منذ عشرين عاماً، وصديقي إبراهيم، يغزل من خيوط الوهم، شباكاً ليصطاد بها طيف شارابوفا الفاتنة في غرفته النائية في الطابق الأعلى من بيت اهله ، غرفته معبد سري شُيِّد من ورق المجلات؛ الجدران كلها مرايا لامرأة واحدة: ماريا شارابوفا. لم يكن إبراهيم يعرف من لعبة التنس إلا كراتِ الحنين التي تضرب جدران قلبه. لم تكن اللعبة تعنيه، بل ذاك السحر الإغريقي المتجسد في بياض وجهها، وزرقة عينيها التي تشبه بحيرات سيبيريا، وشعرها الأشقر الذي يتدفق كشلال من نور، وقامتها الممشوقة كرمح إلهي.
أمضى نصف عمره يلتهم تفاصيلها عبر شاشات الأقراص المدمجة، يحفظ غيباً إيقاع أنفاسها في الملعب، حركاتها الصارمة، وحتى تلك اللحظات الحميمة المسروقة بين الأشواط، حين تجفف عرقها، أو ترتشف الماء ببطء ليُشعل ظمأه. كان يعرف بدقة هندسية كيف تغلق غطاء زجاجتها، ومتى تبتسم للغيب، وكيف تلتفت للجمهور لتوزع قبلات هوائية. حفظ حتى الطريقة التي تسلّم بها على خصومها، ومتى تمرر المنشفة على جسدها المتعب. كان يسكب لوعته وهذيانه على جدران غرفته الصامتة، مواجهاً جيشاً من صورها التي لا تجيب.
ابراهيم ، ابن الأربعين اليوم، بدأ هذه العبادة الوثنية للجمال وهو في العشرين من عمره. وحين اقتادته الحرب الإيرانية إلى الأسر، قيل له إن زنزانته لا تبعد عن حدود روسيا سوى بضع مئات من الأمتار. وفي ليلة شتائية قاسية، نفخ الزمهرير في روحه جسارة الانعتاق، فهرب نحو "روسيا الثلجية". هناك، وسط كثبان بياضٍ كاد يبتلع أنفاسه الأخيرة، عثر على قرية نائية كأنها سقطت من كتاب أساطير. آوته عائلة دافئة، وعاش بينهم سنوات يزرع ويحصد، ويربي الطيور، ويمتص لغتهم وعاداتهم حتى صار جزءاً من طين تلك الأرض.
كانت للعائلة ابنة في العشرين من ربيعها؛ شابة بيضاء، شقراء، ومرحة كعصفور بري. كانت هي من روّضت لسانه على الحروف الروسية حتى نطق بالهوى طليقاً، وهي من قاسمتْه غرفتها وأحلامها. ولكن في ليلة عاصفة، همست في أذنه: "لنترك الحصاد والدجاج، لنهرب إلى موسكو" . هربا كعاشقين يفرّان من الجاذبية. ألقيا بجسديهما في قطار مجهول الهوية، وبعد يومين من السفر عبر الصقيع، وجدا نفسيهما في قلب موسكو الصاخبة.
في تلك اللحظة بالذات، وسط هدير العاصمة، لم تحمه تضاريس الواقع؛ إذ انقضّت عليه الشياطين القديمة، وهيمنت صورة "شارابوفا" على روحه مجدداً. لـم يشفع للفتاة اليافعة أنها كانت تفوق اللاعبة سحراً ونضارة، وبحماقة رجل مسكون بالسراب، اعترف لها إبراهيم بجنونه القديم.
تجمّد وجه الفتاة الأبيض المستدير، واشتعلت في عينيها نيران الغضب والخيبة، وقالت له بكلمات قاطعة كحد السيف: "هذا فراق بيني وبينك.. اذهب وابحث عنها، فلم تعد حبيبي".
ركض خلفها، يتوسل الزحام، ويصرخ في أذن الريح بأنها تحمل طفله في أحشائها، وأنه لا يجوز أن تتركه وحيداً في هذه الغابة البشرية المستوحشة. لكنها لم تلتفت. ذابت الفتاة كقطرة مطر وسط موج البشر وتلاطم الثلوج.
جلس إبراهيم على الرصيف، وحيداً، منكسراً، نادماً على حماقاته التي تكلّفه دماً ونسباً. ومع ذلك، في زاوية ما من عقله المريض بالحب، كان لا يزال يأمل ببلادةٍ مأساوية أن تأتي "شارابوفا" وتمشي على هذا الرصيف لتلتقطه.
أسند ظهره المتعب إلى جدار محل تجاري، وحين التفت، وجد واجهته الزجاجية غاصة بالتجهيزات الرياضية البيضاء، وتتوسطها صورة ضخمة لمحبوبته الغائبة، تُحلّق خلف الزجاج مضيئة كقديسة.
مسح بكفه المرتجفة طبقة الصقيع المتراكمة على الواجهة، فلمست أصابعه وجهها الورقي البارد، فابتسم وسط دموعه المتجمدة، وأغمض عينيه برضا واهم، وهو يهمس في سره: لقد وصلت."
أمضى نصف عمره يلتهم تفاصيلها عبر شاشات الأقراص المدمجة، يحفظ غيباً إيقاع أنفاسها في الملعب، حركاتها الصارمة، وحتى تلك اللحظات الحميمة المسروقة بين الأشواط، حين تجفف عرقها، أو ترتشف الماء ببطء ليُشعل ظمأه. كان يعرف بدقة هندسية كيف تغلق غطاء زجاجتها، ومتى تبتسم للغيب، وكيف تلتفت للجمهور لتوزع قبلات هوائية. حفظ حتى الطريقة التي تسلّم بها على خصومها، ومتى تمرر المنشفة على جسدها المتعب. كان يسكب لوعته وهذيانه على جدران غرفته الصامتة، مواجهاً جيشاً من صورها التي لا تجيب.
ابراهيم ، ابن الأربعين اليوم، بدأ هذه العبادة الوثنية للجمال وهو في العشرين من عمره. وحين اقتادته الحرب الإيرانية إلى الأسر، قيل له إن زنزانته لا تبعد عن حدود روسيا سوى بضع مئات من الأمتار. وفي ليلة شتائية قاسية، نفخ الزمهرير في روحه جسارة الانعتاق، فهرب نحو "روسيا الثلجية". هناك، وسط كثبان بياضٍ كاد يبتلع أنفاسه الأخيرة، عثر على قرية نائية كأنها سقطت من كتاب أساطير. آوته عائلة دافئة، وعاش بينهم سنوات يزرع ويحصد، ويربي الطيور، ويمتص لغتهم وعاداتهم حتى صار جزءاً من طين تلك الأرض.
كانت للعائلة ابنة في العشرين من ربيعها؛ شابة بيضاء، شقراء، ومرحة كعصفور بري. كانت هي من روّضت لسانه على الحروف الروسية حتى نطق بالهوى طليقاً، وهي من قاسمتْه غرفتها وأحلامها. ولكن في ليلة عاصفة، همست في أذنه: "لنترك الحصاد والدجاج، لنهرب إلى موسكو" . هربا كعاشقين يفرّان من الجاذبية. ألقيا بجسديهما في قطار مجهول الهوية، وبعد يومين من السفر عبر الصقيع، وجدا نفسيهما في قلب موسكو الصاخبة.
في تلك اللحظة بالذات، وسط هدير العاصمة، لم تحمه تضاريس الواقع؛ إذ انقضّت عليه الشياطين القديمة، وهيمنت صورة "شارابوفا" على روحه مجدداً. لـم يشفع للفتاة اليافعة أنها كانت تفوق اللاعبة سحراً ونضارة، وبحماقة رجل مسكون بالسراب، اعترف لها إبراهيم بجنونه القديم.
تجمّد وجه الفتاة الأبيض المستدير، واشتعلت في عينيها نيران الغضب والخيبة، وقالت له بكلمات قاطعة كحد السيف: "هذا فراق بيني وبينك.. اذهب وابحث عنها، فلم تعد حبيبي".
ركض خلفها، يتوسل الزحام، ويصرخ في أذن الريح بأنها تحمل طفله في أحشائها، وأنه لا يجوز أن تتركه وحيداً في هذه الغابة البشرية المستوحشة. لكنها لم تلتفت. ذابت الفتاة كقطرة مطر وسط موج البشر وتلاطم الثلوج.
جلس إبراهيم على الرصيف، وحيداً، منكسراً، نادماً على حماقاته التي تكلّفه دماً ونسباً. ومع ذلك، في زاوية ما من عقله المريض بالحب، كان لا يزال يأمل ببلادةٍ مأساوية أن تأتي "شارابوفا" وتمشي على هذا الرصيف لتلتقطه.
أسند ظهره المتعب إلى جدار محل تجاري، وحين التفت، وجد واجهته الزجاجية غاصة بالتجهيزات الرياضية البيضاء، وتتوسطها صورة ضخمة لمحبوبته الغائبة، تُحلّق خلف الزجاج مضيئة كقديسة.
مسح بكفه المرتجفة طبقة الصقيع المتراكمة على الواجهة، فلمست أصابعه وجهها الورقي البارد، فابتسم وسط دموعه المتجمدة، وأغمض عينيه برضا واهم، وهو يهمس في سره: لقد وصلت."