فتاة الجمال الاغريقي تسللوا إلى عزلتي الخريفية دفعة واحدة؛ صخب شباب معربد، تضج أصداؤه في أرجاء المقهى التركي العتيق حيث أعتاد كل صباح التمتع بفنجان شاي، وأنسج من خيوط الكلمات مصائر أبطالي الورقيين. عشرون روحاً مشحونة بالحياة، كانت الشابات فيهن كأنهن خرجن من شاطئ البحر الى بر هذا المقهى ؛ وجوه ساحرة، بعضها مشرق ببراءة الصبح، وبعضها متخفٍ وراء أصباغ تتقن صناعة الوهم. بأيدٍ خبيرة وركضٍ متناغم، نصبوا حوامل الكاميرات، وشرعوا يزرعون مصابيح الإضاءة كشموس اصطناعية تتحدى سقف المقهى المفتوح على غواية السماء. في تلك اللحظة، هجرني أبطالي الخياليون، وتفرّجتُ لأتحول إلى مرآة ترصد هذا الإعصار البشري الوشيك. ومن عتبة الباب، أشرقت الفتنة في هيئة امرأة. كانت ترتدي تنورة بنفسجية بالغة القصر، وقميصاً أبيض يشي بنهدين كأنهما نداءان للغواية. يسير بمحاذاتها شاب يتبختر بخيلاء، رافعاً أنفه نحو السماء كأنه يملك الأفق. نبت في دمي، بغتة، بغض سريع نحو خيلائه، وولدت محبة خاطفة لعينيها، وعلمتُ أنهما قطبا المحاورة والدراما التي ستُولد هنا. ثم دخل المخرج؛ رجل يحمل وقار السنين وتجهمها، يتأمل السقف المفتوح بعينين باردتين، كمن يحفظ تضاريس المكان في ذاكرته قبل أن يراه. لكن عينيّ سُمرتا هناك، عند صاحبة البنفسج. ساقاها عاجيتان منحوتتان من مرمر خالص، ووجهها الدائري غيمة ناعمة تداعبها رياح الصباح، وشعرها ليل حالك متهدل. هواجسي همست بشكل يائس: لو أن أصابعي المتخشبة من الصقيع والكتابة تلامس هذا الجسد، لغُفرت آثامي كلها ولعبرتُ إلى الجنة دون حساب. تمنيتُ لو تجلس في حماي، لتنفث في وجهي أنفاسها المعطرة، تلك التي تخرج من أنف مخروطي دقيق، يذكرني بالجمال الجارح لـ "للفتيات الاغريقيات " في منحوتات روما . كان المقهى يتسع كميدان شاسع، تحلق فيه العاملون يحتسون الشاي والعصائر، بينما كنت أنا الأيقونة الناشزة في هذا الحشد؛ النقطة الوحيدة الساكنة وسط الصخب المتدفق. ولمّا التفتت البطلة ولم تجد مقعداً لتريح جسدها المترف ، رأت عزلتي. همست بكلمات للشاب المغرور، وتقدما نحو طاولتي. لم يخطئ حدسي يوماً في قراءة خطى الجمال ؛ انحنيا بأدب الفنانين المثقفين، وسألا إذن الجلوس على الكرسيين الفارغين بجانبي. تدفقت لهما عصائر في أقداح طويلة العنق، تليق بمقامهما كملكين في هذا البلاط المؤقت. كانت هي الوردة التي تلتفت إليها سائر العيون بشغف، إلا عينا فتاة واحدة... هناك، في زاوية منزوية، كانت تجلس فتاة تشتعل غيظاً، ترمق الشاب بحقد العاشقات، والممثلة الفاتنة بغيرة تكاد تحرق المكان. أما البطلة بجانبي، فكانت في ملكوت آخر؛ عيناها معلقتان بلوحات تجريدية على الجدران، ولم تأبه حتى ليد الممثل الفاتن وهي تداعب أصابعها على الطاولة. شعرتُ بأني ثقيل على المشهد، فملتُ نحو الممثل متسائلاً: "هل تودون أن أغادر؟". انفجرت الممثلة بالضحك، وفي صوتها حشرجة غامضة ومؤلمة من أثر السجائر ، لكنها أيقظت كل خلايا روحي الخاملة. قالت بصوت كالبلسم: "أنت جزء من المكان، يبدو أنك الغريب هنا". أومأتُ برأسي متواطئاً مع غربتي. جاء المخرج العجوز، رطن معهما بكلمات سريعة، مشيراً بأصبعه إلى سطر في دفتره الكبير. حاولتْ الممثلة الفاتنة ترديد الجملة، لكنه لم يرضَ؛ أعادتها ثانية وثالثة وهو يطالبها بإيقاع أسرع لتتدفق الحروف، حتى استقامت الكلمات في فمها أخيراً. وفي كل هذا الوقت، كانت الفتاة المتجهمة البعيدة ترقب تفاصيل طاولتي بعينين كالرصاص. "هل أنتم جاهزون؟".. دوت الصيحة، ورُفعت ستارة بيضاء خفيفة في أقصى المقهى، تحجب خلفها طاولة وكرسيين. نهض البطلان، وانسلّا وراء القماش الشفاف. عانيتُ الأمرين لأمنع عينيّ من ملاحقة تمايل ردفيها، ذلك الارتجاج الساحر الذي أصاب رصانتي بالدوار، وتساءلت في سري: أي رجل محظوظ في هذا العالم يعتصر هذه الفتنة إلى صدره؟ حين غابا وراء الستار، التقت عيناي بالجميلة المتجهمة؛ كانت عيناها تقتفيان أثر الشاب كلص يقتفي كنزاً. صرخ المخرج: "كيو"، فاحتبست الأنفاس، وتجمدت الحركة، ودارت تروس الكاميرا. لم تكن الستارة الرقيقة لتمنعني من رؤية الظلال؛ امتدت يدا الشاب إلى كتفيها، وقرب وجهه من وجهها، والتقيا في قبلة... قبلة طويلة وساخنة. لأول مرة منذ سنوات إقامتي في هذه البلدة التركية المحافظة، أرى قبلة تتبادلها الشفاه علانية أمام العيون. كانت قبلة انصهار وتلاشٍ، خُيل إلي أني أسمع حشرجات أنفاس الممثلة تأتيني محمولة على أجنحة نسيم بارد. في تلك اللحظة، انهارت قوى الفتاة المتجهمة. نهضت مرتبكة، وتقدمت نحو طاولتي، وجلست بجانبي دون أن تراني حتى، مستسلمة لزاوية رؤية أكثر دقة وجرحاً. صاح المخرج: "ستوب!".. وأُعيد المشهد ثانية، وثالثة، وعاشرة. مع كل إعادة، كانت النيران تلتهم الفتاة الجالسة بجانبي. راحت تنقر بأصابع يدها اليمنى على الطاولة بعصبية مفرطة، وبيدها الأخرى، وفجأة، قبضت على أصابعي المتخشبة. لم أسحب يدي؛ تماهيتُ مع جنونها وقلقها، وشعرتُ بالحرائق المشتعلة في جوفها؛ حرائق تنبعث من فمها، من أنفها، ومن أطراف أصابعها التي تحرق يدي. كانت قصة حب وخيانة صامتة تُكتب على طاولتي، وأترك لكم وحدكم تأويل لغة هذه النيران التي لا تُطفأ. ولمّا انتهى مشهد القبلة العاشر وصاح المخرج بالتمام، نظرتُ إلى عيني جارتي الغريبة... فإذا بالدموع قد أغرقتها بالكامل، وراحت تنساب كالانكسار. لماذا بكت؟.. ذاك تأويل أتركه لقلوبكم حتما.