شريف محيي الدين إبراهيم - ابن الدجال

قريتي السواقي... قرية صغيرة في أقصى جنوب الصعيد، لا تبعد كثيرًا عن الأقصر، وتستريح فوق أطلال مدينة فرعونية قديمة، كلما شقَّ معول فلاح الأرض، خرجت تميمة، أو جعران حجري، أو قطعة فخار منقوشة برموز لا يقرأها أحد.

يقول أهلها إن أرواح الكهنة ما زالت تحرس المكان، وإن المقابر القديمة لا تغفر لمن يقترب منها، وإن لعنة الفراعنة تتربص بكل من يعبث بآثارهم.

لم تكن السواقي قرية يحكمها العمدة، بل يحكمها الخوف.
إذا مرض طفل، قالوا: أغضب روحًا فرعونية. وإذا جف البئر، قالوا: تحركت لعنة المقبرة. وإذا نفقت بقرة، قالوا: أصابتها تميمة ملعونة خرجت من باطن الأرض.

في السواقي، السؤال تهمة، والتفكير خروج على المألوف.

وفي قلب القرية ارتفع بيت أبي، الشيخ برهان.

لم يكن صاحب منصب، لكنه صاحب السلطان الحقيقي.
لم يحكم الناس بالقوة، بل استولى على عقولهم. يقصدون بيته كما يقصدون مقامًا مقدسًا، ويغادرونه وقد امتلأت قلوبهم رهبة، وأيديهم أخف مما جاءت، بعد أن تركت عند قدميه ما استطاعت من المال.

يزعم أنه ورث أسرار الكهنة القدماء، وأن بين يديه تمائم خرجت من المقابر الفرعونية، وأنه وحده يعرف الكلمات التي توقظ قواها.

كل مساء يقف بينهم، فيشعل النار فوق الماء، ويقرأ الرسائل المغلقة، ويخبر الغرباء بأسرارهم، ويخرج جعرانًا ذهبيًا من حفنة تراب، ويوقف النزيف بلمسة، ويجعل طفلًا يمشي فوق الجمر.

وحين ينتهي العرض، يعود كل واحد إلى بيته وهو يردد اسم الشيخ برهان.

كنت ابنه الوحيد...كبرت بين الصناديق الخفية، والمرايا، والخيوط الدقيقة، والمواد التي تصنع الدخان والنار،عشت بين التمائم، والجعارين، والأحجار المنقوشة التي يدفنها أبي ليلًا ثم يستخرجها نهارًا أمام الناس.

أعرف كيف تختفي الأشياء، وكيف تخدع العيون، لكنني كنت أظن أن هذه الوسائل ليست إلا ستارًا يخفي سرًا أو كرامة حقيقية لا أعرفها.

حتى مرضت أمي.

جاء طبيب القرية، فأوقفه أبي عند الباب وقال في يقين لا يعرف الشك: "كيف يدخل طبيب بيتي، وما فتحه الله لي لا يعرفه أمهر الأطباء؟!"

أشعل البخور، ووضع عند رأسها تميمة قال إنها خرجت من مقبرة كاهن فرعوني، وردد كلمات زعم أنها ترجمة لنقوش مقدسة، ثم سقاها ماءً قال إنه مبارك.

راقبت أمي وهي تذبل كل يوم.

وفي ليلتها الأخيرة أمسكت يدي وهمست: "إذا مرضت يومًا... فاذهب إلى الطبيب."

ومنذ تلك الليلة ظل سؤال واحد يطاردني:

هل قتلها المرض... أم قتلها أبي؟

في تلك الليلة رأيتني أسير وحدي داخل ممر حجري طويل، تغطي جدرانه نقوش فرعونية لا أفهمها.
في آخر الممر ارتفع باب معبد هائل، وكلما اقتربت منه سمعت صوتًا يقول: "لا تفتحه." ظننته صوت أحد الكهنة، لكنني حين التفت عرفت أنه صوت أبي. استيقظت قبل أن تلامس يدي الباب، وبقي صدى صوته يرافقني حتى الصباح.
***
بعد أعوام عاد نديم.

صديق طفولتي الذي كان يسرق لي كل أسبوع كتابًا من مكتبة أبيه، ثم نجلس عند الترعة نلتهم صفحاته قبل أن يعيده إلى مكانه.

سافر إلى فرنسا، ودرس الطب، وعمل في مستشفياتها، ثم عاد.

وعادت معه زوجته كلير، الطبيبة الفرنسية التي تركت حياتها الهادئة لتبدأ معه حياة جديدة في قرية لا تعرفها.

فتح نديم عيادة شبه مجانية، وتولت كلير علاج النساء والأطفال.

لكن أهل القرية قالوا: "جاء بامرأة من بلاد الكفار."

وصل الخبر إلى أبي.

فاكتفى بابتسامة وقال: "ما دام الخوف حيًا... فلن يغلبنا أحد."

لم يواجه نديم أبي، واكتفى بأن يعالج الناس. أما أنا، فكنت أرى وجه أمي في كل مريض يخرج من عيادته معافى.

التقاني نديم عند الترعة. جلسنا طويلًا. ذكرني بأيام الطفولة، والكتب التي كان يسرقها لي من مكتبة أبيه.

قال: "لا أطلب منك أن تحارب أباك... أطلب منك فقط ألا تحارب الحقيقة."

عدت إلى البيت وصوته يطاردني. وقفت في الفناء، وكأنني أتأمل لأول مرة المكان الذي عشت فيه عمري كله.
في تلك الليلة جاء رجل يسند زوجته المريضة.

قال لأبي: "أنقذها يا شيخ."

نظرت إلى وجه المرأة، فرأيت أمي.

قلت للرجل: "خذها إلى نديم... الوقت يضيع."

لكن أبي منعه، وقال بثقة: "لن تحتاج إلى طبيب."

وأغلق الباب.

وقفت في الخارج، أسمع صوت التعاويذ يمتزج بأنين المرأة.

ومع الفجر خرج الرجل يحمل زوجته جثة هامدة.

دخلت مخزن البيت.

فتحت الصناديق.

المرايا... الخيوط... المساحيق... التمائم... الجعارين... كل الأسرار التي صنعت هيبة الشيخ برهان.
وضعتها في صندوق واحد.
في صباح اليوم التالي وقفت في ساحة القرية.

قلت للناس: "قضيت عمري أساعد أبي... واليوم سأريكم كيف كانت تُصنع معجزاته."

أشعلت النار فوق الماء، ثم كشفت المادة التي أشعلتها. أخرجت الرجل المختبئ خلف المرآة. كشفت الخيوط والصناديق السرية. وبيّنت كيف كان يدفن التمائم ليلًا ليستخرجها نهارًا، وكيف كان ينسبها إلى مقابر الفراعنة، وكيف صنعت الجعارين في ورش عادية لا في مقابر الملوك.

وسقطت الحيل واحدة تلو الأخرى.

لكن الخوف لم يسقط.

قال بعضهم: "خدعنا الشيخ."

وقال آخرون: "بل خدعنا الابن."

أما أبي فلم يغضب.

قال لأحد رجاله: "إنهم يهدمون الجدران... أما الأساس فما زال قائمًا."

***
بعد عدة أيام دعا أبي أهل السواقي جميعًا إلى مواجهة علنية. جئت، وجاء نديم إلى جواري، أما أبي فجاء وحده.

وقف أمام الناس، ونظر إليّ طويلًا، ثم قال: "هل انتهيت؟"

قلت: "نعم."

ابتسم وقال: "انتهيت مما تعلمته مني... أما أنا فلم أبدأ بعد."

رفع يده.

وفي اللحظة نفسها اشتعلت شجرة عند طرف الساحة.

تعالت الصرخات، وفر بعض الناس.

تقدمت أفتش حولها، فلم أجد شيئًا.

أما نديم فانحنى إلى الأرض، وأخذ يحفر بعصا صغيرة، حتى أخرج أنبوبًا معدنيًا وفتيلًا أخفيا تحت التراب.

رفعهما أمام الناس وقال: "النار لا تحتاج إلى معجزة... بل إلى من يخفي سببها."

ساد الهمس.

لكن أبي لم يبد منزعجًا.

أشار إلى صخرة ضخمة عند أطراف الساحة.

وببطء بدأت تتحرك.

ارتفعت صيحات الدهشة.

أسرعت ومعي نديم إليها، وقلبنا التراب حولها، فلم نعثر على شيء.

صاح نديم: "لا بد أن ثمة حيلة هندسية."

نظر أبي إلى الوجوه الذاهلة في ثبات، ثم قال: "تظن أن خصمك هو أنا. خصمك الحقيقي هو الخوف."

ثم التفت إليّ وقال بهدوء: "كنت تحسب أنك كشفت كل أسراري. غدًا سيطلب منك الناس سرًا جديدًا. وحين تعجز عن إدهاشهم، سيتركونك. وعندها ستعرف أن الحقيقة وحدها لا تكفي."
***
في تلك الليلة عاد الحلم.
رأيتني داخل المعبد نفسه، لكنني هذه المرة تجاوزت الباب. لم أجد كنوزًا ولا ملوكًا، بل كاهنًا عجوزًا يرفع تميمة أمام جمع من الناس، فيخرون ساجدين. اقتربت منه لأنتزعها من يده، فاستدار نحوي ببطء. لم يكن وجهه وجه كاهن فرعوني... كان وجه أبي. مد يده بالتميمة نحوي، ثم قال: "خذها... سيطلبونها منك." أفقت مذعورًا، ولم أعرف أكانت كلماته جزءًا من الحلم أم صدى لما قاله أمام أهل القرية.

حملت صندوقي، وبدأت أطوف القرى.

في كل مكان أجمع الناس. أقدم الخدعة، ثم أكشف سرها. أحرك الأشياء، ثم أريهم الخيوط. أجعل الرجل يختفي، ثم أفتح لهم الباب الذي خرج منه.

***

عدت إلى السواقي بعد عدة أعوام

رفضت الاستسلام.

قرأت كتب الفيزياء والكيمياء.

تعلمت وسائل جديدة.

وصنعت عروضًا لم يعرفها أبي.

امتلأت الساحات من جديد.

وفي نهاية أحد العروض، وقف رجل وسألني: "كيف فعلت الأخيرة؟"

فتحت فمي لأجيب.

ثم سكت.

لحظة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية.

ابتسمت وقلت: "في اللقاء القادم."

حين نطقت الجملة، شعرت كأن صوت أبي خرج من فمي.

تضاعف عدد الحاضرين.

صار الناس يقطعون المسافات لرؤية الخدعة الأخيرة.

وكلما اقترب موعد كشفها، أجلته مرة أخرى.

سألني صديقي نديم : "لماذا لم تعد تكشف كل شيء؟! ."

خفضت رأسي،كنت أشعر أن شيئا داخلي ينكسر ،أجبت بصوت خافت: "إذا كشفت الأخيرة... فلن يعودوا."

ظل ينظر إليّ طويلًا.

ثم قال: "أنت هكذا لم تنتصر على أبيك... بل بدأت تشبهه."

***
مات أبي في شتاء قارس.

قال أهل السواقي: "انتهى زمن الشيخ."

أما نديم فلم يقل شيئًا.

كان يعرف أن الأفكار لا تُدفن مع أصحابها.

مرت الأعوام.

كبرت عيادته.

وصارت كلير تتحدث العربية بطلاقة.

كبر الأطفال الذين عالجتهم، ودخل بعضهم الجامعة.

في كل خميس تمتلئ الساحة من جديد، لا بخيمة أبي، بل بمسرحي.

يصعد الناس، ويصفقون، وينتظرون الرجل الذي يكشف الخدع.

أبدأ كل ليلة بالجملة نفسها: "لا تصدقوا ما سترونه."

ثم أقدم عرضًا، وأكشف سره، ثم ثانيًا، وثالثًا، حتى أصل إلى الخدعة الأخيرة... الخدعة التي لا أكشفها.

وحين يسألني الناس، أبتسم وأقول: "الخميس القادم."

فيتعالى التصفيق، ويعود الجميع.
***
دخل نديم غرفتي ذات ليلة.

نظر إلى صندوق أبي القديم، ثم قال: "هل تعرف ماذا ورثت عن أبيك الشيخ برهان ؟

قلت: "هذه الأدوات."

هز رأسه وقال: "لا... ورثت جمهوره."

خرج، وبقيت وحدي.

فتحت الصندوق.

المرايا... المرايا... الخيوط... الأنابيب... التمائم... الجعارين... كلها كما تركها.

أغلقت الغطاء في هدوء.

وفي الخارج ارتفعت آلاف الأصوات تهتف:

"الخدعة الأخيرة...

الخدعة الأخيرة..."

جلست في الظلام.

وأدركت، بعد رحلة طويلة، أنني لم أرث صناديق أبي...

بل ورثت السؤال الذي عاش عمره كله يبحث عن إجابته:

هل حقًا يريد الناس الحقيقة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى