زينة المدوري - أبعد من الغموض

أبعد من الغموض حين قلتَ لي إنّني امرأةٌ غامضة، وبحرٌ لا قرار له، ابتسمتُ في سرّي. لا أدري أكنتَ تحاول فهمي أم تعترف بأنّك لم تبلغ بعد شاطئي الذي تظنّه بعيدا. ربما أبدو لك كذلك، لكنّني لا أرى نفسي غامضة بقدر ما أرى أنّني امرأة لا تُقرأ من صفحةٍ واحدة، ولا تُختصر في موقف، ولا تُعرَف بما تُظهره للآخرين فحسب. ففي داخلي مساحاتٌ لا أشرحها، وأفكارٌ لا أستعجل البوح بها، وأبوابٌ لا أفتحها لمجرّد أنّ أحدهم طرقها. قد أبدو امرأةً تقليدية، لكنّني لست امرأةً تحكمها العادة، ولا ممّن يستمددن خياراتهنّ من أعرافٍ لم يخترنها، أو يتركن للآخرين مهمّة تحديد ما ينبغي أن يكنّ عليه. أنا امرأة أعي اختياراتي، وأتحمّل مسؤوليتها كاملة، لا أتنصّل منها حين تخذلني نتائجها، ولا أبحث عن شماعة أعلّق عليها خيباتي. فما دمتُ قد اخترت، فمن حقّي أن أتعلم، وأن أراجع نفسي، وأن أعترف بأنّ بعض الطرق التي سلكتها لم تكن تستحقّ كلّ ذلك العبور. فالخيبة، وإن أوجعتني، لا تسلبني حقّي في الاختيار من جديد، ولا تجعلني أندم على أنّني كنتُ يومًا صادقةً مع ما شعرت به. ومع ذلك، لا أحتاج إلى نصفٍ يُكمّلني، ولا أبحث في الحبّ عمّن يرمّم ما تصدّع في داخلي، أو يمنحني قيمة لا أملكها من دونه. أنا لا أدخل حياة أحدٍ لأتّكئ عليه من فرط العجز، ولا أفتح قلبي طلبًا للنجاة من وحدتي، بل لأنّ في روحي متّسعًا للمشاركة، ولأنّ المحبّة حين تكون صادقة لا ينبغي أن تتحوّل إلى صفقةٍ بين احتياجين، ولا إلى عبءٍ يتولّى أحد الطرفين حمله عن الآخر. أحبّ الآخر لأنّني أريده، لا لأنّني أحتاج إليه كي أكون. أختاره إضافةً إلى حياتي، لا بديلا عن نفسي، وأمنحه من مودّتي ما أستطيع، دون أن أساوم على كرامتي، أو أتنازل عن حقي في أن أظلّ أنا، حتى وأنا أحبّه. ولستُ ممّن يعشن على أثر الأشياء، يستبقين صورها القديمة، ويستدللن بما كان على ما لا يزال. لا يُغريني تاريخ طويل إذا صار الحاضر غريبا، ولا تقنعني الذكريات بأنّ ما فقد روحه ما زال يستحقّ البقاء. أعرف أنّ للأشياء أعمارا، وللعلاقات تحوّلاتها، وأنّ بعض ما جمعنا يوما قد لا يعود قادرا على جمعنا اليوم. وليس كلّ ما كان جميلا مطالبًا بأن يظلّ جميلا إلى الأبد، ولا كلّ ما بدأ بحبٍّ محكوما عليه أن ينتهي إليه. أنا امرأةٌ أؤمن بالمعنى، بالصدق الذي يمنح الكلمات وزنها، وبالمودّة التي تجعل الحضور أكثر من مجرّد وجود، وبالعلاقة التي لا تضطرّني إلى التخلّي عن نفسي كي أحافظ عليها. فإذا بقي الشكل وغاب الجوهر، وإذا تحوّل القرب إلى مسافةٍ صامتة، والكلام إلى عادة، والوفاء إلى مجرّد حساب قديم، فلن أُخدع ببقاء الأشياء في أماكنها، بينما كلّ ما كان يمنحها الحياة قد رحل. وحين يغيب المعنى، لا أُقيم طويلا أمام الأبواب المغلقة، ولا أستنزف روحي في محاولة إحياء ما لم يعد يرغب في الحياة. لا أحتاج إلى خصومة كي أبرّر رحيلي، ولا إلى كراهيةٍ كي أتحرّر من تعلّقي، ولا إلى أن يصبح الآخر سيّئًا حتى أسمح لنفسي بالمغادرة. يكفيني أن أشعر بأنّ المكان لم يعد يتّسع لحقيقتي، وأنّ البقاء فيه صار خيانة هادئة لما أعرفه عن نفسي. عندها، أحزم حقائبي وأرحل بسلام. لا أنكر ما كان، ولا أُسيء إلى ما أحببت، ولا أندم بالضرورة على الطريق الذي قطعته،لكنّني لا أسمح للماضي بأن يتحوّل إلى قيدٍ في قدميّ، ولا للذكريات بأن تُقنعني بالعيش في مكان انتهى دوره في حياتي. فأنا لا أرحل لأنّني لا أعرف كيف أتمسّك، بل لأنّني أعرف أنّ التمسّك ليس فضيلةً في كلّ الأحوال، وأنّ بعض النهايات لا تنتقص من صدق البدايات، وأنّ احترام ما عشناه لا يعني أن نقضي ما تبقّى من أعمارنا أسرى له. أمّا عن البحر الذي قلتَ إنّه بلا قرار، فلعلّك لم تنتبه إلى أنّ البحار ليست غامضةً دائما، أحيانًا يكون العابر هو الذي لا يعرف كيف يقرأ الماء، وأحيانا لا تكون الأعماق مستحيلة الفهم، بل عصيّةً على من يكتفي بالنظر إلى السطح. قد أبدو امرأةً تقليدية، لكنّني أملك من الوعي ما يجعلني مسؤولةً عن اختياراتي، ومن الاستقلال ما يجعلني أحبّ دون أن أستمدّ من الآخر اكتمالي، ومن التصالح مع نفسي ما يجعلني أرحل دون ضغينة. أنا لا أبحث عمّن يُكملني، ولا أتشبّث بما فقد معناه. أختار بملء إرادتي، وأحبّ بملء قلبي، وأرحل حين لا يعود للبقاء ما يستحقّه. فإن كنتُ غامضةً في نظرك، فلأنّني لا أضع نفسي كلّها على الطاولة كي أُفهَم، وإن كنتُ بحرًا بلا قرار، فلأنّني تعلّمتُ ألّا أمنح أعماقي لكلّ من يُحسن الوقوف على الشاطئ. زينة مدوري









Mar 18:28
[HEADING=1]زينة[/HEADING]


النَّصُّ العَصِيُّ في القرى الصغيرة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضا، حتى لكأنهم أفراد عائلة واحدة، كانت الحياة تمضي على إيقاع هادئ، تحكمها الألفة، وتتشابك فيها العلاقات إلى حدّ تصبح معه رعاية الأطفال مسؤولية تتجاوز حدود البيوت. لم يكن الطفل ابن أسرته وحدها؛ كان، بطريقة ما، ابن الحيّ كله، ترعاه عيون الأمهات، وتحتضنه عفوية الجيران، وتفتح له الأبواب من غير مواعيد. في تلك القرية، كانت هناك امرأة شابة تُدعى حليمة. لم تُرزق بأطفال، وكان زوجها كثير الغياب بحكم السفر، فكانت وحدتها، كما بدا للكبار، تحتاج أحيانا إلى شيء من الأنس. كنت يومها في السادسة، أو السابعة على أبعد تقدير؛ عمرًا لا يعرف من العالم إلا ما تسمح له به يد أمه، ولا يفهم من العلاقات الإنسانية إلا ظاهرها. كنت طفلة مدلّلة، وكانت أمي ترسلني بين الحين والآخر إلى حليمة، لأؤنسها قليلا، أو لعلّها كانت تريد أن تمنح تلك المرأة الشابة بعضًا من ضجيج الطفولة الذي خلا منه بيتها. كانت هناك حدود لا أفهم أسبابها، ومن بينها أن زيارتي لها يوم الجمعة لم تكن مسموحة. ولعلّ المنع، كما يحدث مع الأطفال، لم يفعل سوى أن جعل ذلك اليوم أكثر إثارة للفضول. وفي يوم جمعة، غلبني فضولي، فذهبت خلسة، ودخلت البيت من غير أن تشعر بي حليمة. كانت منشغلة بالاستحمام، فصعدت إلى السَّدّة التي كانت تُحفظ عليها المؤونة، واختبأت خلف ستار، مدفوعة بذلك الشعور الطفولي الذي يخلط بين المغامرة واللعب، من دون أن أدرك أنّني على وشك أن أرى ما لن أستطيع فهمه. لا أعرف كم مرّ من الوقت قبل أن يُفتح الباب، ولا كيف دخل الرجل إلى الغرفة. كل ما بقي في ذاكرتي أنّ عمدة القرية ظهر فجأة، وأنّ ما تلا ذلك حدث بسرعة أربكت إدراكي الصغير. كان العمدة رجلا له في القرية مقامه وهيبته، يؤُمّ الناس يوم الجمعة، فيتبعونه مطمئنين إلى صوته، ويصغون إلى ما يتلوه عليهم من آيات. لكنّ له، بعيدا عن أعينهم، سيرة أخرى مع بعض نسائهم، لا تشبه الصورة التي ألفوها له، ولا الكلام الذي اعتادوا سماعه منه. رأيته يشدّ بحليمة من شعرها، ورأيت حركة عنيفة، وسمعت أصواتا متقطعة لم أعرف كيف أفسّرها. خُيّل إليّ، وأنا أراقب من مخبئي، أنّه يضربها. كانت تتأوّه، وكنت أظنّ، بعقل طفلة لا يملك من المعرفة ما يتيح له قراءة المشاهد الملتبسة، أنّها توشك أن تموت. لم أفهم شيئًا. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، ولا لماذا يحدث، ولا كيف يمكن للعالم المألوف أن ينقلب، في لحظات، إلى شيء يبعث كل ذلك الرعب. تجمّد جسدي في مكاني، وخذلني الخوف حتى فقدت السيطرة على نفسي. وما زلت، إلى اليوم، لا أستطيع أن أستعيد المشهد كاملا؛ فثمة صور باهتة، وأصوات مبعثرة، وفراغات واسعة لا أعرف إن كانت الذاكرة قد محتها، أم أنّني، في ذلك العمر، لم أكن قادرة أصلا على استيعابها. ثم، كما يحدث في بعض المشاهد التي تعجز الذاكرة عن تفسيرها، انتهى كل شيء فجأة. لم يحدث ما يشبه النهاية. لم يرتفع صوت، ولم تقع مواجهة، ولم يظهر في البيت ما يوحي بأنّ شيئا استثنائيًا قد وقع. بدا الأمر كأنّ الحياة استأنفت سيرها ببساطة، وكأنّ اللحظات السابقة لم تكن سوى انقطاع عابر في نهار عادي. اغتسل الرجل وغادر إلى صلاة الجمعة، كأنّ شيئًا لم يحدث. كان عليه أن يتقدّم الناس في المسجد، وأن يقفوا خلفه مطمئنين إلى صورته التي يعرفونها ،أمّا ما كان يفعله بعيدا عن أعينهم، فلم يكن جزءًا من تلك الصورة التي ألفتها القرية. أما حليمة، فقد بدت لي بعد ذلك مختلفة. كان وجهها مورّدا، وملامحها هادئة على نحو لم أستطع آنذاك أن أربطه بما رأيته قبل قليل. لم أسألها. لم أكن أملك السؤال المناسب، ولا اللغة التي يمكن أن أضع بها خوفي في كلمات. وربما لم أكن أملك حتى الشجاعة لأعترف بأنني كنت هناك. لكنّ المشهد لم ينتهِ عند مغادرة الرجل، كما انتهى في ظاهر الحكاية. فقد حملته الطفلة معها إلى البيت، من دون أن تعرف كيف تتخلّص منه، أو كيف تفسّر ما رأته. منذ ذلك اليوم، تشبّثت بأمي على نحو مختلف، وألححت في النوم إلى جوارها، كأنّ قربها مني يستطيع أن يحول دون كارثة وشيكة. لم أكن أعرف كيف أصوغ خوفي، ولا كيف أشرح لأمي ذلك الإصرار الذي صار يلازمني. كنت أخشى، في منطقي الصغير، أن يفعل أبي بأمي ما ظننت أنّ عمدة القرية فعله بحليمة. لم أكن أملك من المعرفة ما يكفي للفصل بين ما رأيته وما تخيّلته، ولا بين العنف والموت، ولا بين ما يحدث في بيت وما يمكن أن يحدث في بيت آخر. كان المشهد أكبر من قدرتي على الفهم، فملأت فراغاته بأشدّ مخاوفي بدائية: أن أفقد أمي. وهكذا، بينما مضى نهار الجمعة في القرية كأيّ نهار آخر، كانت طفلة صغيرة قد فقدت شيئًا من طمأنينتها. لم يكن أحد يرى ما يدور في رأسها، وربما لم تكن هي نفسها قادرة على فهمه. كل ما كانت تعرفه أنّ النوم بعيدًا عن أمها صار مخيفًا، وأنّ عليها أن تبقى قريبة منها، كأنّ ذراعيها الصغيرتين قادرتان على حمايتها من شيء لا تعرف اسمه. لم تكن تفهم ما حدث لحليمة، لكنها خافت أن يتكرّر في بيتها. وتلك، ربما، إحدى قسوات الطفولة: أن نعجز عن فهم ما نراه، ثم نعيش طويلا تحت وطأة ما تخيّلنا أنّه يعنيه. بقيت الحكاية، منذ ذلك اليوم، شذرات لا تكتمل. كلما حاولت الذاكرة أن تستعيدها، أعادت إليّ المشهد من زاوية مختلفة، ثم تركتني أمام المسافة نفسها: طفلة رأت شيئًا لم تفهمه، وامرأة لم تعرف عنها ما يكفي لتفهم، ورجل مضى إلى وجهته كأنّ النهار لم يتغيّر. زينة مدوري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى