إبراهيم الديب - السجين..

الساعة تقترب من السابعة صباحاً ، في أحد أيام الربيع البديعة طقسا ،استمتع به وبما تبقى رائحة كأنها بقايا دخان تستنشقه انفي، ليس هذا فقط بل وترغب فيه وتطلب المزيد منه، حاسة الشم لدي ، لما تحمله بداخلها من عطر فواح أطلقته في الأثير براعم ثمار الفاكهة التي ما زالت بداخل اكمامها أثناء ممارسة طقوس نضوجها في سعيها الحثيث لاكتمال تكوينها ، أحب هذه الرائحة كثيراً التي تخلفها أشجار الفاكهة الكثيفة في بداية فصل الربيع على ضفة قناة السويس الغربية في منطقة" قمة فايد" قبل أن تبخرها أشعة الشمس التي تخلصت من اللون البنفسجي الخجول, ومن بعده الاحمر الأكثر جرأة بالاعلان عن نفسه ، فلم يعد أمام قرص الشمس إلا القليل ليغزو فضاء الكون الفسيح ناشرا لونه الأبيض الكاسح الممزوج بالفضي .
أصبحت أمام السجن الحربي لا تنقصني الرشاقة واعتدال المزاج واستقامة النفس، فأنا في مأمورية أثناء فترة التجنيد من أجل صرف كبيرة من التعيين للكتيبة نزلت من السيارة أتأبط جريدة الأهرام مخبئا بداخلها مجلة أكتوبر ،التي أحرص على قراءتها لأن من كتابها "أنيس منصور، وحسين مؤنس، وعبد العظيم رمضان، صادف خروج مجموعة من المساجين من بوابة السجن: يحملون مقشات ،وأدوات لأعمال ؛النظافة أمام السجن ووسطهم وخلفهم مجموعة الحرس الخاص بهم ,كانت نظراتهم نهمة تريد التهام كل شئ دفعة واحدة وكأنهم لم يروا الدنيا من قبل ذلك، كأنها لحظة خروجهم الأولى للحياة كانت أعينهم تدور في كل ما حولهم في السماء، في الأشجار في الصحراء في النظر السيارات المنطلق الاسماعليه إلى السويس والعكس صحيح ، كانوا يمعنون النظر في الطيور المحلقة باتجاه السحاب والى السفن العملاقة التي تمر بالقناة ،نادي أحدهم على زميلا له قائلا الله هل رأيت اللون الأخضر أنا لم اشاهده منذ فترة طويلة، لم يعبأ المسجون بتوبيخ وتهديد الحرس له وظل يعب من ما يرى عب الظمآن.
ارتبك أحدهم عندما شاهدني أحمل صحيفة واقبل ناحيتي مركزا نظره تحت ابطي وكأنه عثر على كنز يبحث من عقد مضى وقال: معاك جرائد يا دفعة صباح الفل فقلت له: ومجلة أيضاً كان هو يتصفح الجريدة بشغف شاركت فيه كل حواسه قام بفتح كل صفحها فيها ولم يترك عنوان إلا وقرأه بصوت مرتفع وكأنه لا يصدق ،ثم توقف فجأة بداخل صفحة الرأى الأسبوعية ونظرة منه قرأت أنا منها: انه يتمني أن تكون الجريدة له وقال بصوت خفيض يبعث على الأسى: لمؤاخذة يا دفعة أنا آسف أنا مسجون منذ مدة طويلة، طيب والله العظيم أنا لم أري اللون الأخضر من زمان وطالع النهاردة بواسطة عشان اكنس أمام السجن وأشوف الدنيا... أنا سعيد بمقابلتك اليوم ، فناولته على الفور المجلة أيضاً وقلت له: هما لك يا دفعة تصفحهم بعد عودتك..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى