ليال الحربي - حربٌ باقية... الجزء الثالث

الجزء الثالث



قصة قصيرة// ليال الحربي


أبو چوقي عسكري من الدرجة العاشرة يضع البيريه دائما مائلة إلى خلف الرأس، قديمةَ الطراز منخفضة على الجبهة ومشدودة حول الرأس، منبسطة من أعلاها ومنسدلةً إلى الخلف فيما تبقى الأذنان ظاهرتين. كلما صعد معه أحد الضباط إلى السيارة، قال له أحدهم:

ـ يا صادق، عدّل بيريتك

يجيب:

ـ سيدي، ألستُ أنا السائق؟

ـ وإذا كنت السائق ربّك يختلف!

ـ نعم، ربي يختلف ولو لم يكن يختلف لما وُضع ناقل السرعة تحت مؤخرتي.

في عقده الثالث، جندي مكلف يسكن الحي لكن جذوره تعود إلى مندلي. أُسندت إليه قيادة گاز 66. السيارة على ما يبدو صُممت على افتراض أن السائق عدو آخر ينبغي معاقبته. ناقل الحركة بعيد عن متناول يده، يمد يده إلى الخلف يبحث عن العصا يقبض عليها ويشدها نحوه. لا تأتي الغيارات طائعة. يدفعها، يسحبها، يناور بها ثم تمضي السيارة. كل من أُسندت إليه قيادتها هرب من الخدمة إلا أبو چوقي. يسأله أحدهم:

ـ لمَ لم تهرب حتى الآن

يربّت على مؤخرته:

ـ مو كيرها وراء مؤخرتي.


تندفع گاز 66 على الطريق الترابي بسرعة لا تبدو ممكنة لسيارة محملة بالأرزاق. يبلغ بها سرعة مئة وعشرين كيلومترا وحين يريد منها المزيد يمسك خرطوما ويضربها به قائلا "طيري، طيري". عمله مقتصر على نقل الأرزاق إلى الحجابات من أرز ومرق. إذا كان في المرق لحم يسرق اللحم وإذا كان في المرق دجاج يسرق الدجاج. ينقل الأرزاق إلى الجبهة الأمامية ويعود إلى الخلفيات محملا بالجنود المستعدين للإجازة. يراهم وهم يرتدون بدلة نزول زيتونية مكوية وبسطالا نظيفا مصبوغا حديثا وبيريه موضوعة بعناية. يحمل كل واحد في رأسه صورة الطريق إلى منزله وصادق يحمل لهم التراب. يمضي مسرعا بهم ثم يضغط على الفرامل فجأة. يندفع الغبار إلى داخل السيارة وعند الوصول يترجلون مغطّين بالتراب من رؤوسهم إلى أقدامهم مثل خزفٍ طيني خرج لتوه من الفرن.

وصله أمر عسكري بالذهاب مع مسؤول الحانوت لجلب ما يحتاجه الحانوت من كل ما له روح مدنية أمواس حلاقة وسجائر... ركب معه وانتهى بهما الطريق في شارع بشار، شارع تفوح منه رائحة عرق الجندي ومنيّه أكثر من رائحة البحر. تقف النساء في الشارع كأنهن لافتات حية تعلن عن المكان، قال مسؤول الحانوت له:

ـ هيا، اختر

ينظر صادق إليهن:

ـ ماذا أختار؟ كلهن من بيت أبي العبد صخلات. فرن إفريقي مشتعل وقضيبي سيُشوى.

يقترب من إحداهن ويسألها عن السعر لكنه يريد شيئا آخر نبرة الصوت. يريد أن يعرف من أي جهة من البلاد جاءت، تقول:

ـ ها عيني، الساعة بكم؟

يعرفها، هذه بغدادية. تستعجله أخرى:

ـ هياا... ألا تدخل مابك واقف هكذا

يسألها:

ـ وأنتِ من أين أنتِ؟

ـ الناصرية

يبصق عليها ويتركها مع سباب، يمر بأخرى:

ـ ما بك فقط تطالع ألا تدخل؟

ـ وأنتِ من أين؟

ـ من الديوانية


يترك لعنة القبر على بابها ويمرّ على لهجات البلاد واحدة تلو الأخرى هذه من الجنوب وتلك من الفرات الأوسط حتى يعود أخيرا إلى البغدادية. يكمل خلوته في خمس دقائق ثم يخرج. في الطريق يتصل بزوجته عبر هاتف عمومي:

ـ لقد خنتك

ـ كيف؟

ـ تعرفينني صريحا ولا أخفي عليكِ شيئا

ـ مع مَن؟

ـ مع گاز 66


أبو چوقي من لواء 66 ق خ، الفوج الأول، سرية مقر، فصيل آلي. القوات الخاصة، ذلك الصنف الذي يدخل المهمة مستميتا وقد ترك احتمال العودة خلفه. أمامه الموت وخلفه وجوه يعرف أنها تكون آخر ما يراه، وجه أبيه يوم الالتحاق وجه زوجته، وجه السائق الذي يوصله إلى وحدته ووجوه الرجال الذين يتركهم عند الخطوط الخلفية. كلما ابتعد عن أحدهم بدا له وجهه كأنه يراه للمرة الأخيرة. الموت ليس احتمالا واردا، هو الطريق نفسه الذي يسير به. لذا حين يصل إلى الساتر لا يبحث عنه؛ يجده أمامه واضحا وحيدا ولا شيء آخر يستحق النظر.

في إحدى المرات، أوصل الأرزاق إلى المتقدّم. وجد كل شيء هادئا. وقف أبو چوقي هناك ينظر إلى الجبهتين لا قصف، لا انفجار، لا نار. بدت المنطقة المحرّمة أمامه كملعب غادره لاعبوه. قال مستغربا:

ـ اليوم هادئين؟!

ينتظر قليلا ثم ينزع بنطاله ويوجّه مؤخرته العارية المليئة بالشعر نحو العدو ويطلق الريح. تخرج من مؤخرته بفعل الفاصوليا المعلّبة أصوات مدافع بشرية. يضحك الجنود:

ـ ها، قصفتهم؟

ـ عملت لهم انفلاقا

يطالعه آخر:

ـ ما تفعل؟

ـ راجمة، راجمة

ثم يصيح بمَن في الساتر:

ـ انتظروا البيان الإيراني كم من لعين بأمره ميت!


أثناء نقله الأرزاق، أصابت المدفعية گاز 66. تناثرت الشظايا ودخلت ذراعيه ورقبته وظهره ما تزال آثارها تحت جلده ندوبا صغيرة متناثرة بعضها غائر وبعضها بارز تحيط بها ظلال أغمق من لون الجلد. لا انتظام بينها. عبرت الشظايا اللحم وتركت كل واحدة توقيعها في موضع. تكفيه نظرة إليها ليعود إلى الساتر إلى جبهة حاج عمران، والفاو ومعركة نهر جاسم إلى الأيام التي يتوقف فيها القصف فجأة فيصير كل شيء ساكنا. جاء وقف إطلاق النار. تسَرّح أبو چوقي وانتهت خدمته في الجيش خرج من الجبهة لكنه لم يخرج منها تماما. يتغيّر المكان من تراب السواتر ودخان القصف إلى شوارع المدينة، ومن گاز 66 إلى كوستر يحمل الزوار. تتغيّر السيارة والطريق والوجهة ويبقى الرجل نفسه. بعد سنوات، يأخذ الناس إلى الأماكن التي قاتل فيها. يأتيها زائرا بعدما جاءها مقاتلا لكنه يرفض أن يرى في ذلك حنينا، في منطقه الخاص "ما حن عربي على أعجمي ورب عيسى وموسى" ويكمل Not tame, isn’t.

يدخل مهران ويتجه مباشرة إلى ساحة وقوف ترابية حيث تصطف الكوسترات في انتظار دورها لنقل الزوار. يركن كوستره بين السيارات ثم يترجل منه ويتوارى خلف السيارات المركونة ويرفع هاتفه من خلفها، موجها الكاميرا إلى الطريق الخالي. بقعة جغرافية خلت من الزوار، منفذ خال من عابريه وسيارات مصطفة لم يحن دورها للانطلاق بعد. يظهر صوته في التسجيل: انظروا يا إخوة لا زوّار في مهران لا ركاب لا بشر وهنا السائقون حالهم حال الكلب. يستمع إلى صوته مرة واحدة. لا يعجبه صوته لكنه يعرف أن الجملة ستؤدي وظيفتها. يضغط زر النشر في مجموعة أنشأها لتجميع سائقي الكوستر. يضع الهاتف في جيبه يصعد إلى الكوستر، يدير المحرك وينطلق. لم ينتظر ليرى مَن سيشاهد المقطع. يكفيه أنه نشره. أن يصل إلى السائقين في عموم البلاد وأن يشعروا ويتأكدوا بأن الطريق الذي ينتظرونه أضحى خاليا من الزوار وأن لا نفع لمجيئهم بعد هذه اللحظة.

أخذ الزوّار وانطلق إلى كربلاء، هذه المرة أبقى النوافذ مغلقة بينما أعلن القولون تمرّده. لم تكن المطبات في الطريق تعينه على احتمال ما في أمعائه. شدّ قبضته على المقود، مال إلى جانبه ثم أطلق واحدة في الهواء، غازات انشطرت مثل فقاعات صابون غير مرئية وفقعت على طرف أنوفهم. سمع همهمة من خلفه فأخرج المعطر ورشه في الهواء 'فيس فيس'. نظر في المرآة الجانبية فرأى الأيدي ارتفعت إلى الأنوف والأفواه تتمتم بالفارسية. التفت إليهم وصاح: يا زوّار، يا سادة هل بينكم أحدٌ بطنُه خرابه؟.

مثل من نفض التهمة عن نفسه، ألقاها عليهم وعاد إلى الطريق. تصلّب بطنه أطلق الثانية والثالثة، ثم صاح بهم:
ـ افتحوا النوافذ! افتحوا النوافذ!

وبحجة الرائحة أطفأ جهاز التبريد وقضى الطريق يطلق لهم كيمياءه الخاصة وينشد في داخله: تحية خاصة للقوات الخايسة.

أوصلهم إلى وجهتهم ثم اتجه بالكوستر إلى مصلّح التبريد وقف أمامه وقال بنبرة قاطعة لا تقبل التفاوض:
ـ اقطع التبريد عنهم واجعله لي وحدي
ـ كييييف؟
ـ لا أدري، فهذا عملك. ضع فيها ألواح كارتون أو كدس فيها صراصير وجرذان أي شيء يخطر لك المهم أن تجعل التبريد لا يعمل إلا من جهتي.

ولأن عبارة ' تبا للمستحيل' جزء من قاموس كل عراقي متى ما أراد إنجاز شيء، وجد المصلح طريقة ما. قطع التبريد عن الركاب وبقي الهواء البارد يصل إلى مقعد السائق وحده.

في اليوم التالي صعد أبو چوقي إلى الكوستر، شغّل المحرك وأغلق النوافذ كلها وصاح "كربلاء مستقيم، كربلاء مستقيم، سارده، سارده". ظلّ قابضا على المقود بينما جسده يمثل الارتعاش أمام الزوار في الشارع وقبل صعودهم كدّس حقائبهم في الصندوق الخلفي. مدّ يده، أخذ شيئا من إحدى الحقائب ودسّه في جيبه ثم عاد إلى مقعده. صعد الزوار. لم تمضِ دقائق حتى بدأ السؤال:

ـ أين التبريد؟

أجاب، من دون أن يلتفت:

ـ التبريد يعمل بالمحرك

طوال الطريق، ظلّت النوافذ مفتوحة الشمس تلفح وجوههم وهواء تموز الحار يندفع عليهم من الطريق، شمس تموز تشاكل لهيب فرن مشتعل قد فُتح بابه على الكوستر أما أبو چوقي فجلس وحده في الأمام محاطا ببرودته الصغيرة.

رآه السائقون يذهب إلى مهران ويعود منها محملا بالركاب وكلما مرّ بهم صاحوا مازحين: ها، أبو چوقي، دربين ثلاثة؟
يضايقه السؤال. لا يريد أن يراه أحد كلما ذهب إلى مهران أو عاد منها ولا يريد لرحلاته أن تتحول إلى مادة ثابتة في مزاحهم. ظل يفكر في الأمر: هذه لن تنتهي. كيف أجعلهم يكفون عن السؤال!!.

ذهب إلى سوق الحرامية واشترى ثلاثة إطارات بالية بالكاد تصلح لأن تُسمّى إطارات ووضعها في صندوق السيارة. وجد أحد السائقين واقفا عند سيارته وقد انثقب إطارها فاقترب منه وقال: خذ هذا الإطار. أعطاه أحد الإطارات الثلاثة ثم أردف: وفيما بعد نتحاسب على ثمنه.

لم يعرف السائق شيئا ولا الآخرون. لم يعرفوا أن الطريق قبل دخول كربلاء وتحديدا عند الحلة، يحمل مفارز أمنية توقف السيارات وتفحص إطاراتها وأن الإطار المتهالك يعني غرامة بحجة الخوف من الحوادث. جاءت المفارز واحدة بعد أخرى. غُرّم هذا ثم ذاك ثم الثالث. مئتا ألف هنا ومئتا ألف هناك. مرّ أبو چوقي بينهم ورآهم مصطفين على جانب الطريق كل واحد منهم يلعن حظه. انتظر حتى انتهى كل شيء ثم عاد إليهم وطالبهم بثمن الإطارات.

في الليل، بعد أن انقضى موسم الزيارة وعاد إلى منزله تمدّد قليلا قبل النوم. أخذ هاتفه وفتح المجموعة التي أنشأها على فيسبوك ونشر صورا لمجموعة من الهواتف. كتب تحتها: إخوان، هذه الهواتف مضبوطة على اللغة الفارسية ألا يوجد أحد منكم يستطيع تحويلها إلى العربية؟.

عاد أبو چوقي إلى عمله المعتاد بين الحيّ والشورجة. رنّ هاتفه، فجاءه صوت يأمره بالحضور فورا. لم يكن الأمر غريبا عليه في الأيام العادية، كان أبو چوقي يتولى نقل الجنائز إلى النجف وقد امتلأ هاتفه بأرقام المضمدين في مستشفيات بغداد من مدينة الطب إلى الطب العدلي وبأرقام حفاري قبور النجف وله معهم توصية ثابتة "أخبروني متى توفّرت جنازة ولكم نسبة".

رئيس المضمدين مخاطبا أهل الميت: ألكم سائق؟ إن شئتم، أحضرت لكم سائقا أعرفه حقّ المعرفة. رجل أمين

بعد أن وافقوا، اتصل بأبي چوقي وأبلغه أن يأتي. أغلق الهاتف، وفي الطريق اشترى أربع أسياخ كباب وربعية عرق ثم دخل عليهم. اللطم يملأ المكان: يا يما... يا يماا

تركهم واتجه مباشرةً إلى رئيس المضمدين. وضع الكباب والربعية أمامه نظر المضمد إليه ثم إلى الطعام لكن أبو چوقي باغته قبل أن يفتح فمه:

ـ والله، الآن لا أملك شيئا وعندي تصليح والإطارات مثقوبة وعليّ غرامات.

ترك الكباب والعرق ملقى على مكتب رئيس المضمدين وهمّ بالانطلاق نحو المقبرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى