غلطةُ ذي قار



انهمك أبو جابرٍ يكتب لمديره قائمةً بالأيام الوطنية والفعاليات العالمية التي ستشارك فيها إدارتهم، و في غمرة الإجهاد، وعلى سبيل الدعابة والتخفيف من الضغط النفسي في جوّ العمل، كتب مِن بين ما كتب: (المشاركة في يوم ذي قار) ! دوّنها مبتسمًا، وفي نيّته أن يعودَ و يمسحها بعد ذلك.

بعد زوال الكثير من التعب، والشروع في المراجعة، نسي الأمر، وقدّم الخطّةَ إلى المدير المتحمّس، و نظرًا لدقة هذا في المراجعة؛ اختار الاطلاعَ والاعتماد لاحقًا. مرّ يومان ، وفي اليوم الثالث وقّع على الخطّة الإستراتيجية ، وصارت جاهزة.

نُفذّت الفعالياتُ في مدّة وجيزة، وجرى الأمر بمتابعة من المدير مطبّقًا صرامتَه المعهودة، و لم يبقَ إلّا فعاليةٌ أخيرة، لاحظ المديرُ ذلك، فنبّه الموظّفَ ، وبحدّة أشار بإصبعه إلى وسط الورقة ، فبلع هذا ريقَه حين صفعه ( يوم ذي قار) ضمن الخطّة المرتّبة المزمّنة! لكنه نجح بعد ثوانٍ خاطفة في التماسك، ووجد مخرجًا مناسبًا في القول:

- المهمّ أننا نفّذنا معظمَ الفعالياتِ يا سعادةَ المدير، وسننال تقييمًا عاليًا بين مؤسسات الدولة، وسترى خطاباتِ الشكر تتوالى على إدارتنا في ظلّ توجيهاتكم.

لم تهدّئ كلماتُ (أبو جابر) من غضب مديره، فواصل بحدّة:

-هذا الإهمالُ والتهاون ُغيرُ مقبول وغير مسموح به في إدارتي.

- في الواقع ، ليس إهمالَا يا أبا البراء، وأرى أنّ ما قمنا به يكفي، وفي العام القادم ، يكون هذا اليوم في سلم الأولويات.

وظنّ أن مناداته هكذا، وتكنيته باسم ابنه الأكبر ستساعد في التخفيف من فورته ضدّه، إلا أن أبا البراء عاجلَه:

-أوّلًا قلْ (على سلّم الأولويات)، ودعني من رأيك ، وثانيًا اعملْ سريعًا على مشاركتنا في هذا اليوم! وإلّا سوف تُعاقب على إهمالك بتركِ يومٍ مهمّ ٍ كهذا.

وأردف على مقربة من إرعاد وإزباد:

-عندكَ أسبوعٌ واحدٌ لذلك، يجب رفع التقارير، يجب الرفع دون تأخير.

- أتعرفُ يا سعادة المدير ماذا يعني هذا؟

- ماذا يعني.. أفدني يا فاهم!

- المشاركة....تعني أن تقودَ بنفسك جيشًا عرَمْرمًا ، وتعود إلى الماضي السحيق، و تخوضَ حربًا ضَروسًا مع هاني بن مسعود!

انتصب المسؤولُ الكبير واقفًا ، وظلّ ينظر إلى الموظّف وإلى الورقة ذات الأيام الناجزة ينقصها هذا اليومُ المنحوس! تأملّها على طاولةِ مكتبه الواسع اللامع، تحيّر في أمره، ولا يدري هل المشكلةُ في " الضَّروس " هذه أم في "العرَمْرم"؟ ثمّ تساءل بصمتٍ محاذرًا ألّا يلمح الموظّفُ انزعاجه!

كيف لموظّف يعمل طوعَ أمره أنْ يتعالَمَ عليه بهذه الكلمات ، ويختم باسمِ شخصٍ لم يسمع به من قبل؟! ثمّ تساءل:" أيكون ابنُ مسعودٍ هذا مع أم ضدّ الحكومة ؟!" لكن( أمّ المشكلات ) ستكون في الخروج على الوالي! وبجيش؟! "هذا ما لنْ يحدثَ في زمن إدارتي!"

استعاد شيئًا من هدوئه، ثم راح ينظر إلى (أبو جابر) نظراتٍ خاطفة، ، وفيما الموظّف يوشك أنْ يصارحه مشفقًا عليه، استمرّ بشيء من ثقة:

- ظننتُ التنفيذَ سيرفع الأداء ، فإذا بـ (يومكَ ) هذا يهوى بنا إلى اللاقرار!!

طمأنه أبو جابر ثانية بقوله :

-لا تقلق يا صاحب السعادة، سنحوّل الفعاليةَ إلى محاضرة تاريخية عن النصر على أعداء الأمة، مع التأكيد على أنّ بوادرَ الوحدةِ العربية قد ظهرت، بل تحققت في يوم ذي قار.

هزّ المديرُ رأسه بشيء من الرضى ، وكأنما يوافق على ما سمع، وقرّر شيئًا في أعماقه:

فليكنْ..، يهتزّ الرأسُ ولا يطير!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى