زينة المدوري - كان هنا... جالسا...

أغلب الصباحات، أجده في المكان نفسه من المقهى.
يجلس في الزاوية البعيدة، يدخّن سيجارته ببطء، وأمامه فنجان قهوة يبدو أنّه ينسى أحيانا أنّه جاء من أجله. لا يكلّم أحدا، ولا يبدو أنّه ينتظر أحدا. عيناه معلّقتان بالنافذة، وملامحه شاردة كأنّ خلف الزجاج حياةً أخرى لا يستطيع العودة منها. يبدو مهموما، أو لعلّني أتوهم ذلك. ففي بعض الوجوه حكايات لا تحتاج إلى كلام، وفي بعضها الآخر فراغات واسعة يغري فضولنا بملئها.
كنت أجلس قبالته، وأتظاهر بالانشغال بقهوتي، بينما أراقبه بطرف عيني. لا أدري متى تحوّل وجوده من تفصيل عابر في صباحاتي إلى موعد صامت أحرص على ألّا يفوتني.
أعرف الآن أنّه يفضّل الطاولة القريبة من النافذة، وأنّه يشعل سيجارته الثانية بعد أن يقترب منه النادل ويهمس في أذنه بشيء لا أسمعه. ثم يحدث ما يشبه السحر.ينبعث صوت الستّ في أرجاء المقهى، فتنساب أغنية «كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء» كأنّها تعرف طريقها إلى مكان موجع فيه.عندها يتغيّر شيء في وجهه.لا يبتسم ولا يتنهّد، لكنّ عينيه تصبحان أبعد، كأنّ الأغنية فتحت بابا ظلّ موصدا طويلا.
يا تُرى، مَن تلك التي يناديها؟ وهل ما زالت تسمعه، أم أنّه ينادي امرأةً لم يعد يصل إليها سوى صوته؟
أختلق له الحكايات، ثمّ أعود فأهدمها. أحيانا أتخيّله عاشقا خذلته الحياة، وأحيانا رجلا تعلّم أن يخفي خساراته خلف سيجارة وفنجان قهوة. وقد يكون، ببساطة، رجلا يحبّ العزلة ولا يعرف أنّ امرأةً تجلس قبالته بدأت تمنحه حياةً كاملة من خيالها.
أضحك من نفسي سرًّا. ما شأني أنا بحكايته؟ وما الذي يجعلني أفتّش في ملامح رجل لم يتفضّل حتّى بإلقاء تحيّة؟
ومع ذلك، كنت كلّ صباح أجدني أبحث عنه بعيني قبل أن أختار مقعدي.
لم أكن أريد أن أقترب منه، أو هكذا كنت أقنع نفسي. كان يكفيني أن أراه، أن أراقب تلك المسافة التي تفصله عن العالم، وأن أترك لخيالي مهمّة العبور إليها. وفي ذلك الصباح، بدا أكثر شرودا من المعتاد. دخّن سيجارته على مهل، وأصغى إلى الأغنية كأنّه يسمعها للمرّة الأولى، ثمّ نهض فجأة وطلب الحساب. راقبته وهو يخرج محفظته، ويمدّ يده إلى النادل. وهناك، في تلك اللحظة العابرة، رأيت الشامة الصغيرة أعلى يده. لا أدري لماذا علقت عيناي بها. ربّما لأنّها كانت التفصيلة الوحيدة التي بدت لي حقيقية في رجل أحطتُه بكلّ هذا الخيال. أو ربّما لأنّ بعض التفاصيل الصغيرة تعرف كيف تتسلّل إلينا دون استئذان، ثمّ تستقرّ في مكان لا نعرف كيف نطردها منه.
أغلق محفظته وغادر. بقيت أتابعه بعينيّ حتّى اختفى خلف الباب، ثمّ عدت إلى فنجاني، وقد وجدتني أبتسم كمن اكتشف سرًّا لا يملك دليلا عليه. يا إلهي، ماذا يحدث لي؟ كل ما أعرفه عنه أنّه رجل صامت، يدخّن كثيرا، ويستمع إلى أمّ كلثوم، وله شامة صغيرة أعلى يده... ومع ذلك، استطاع أن يترك في صباحي ما لم تتركه أحاديث طويلة مع رجال أعرف أسماءهم وحكاياتهم.
هممت بالخروج، فناديت النادل لأدفع ثمن قهوتي.
قال، وهو ينشغل بترتيب الفناجين:
حسابك خالص.
استغربت.
كيف؟
الراجل اللي خرج توّة خلّصهولك.
توقّفت الكلمات عند شفتيّ.
هو؟
ذلك الرجل الذي لم يكلّمني يوما، ولم يلتفت إليّ بما يكفي لأتأكّد إن كان قد لاحظ وجودي أصلا، دفع ثمن قهوتي ثمّ مضى، كأنّه لم يفعل شيئًا يستحقّ الالتفات. نظرت إلى الباب، ثمّ إلى النادل.
قالك حاجة؟
لا. خلّص حسابه وحسابك، وخرج.
ببساطة هزّتني أكثر ممّا ينبغي. خرجت من المقهى، لكنّني لم أمضِ بعيدا. وقفت لحظة أرتّب وشاحي، ثمّ مرّرت يدي على شعري بحركة تلقائيّة، قبل أن أضحك من نفسي.
ما الذي أفعله؟ أأصلح هيئتي لرجل غادر، أم أستعدّ لمواجهة احتمال لم يحدث بعد؟
لم أكن قد وضعت أحمر شفاه ذلك الصباح، فوجدتني أفكّر، للمرة الأولى منذ زمن، في أنّ الغد قد يكون مناسبةً صغيرة للاهتمام بتلك التفاصيل التي أهملتها طويلا.
لا، لم يكن الأمر من أجله بالضرورة. هكذا قلت لنفسي، وابتسمت.
لكنّني، في الطريق إلى البيت، أعدت المشهد مرّات عديدة: يده وهو يدفع الحساب، الشامة الصغيرة، وصوته الذي لم أسمعه، ثمّ تلك اللفتة التي تركها خلفه ومضى.
لم أعرف إن كان قد لاحظني في الصباحات الماضية، أم أنّه دفع حسابي بمجرّد شهامة عابرة. لم أعرف إن كان قد لمح فضولي، أم أنّني لم أكن في عالمه أصلا.
وذلك تحديدا ما بعثرني. ان يترك لك أحدهم سؤالا دون أن يمنحك فرصة طرحه، وأن يوقظ فيك امرأةً كانت مطمئنّة إلى رتابة أيّامها، ثمّ يمضي دون أن يلتفت ليرى ما الذي فعله.
في صباح اليوم التالي، استيقظت أبكر من عادتي.
وقفت أمام المرآة قليلا، واخترت قميصا أحبّه، ثمّ وضعت لمسة خفيفة من أحمر الشفاه. تاملت وجهي، وضحكت.
يا لهذه الحماقة الجميلة! لم يضرب الرجل موعدا، ولم يقل إنّه سيأتي، ولم يعدني بشيء. وأنا أتهيّأ لاحتمال رؤيته كأنّ بيننا سرًّا صغيرًا اتّفقنا على كتمانه. ومع ذلك، ذهبت إلى المقهى.
كان المكان هادئًا، والنادل يرتّب الطاولات. ألقيت نظرة سريعة نحو الزاوية القريبة من النافذة.كانت فارغة.
اخترت مقعدي المعتاد، وطلبت قهوتي. حاولت أن أقرأ، وأن أتابع حركة الناس خلف الزجاج، وأن أقنع نفسي بأنّ الأمر لا يتجاوز فضولا عابرا. ثم دخل رجل، فرفعت رأسي دون إرادة منّي.
لم يكن هو.
ابتسمت بخجل من نفسي، وحرّكت ملعقة القهوة في الفنجان.
بعد قليل، انبعث صوت الستّ من جديد. " كم أناديك... وفي لحني حنين ودعاء».
هذه المرّة، لم أبحث عن الرجل في الزاوية الفارغة، بل بحثت عن شيء في داخلي. شيء لم أكن أعرف أنّه ما زال قادرا على الانتظار، وعلى اختلاق المواعيد، وعلى منح غريب كلّ هذه المساحة من التفكير. ربما لم يكن الرجل سوى مرآة عابرة، رأيت فيها امرأةً أخرى ،امرأة لم تفقد قدرتها على الافتتان، ولم يطفئ الزمن فضولها، وما زالت تستطيع أن تربكها لفتة صغيرة، وشامة أعلى يد، وحساب قهوة مدفوع في صمت.
أنهيت قهوتي، ودفعت الحساب بنفسي.
وقبل أن أغادر، التفتُّ إلى الزاوية مرّة أخيرة. لا أدري إن كنت أتمنّى عودته، أم أتمنّى فقط أن أعرف إن كان قد رآني كما رأيته، وإن كنت قد مررت في خاطره كما مرّ في خاطري. كل ما أعرفه أنّني خرجت من المقهى أخفّ قليلا، وأكثر انتباها إلى نفسي.
فبعض الغرباء لا يأتون ليقيموا في حياتنا، بل ليوقظوا فيها نافذةً ظننّا أنّنا أغلقناها إلى الأبد.
أمّا هو...
فما زلت لا أعرف اسمه. لكنني، كلّما تذكّرت يده وهي تمتدّ لدفع الحساب، عادت تلك الشامة الصغيرة إلى ذاكرتي، وتبعتها ابتسامة لا أستطيع تفسيرها.
أيّ رجل هذا؟
لقد بعثرني...
والأدهى من ذلك كلّه، أنّني لا أعرف إن كنت أريد أن يعيدني إلى
الى ترتيبي ، ام يمنحني سببا اخر لأختلّ قليلا
زينة مدوري
مقتطف من يوميات امرأة اصبحت انثى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى