نعيمة السي أعراب - نبوءات...

" اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!"، تردد التحذير في أذني تماماً كما كان يحدث في طفولتي كلما أوشكتُ على الاصطدام بشيء، قبل أن تستدركني أمي مُلتقِطةً إياي لِتنقذني كعادتها من الخطر. تحذيرها ذاك استمررتُ في سماعه حتى بعد وفاتها بسنوات، حتى بعد غياب ذراعيها المنقِذتين، فصِرتُ أتلقى الضربة تلو الأخرى كالقدر المحتوم.

اليوم أيضاً لما سمعتُ هذا التحذير، كان الأمر قد قُضي حيث أفقتُ من شرودي على صوت ارتطام؛ وبعد رمشتين أو ثلاث، تراءى لي مشهد لم أستوعبه. بحركة من استيقظ من حلم ضبابي على واقع مزعج، نفضتُ يديَّ مما علق بهما من مواد لزجة أزكمت أنفي نتانتُها، ورفعتُهما لأُبعد قشور طماطم كانت تُطل عليَّ من خلال إطار نظاراتي، حاجبةً عني الرؤية بوضوح؛ ثم نظرتُ مجدداً أمامي لأجد عربة نفايات يجرها حمار، يبدو أنها صدمتني للتو!
بين دماغي وقدميَّ وحواسي، اشتعل فتيل خصام وتبادل تهم، إذ كيف غاب التنسيق بينهم ليسمحوا لي بالابتعاد في مشيي، دون وعي، حتى وصلتُ إلى مطرح النفايات، وكان من المفروض أن تنبئني الرائحة العطنة المحلقة في أجوائه، أو ينبهني نهيق الحمير المنتشرة في أطرافه؟!

خفضتُ يديَّ في حركة بين الحيرة والاستسلام، وشرعتُ أُعدد حوادث السير التي اعترضت طريقي منذ بداية العام... فَعَلا في الجو خوار بقرة، ترعى قرب كومة زِبالة، لِيُطوح بي إلى السهول المترامية خارج المدينة، حيث كنت أسوق سيارتي على مهل عبر طريق جانبية، قبل أقل من سنة، أملي العين بالخضرة الممتدة على أطراف البصر، حتى أخذتني لحظة شرود بعيداً في تأملاتي. كيف لا وبالي كان مشغولاً بموضوع ريحان!
آه من ريحان... الفتاة اليافعة التي افتتنتُ بجمالها وصباها. عنفوان ومرح طفولي، ضحكات رنانة، نظرات تجمع بين البراءة والشقاوة، حماسة واندفاع، كلها سِمات كانت تدفع بالدم في شراييني وتشعرني ببالغ الزهو والانتشاء.
ما كنتُ لأفكر في مفارقتها لولا حِدة طِباعها التي مزقت أوتار أعصابي وانقطع معها حبل صبري؛ العناد والغيرة الزائدة مع الغضب لأقل الأسباب، التسرع والتهور في كثير الأحيان. حسمتُ أمري وقررتُ قطع علاقتي بها حفاظاً على سلامة عقلي... أجل، هكذا عاهدتُ نفسي وطفِقتُ أطيب خاطري وأمنيه بالعوض الجميل، حتى وجدتُني في اصطدام مع سيارة بعدما تجاوزت بالخطأ علامة الوقوف عند تقاطع طرقي. لم تكن الخسائر كبيرة من جهتي بفعل السرعة البطيئة التي كنت أقود بها؛ بينما في الجهة الأخرى، ظهرت الضربة أقوى مع انبعاج الهيكل وتحطم الزجاج الجانبي الأيسر؛ كما رصدت عيناي عدة انبعاجات وخدوش عميقة على الأبواب، شاهدة على حوادث سابقة لم تُصلح قط، فيما كان الصدأ يغطي مِساحات كبيرة من السطح المعدني، وتتقشر صبغة اللون القديمة لتكشف عن صفائح حديدية متآكلة، تآكلت معها مدخراتي بعد توصلي بفاتورة التأمين التي شملت تجديد تلك الخردة بِمُجملها على حسابي!

رفعتُ يدي لأتحسس حافظة النقود في جيب قميصي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وحادثة اليوم. ثم ما لبث هدير محرك، مُنبعِث من مصنع متاخم لمطرح النفايات، يقفز بي على متن دراجتي النارية، حيث خرجتُ للتنزه منذ أقل من شهر، مع نسيم صباح بارد أخذ يلفح وجهي، ويتسلل رويداً إلى محرك أفكاري الذي بلغ به الدوران إلى حد الغليان. كيف لا وبالي كان مشغولاً بموضوع جِنان!
آه من جِنان... آه من جِنان ومن جنون جِنان... خِلتُها المرأة الناضجة والمجربة التي ستكون لي حضناً وملجأً بعدما تعبتُ من غراميات اليافعات، سريعات العطب وغير المتفهمات. وما كنتُ لأهجرها، رغم السنوات التي تكبرني بها، لولا جنونها المستبد بشكلها، وجموحها وهوسها بعمليات التجميل التي أثقلت كاهلي بتكاليف ترميم نصف جسدها. أجل هجرتها، وكانت، لو لم أهجرها، ستهجرني حالَما أعجزُ عن دفع المزيد لإعادة ترميم النصف الآخر من جسدها!
هكذا كنتُ أواسي النفس وأمنيها بالعوض الجميل، حتى أفقتُ فجأة على زعيق سيارة توقفت عجلاتها بمحاذاتي، بعدما احتك هيكلها بهيكل دراجتي التي مالت وأسقطتني معها ارضاً. نهضتُ مترنحاً واقتربتُ أتفحص جانب السيارة الفارهة التي أسرتني بلونها الذهبي وشكلها الانسيابي. وما كدتُ أمد يدي لألمس الخدش الظاهر على سطحها، حتى فاجأتني قبضة قوية من الخلف سحبتني من ياقة قميصي، وأدارتني لأتلقى لكمة مباشرة على الوجه!

رفعتُ يدي لأمسح مكان اللكمة على خدي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وظروف حادثة اليوم... من المؤكد أني خرجتُ بعد العصر لممارسة هواية المشي. وربما اتجهتُ إلى حديقة عمومية اختارتها قدماي للتنزه بين أرجائها. ولعلي كعادتي أثناء المشي، استغرقتُ في التفكير. كيف لا وبالي مشغول بموضوع وِجدان!
آه من وِجدان... آه من هذا الاسم الذي نزل على أذني مثل النغم، وأنا أسمعه ليلة أمس في حفل أحد أصدقائي، فالتفتُّ لأرى صاحبته، وما كنتُ أتوقعها ستسلب وِجداني! آه يا وِجدان... مُشِعة مثل نجمة، اجتمع فيها الشباب والحسن والرقي، بينما بريق الشعر الذهبي ومنحنيات القوام الانسيابي أعمَوني عن بريق خاتم الخطوبة المشِع في أصبع اليد اليمنى، وجعلوني أستعجل التعرف على التي عصفت بوِجداني. دنوتُ هامساً: "يا آنسة!"، ولما لم تلتفت، مددتُ يدي نحو كتفها كي أنبهها، لكن ما إن لامست أناملي البشرة الناعمة حتى اخترقتني صعقة كهربائية اهتز معها كياني، واجتاحتني إثرها موجة من الأحاسيس اللذيذة؛ موجة جعلت قلبي يتأرجح على سطحها مثل راكب أمواج مبتدئ. أما الشعر الذهبي، فتصوَّر لي كثبانَ رمل على شاطئ أحلامي. تماديتُ وتماديتُ، وطمعتُ في التقاط إحدى خصلاته أنعمُ بمداعبتها، وما إن أمسكتُها بين أصابعي حتى شعرتُ بقبضة قوية من الخلف تسحبني من ياقة قميصي، وتدفعني بعيداً مع سيل من الشتائم ينهال على مسامعي!

رفعتُ يدي لأُصلح ياقة قميصي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وحادثة اليوم. خفضتُها ثانيةً ومعها بصري لأزيل ما تبقى من أوساخ عن قميصي. وإذا بالحيرة تستبد بي، وأنا أحاول ربط الوقائع فيما بينها، متسائلاً عن معنى حوادث السير التي تتربص بي عند كل منعرج شرود خطير، وتزداد سوءاً حتى انتهت بي إلى عربة النفايات؛ حوادث لم تُنقذني منها تحذيرات أمي، أمي التي كانت تربط بين الحوادث والنساء!
آه يا أمي، ليتك هنا معي، بكامل حضورك ونباهتك، لِتُزيلي الغشاوة عن عيني وتُنيري بصيرتي!
صدرت عني تنهيدة طويلة شكوتُ فيها عجزي وقلة حيلتي، ثم بحركة آلية، نفضتُ يديَّ وخلعتُ نظاراتي لأزيح عنها قشور الطماطم التي بقيت عالقة بإطارها، بينما برقت في ذهني صورة فستان أحمر لمحتُه هذا الصباح منشوراً على حبل غسيل جارتي اللعوب!



- نعيمة السي أعراب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى