الحدود، وهم ياكلون رغيف واحد في اليوم.. غفلوا أن هذه الأرض مهجورة من السكان، خالية من الفنادق والمنازل والباعة والمشترين وكل مظاهر المدنية سوى قرية صغيرة قريبة من بناء المرقد.
التوقيت غروب والآفاق ضبابية، لا يسعك رؤية ما هو بعيد. أوقف السائق السيارة على جانب الطريق وفتح أحدهم الباب. ترجل الأول من السيارة ليس بقدمه بل بذراعيه كمن يقرب نفسه من الأرض تقديسا. وضع اليد اليمنى على الأرض، تلتها اليسرى وبدأ يحبو على الأرض كطفل يكتشف الحياة لأول مرة، خاشعا متلهفا مشتاقا
تلاه الآخرون، يقلدون فعلته زحفا من أسفلت الشارع إلى رخام المرقد، يخطون بحذر مهيب، تتعثر أقدامهم بالخشوع،
ويعلو عويلهم:
—يا حسين...يا حسين
الهواء مشبع برائحة الغبار والقداسة والهدوء المحيط بالمرقد يختلط بصدى الأصوات والضوء الغروبي يلثم القبة الخضراء ببطء ويغطي الجميع بوشاح من السلام والخشوع؛ ولأن صوت الليل مسموع، سمعهم أهل القرية فهرعوا نحوهم، يحملهم فضولٌ بين غرابة وحذر.
أما السائق، فاستند إلى سيارته يراقب المشهد ويدخن مبتسما. جلس خلف المقود وتركهم يزحفون نحو المرقد وانطلق بسيارة الكيا kia خاصته. في حينها هرع أهل القرية إليهم واقفين، مستغربين من حالهم، مصححين الخطأ المكاني الذي وقع.
عاد السائق إلى نقطة الحدود مجددا وقد اصطحب ركابا آخرين.
الطريق، النوافذ قبة خضراء وأجساد زاحفة يخطفها منظر رجل يبتسم