مهداة لكل امرأة منحت للحياة معنى الكرامة.
السعدية طفلةٌ عمرها ستون سنة.
جلدها صار شبيهًا بورقٍ نُقِع طويلًا في ضوء الشمس، وتجاعيدُه لا تُعلن الشيخوخة بقدر ما تُشبه خطوطَ طفلٍ حاول أن يرسم الزمن فلم يفهمه.
عينان مُرهقتان، جفنان يثقلان مع الغروب، وحدقةٌ تعرف معنى الوهن، غير أنّ النظرة نفسها ظلّت طريّة، تقفز على الأشياء دون حسابٍ للعواقب، ترى العالم كما يُرى للمرة الأولى: بلا ذاكرةٍ كافية للحذر.
الجسد يستجيب ببطء للتحولات ، والروح تقفز مع كل دعابة. يدها قوية، لا تعرف الارتعاش، كأن العضلات احتفظت بصلابة العمل ونَسيت هشاشة العمر. تضحك فجأة، ضحكة قصيرة حادّة، تشبه انقباض عضلةٍ لم تتعلّم بعدُ كيف تُخفي انفعالها.
عقلها يصرّ على دورةٍ أبدية من البداية؛ أنثى توقّف جسدها عن الوعد، لكنه لم يتوقّف عن التمنّي.
كانت تمشي وفي مشيتها اختلالٌ مقصود: ليس لأن الأذن الداخلية خانتها فقط، بل لأن الطفلة التي بداخلها ترفض الخط المستقيم. الطفولة، حين تسكن جسدًا مُسنًّا، لا تمنحه البراءة، بل تمنحه عدم الاكتراث.
لم تكن بلهاء بمعنى النقص، بل بلهاء بمعنى الاكتمال الناقص: جسدٌ يعرف كل شيء عن النهاية، وعقلٌ لم يُصدّق بعدُ أن البداية انتهت.
كأن الطبيعة أخطأت في المزامنة، فتركتها امرأةً عجوزًا تعيش داخل جبة الطفولة.
كان معجمها ضيقًا؛ تبدأ الجملة ولا تجد لها مخرجًا، فتُنهيها بابتسامةٍ سائبة أو بضحكةٍ هستيرية لا تتوقف إلا بأمرٍ مباشر. عند العجز، تتكلم يداها: إشاراتٌ بديلةٌ عن اللغة، تُعبّر عن انفعالاتها، عن رغباتها البيولوجية، عن حاجتها إلى أن تُفهم. أحبّ الناس هذه الطريقة، فدفعوها إلى الحكي، لا لتفهم نفسها، بل ليتسلّوا بعجزها عن امتلاك العالم لغويا.
أما الأرقام، فقد حصرتها في إطار خاص بها . تعرف العدّ إلى خمسة فقط، ثم تُكمل بأصابعها. اختزلت النقود إلى ألوان: الأبيض درهم، الأصفر نصفه، الأزرق عشرون، الأخضر خمسون، الأحمر مائة. الحساب عندها لوحة، لا معادلة.
إن سُئلت عن ثمن كسوةٍ سعرها مائة وخمسة وسبعون درهمًا، أجابت بعد تفكيرٍ طويل: واحدة حمراء، واحدة خضراء، واحدة زرقاء، وخمسة بيضاء.
وحين تعلّمت أن ثمن قنينة الغاز الصغيرة عشرة دراهم، أدرجتها ضمن الأعداد التي تملكها. فكانت تقول إنها اشترت اللحم بورقةٍ زرقاء وبوطا؛ أي ثلاثين درهمًا.
كان الأطفال يضعونها في مآزق عددية: يسألونها عن عمرها، رقم منزلها، عدد أيام صيامها… فتواجه المقالب بابتسامة. نادرًا ما غضبت، وحين يبلغ الغضب حدَّه، يضطرب معجمها، تتنافر أرقامها، تنكسر نبرة صوتها، تقترب من النشيج، ثم تخرج جملة سليمة واحدة، مكتملة، كأنها قصيدة مُخبّأة للضرورة القصوى بين دمعاتها:
"يا كونُ، يا كذبةَ الضوء والعدم،
يا وعدًا يلد الخيبة ويُرضع الوهم،
خُلِقتُ فيكِ صدفةً،
وكبرتُ فيكِ غلطةً،
وسأموتُ في لحظة دون ندم…"
لكن هذه السوداوية لا تلبث أن تتوارى خلف انخراطها في خدمة الآخرين، منتظرةً كلمة رضى، شهادةً صغيرة على الإتقان، على الأمانة، على نظافة العمل وكتمان أسرار البيوت.
حين تزور بيتًا وتُصادف امرأةً تُحنّي، تكتفي بتخضيب يديها، وترفض أن تضع الحناء على رجليها، مؤجّلةً ذلك ليوم تزفّ فيه عروسًا. فالعروس وحدها لها حق نقش الرجلين بالحناء، قناعة آمنت بها وظلت وفية لها.
كان حلمها الوحيد أن تلتحق بالمدرسة، كباقي قريناتها. تردد: سأدخل المدرسة… سألتحق بالقسم التحضيري.
كانت كلمة التحضيري تخرج منها ملوّنة بالشوق، محمّلة بالحنين، كأنها وعدُ خلاص.
ذات صباح، قبل افتتاح الموسم الدراسي بيومين، مرّت رفقة جارتها قرب مدرسة البنات. على الباب وقف الحارس، سي عمر، ناداهما وطلب مساعدته في تنظيف الحجرات. اهتزّ جسد السعدية؛ لأنها ستدخل المدرسة لأول مرة في حياتها. وافقتا، إيمانًا منهما بأن ما ستقومان به عملٌ شريف.
عشرون حجرة، موزعة بين الطابق الأرضي والأول. بدأتا من الأعلى. كانت السعدية تردد أهازيج شعبية، تنظف، وترقص، وكأنها تُمهّد الطريق لطفولةٍ متأخرة.
بعد خمس حجرات، توقفت فجأة وسألت:
— هل نظّفنا قسم التحضيري؟
— لا، أقسام التحضيري في الأسفل، سأخبرك عندما نصل.
ازدادت حيويتها، دون أن تفهم رفيقتها سرّ السؤال.
وحين أخبرتها زميلتها بأنها بلغت أول حجرة من المستوى الأول،
دخلت السعدية، والفرح يتطاير فراشات من عينيها. اتجهت إلى السبورة السوداء، قبّلتها، ثم قبّلت الجدران والنوافذ والكراسي. جلست على كرسي المعلّم، وأطلقت زغرودةً اخترقت المدرسة والحيّ والمدينة.
لقد حققت حلمها؛ إنها في التحضيري!
مكافأةً لهما، قدّمت زوجة الحارس وجبة غذاء، وأجبرت السعدية على تخضيب رجلها بالحناء.
ضحكت ضحكة عروس، فرسمت على وجهها الستيني ابتسامة طفلة التحضيري.
موسى مليح 28/01/2026
السعدية طفلةٌ عمرها ستون سنة.
جلدها صار شبيهًا بورقٍ نُقِع طويلًا في ضوء الشمس، وتجاعيدُه لا تُعلن الشيخوخة بقدر ما تُشبه خطوطَ طفلٍ حاول أن يرسم الزمن فلم يفهمه.
عينان مُرهقتان، جفنان يثقلان مع الغروب، وحدقةٌ تعرف معنى الوهن، غير أنّ النظرة نفسها ظلّت طريّة، تقفز على الأشياء دون حسابٍ للعواقب، ترى العالم كما يُرى للمرة الأولى: بلا ذاكرةٍ كافية للحذر.
الجسد يستجيب ببطء للتحولات ، والروح تقفز مع كل دعابة. يدها قوية، لا تعرف الارتعاش، كأن العضلات احتفظت بصلابة العمل ونَسيت هشاشة العمر. تضحك فجأة، ضحكة قصيرة حادّة، تشبه انقباض عضلةٍ لم تتعلّم بعدُ كيف تُخفي انفعالها.
عقلها يصرّ على دورةٍ أبدية من البداية؛ أنثى توقّف جسدها عن الوعد، لكنه لم يتوقّف عن التمنّي.
كانت تمشي وفي مشيتها اختلالٌ مقصود: ليس لأن الأذن الداخلية خانتها فقط، بل لأن الطفلة التي بداخلها ترفض الخط المستقيم. الطفولة، حين تسكن جسدًا مُسنًّا، لا تمنحه البراءة، بل تمنحه عدم الاكتراث.
لم تكن بلهاء بمعنى النقص، بل بلهاء بمعنى الاكتمال الناقص: جسدٌ يعرف كل شيء عن النهاية، وعقلٌ لم يُصدّق بعدُ أن البداية انتهت.
كأن الطبيعة أخطأت في المزامنة، فتركتها امرأةً عجوزًا تعيش داخل جبة الطفولة.
كان معجمها ضيقًا؛ تبدأ الجملة ولا تجد لها مخرجًا، فتُنهيها بابتسامةٍ سائبة أو بضحكةٍ هستيرية لا تتوقف إلا بأمرٍ مباشر. عند العجز، تتكلم يداها: إشاراتٌ بديلةٌ عن اللغة، تُعبّر عن انفعالاتها، عن رغباتها البيولوجية، عن حاجتها إلى أن تُفهم. أحبّ الناس هذه الطريقة، فدفعوها إلى الحكي، لا لتفهم نفسها، بل ليتسلّوا بعجزها عن امتلاك العالم لغويا.
أما الأرقام، فقد حصرتها في إطار خاص بها . تعرف العدّ إلى خمسة فقط، ثم تُكمل بأصابعها. اختزلت النقود إلى ألوان: الأبيض درهم، الأصفر نصفه، الأزرق عشرون، الأخضر خمسون، الأحمر مائة. الحساب عندها لوحة، لا معادلة.
إن سُئلت عن ثمن كسوةٍ سعرها مائة وخمسة وسبعون درهمًا، أجابت بعد تفكيرٍ طويل: واحدة حمراء، واحدة خضراء، واحدة زرقاء، وخمسة بيضاء.
وحين تعلّمت أن ثمن قنينة الغاز الصغيرة عشرة دراهم، أدرجتها ضمن الأعداد التي تملكها. فكانت تقول إنها اشترت اللحم بورقةٍ زرقاء وبوطا؛ أي ثلاثين درهمًا.
كان الأطفال يضعونها في مآزق عددية: يسألونها عن عمرها، رقم منزلها، عدد أيام صيامها… فتواجه المقالب بابتسامة. نادرًا ما غضبت، وحين يبلغ الغضب حدَّه، يضطرب معجمها، تتنافر أرقامها، تنكسر نبرة صوتها، تقترب من النشيج، ثم تخرج جملة سليمة واحدة، مكتملة، كأنها قصيدة مُخبّأة للضرورة القصوى بين دمعاتها:
"يا كونُ، يا كذبةَ الضوء والعدم،
يا وعدًا يلد الخيبة ويُرضع الوهم،
خُلِقتُ فيكِ صدفةً،
وكبرتُ فيكِ غلطةً،
وسأموتُ في لحظة دون ندم…"
لكن هذه السوداوية لا تلبث أن تتوارى خلف انخراطها في خدمة الآخرين، منتظرةً كلمة رضى، شهادةً صغيرة على الإتقان، على الأمانة، على نظافة العمل وكتمان أسرار البيوت.
حين تزور بيتًا وتُصادف امرأةً تُحنّي، تكتفي بتخضيب يديها، وترفض أن تضع الحناء على رجليها، مؤجّلةً ذلك ليوم تزفّ فيه عروسًا. فالعروس وحدها لها حق نقش الرجلين بالحناء، قناعة آمنت بها وظلت وفية لها.
كان حلمها الوحيد أن تلتحق بالمدرسة، كباقي قريناتها. تردد: سأدخل المدرسة… سألتحق بالقسم التحضيري.
كانت كلمة التحضيري تخرج منها ملوّنة بالشوق، محمّلة بالحنين، كأنها وعدُ خلاص.
ذات صباح، قبل افتتاح الموسم الدراسي بيومين، مرّت رفقة جارتها قرب مدرسة البنات. على الباب وقف الحارس، سي عمر، ناداهما وطلب مساعدته في تنظيف الحجرات. اهتزّ جسد السعدية؛ لأنها ستدخل المدرسة لأول مرة في حياتها. وافقتا، إيمانًا منهما بأن ما ستقومان به عملٌ شريف.
عشرون حجرة، موزعة بين الطابق الأرضي والأول. بدأتا من الأعلى. كانت السعدية تردد أهازيج شعبية، تنظف، وترقص، وكأنها تُمهّد الطريق لطفولةٍ متأخرة.
بعد خمس حجرات، توقفت فجأة وسألت:
— هل نظّفنا قسم التحضيري؟
— لا، أقسام التحضيري في الأسفل، سأخبرك عندما نصل.
ازدادت حيويتها، دون أن تفهم رفيقتها سرّ السؤال.
وحين أخبرتها زميلتها بأنها بلغت أول حجرة من المستوى الأول،
دخلت السعدية، والفرح يتطاير فراشات من عينيها. اتجهت إلى السبورة السوداء، قبّلتها، ثم قبّلت الجدران والنوافذ والكراسي. جلست على كرسي المعلّم، وأطلقت زغرودةً اخترقت المدرسة والحيّ والمدينة.
لقد حققت حلمها؛ إنها في التحضيري!
مكافأةً لهما، قدّمت زوجة الحارس وجبة غذاء، وأجبرت السعدية على تخضيب رجلها بالحناء.
ضحكت ضحكة عروس، فرسمت على وجهها الستيني ابتسامة طفلة التحضيري.
موسى مليح 28/01/2026