محمد مزيد - فندق النساء المغدورات...

حين خطت آنا كارنينا عتبة غرفتها التي نفاها إليها تولستوي في فندق "قيصري" البائس بقلب الأناضول، لم تصدمها الجدران، بل صفعتها رائحة غريبة؛ زفير أجساد رحلت وخلّفت عرقها حيّاً في مسام الشراشف والستائر. تلك الرائحة الخانقة حجبت عنها —للوهلة الأولى— وجه الفتاة التي تقاسمها السرير الآخر تحت نافذة مشرعة على حديقة غنّاء، قيل إنها من خطوط حفيد ذلك المهندس العبقري الذي غرس الجسور والبحيرات في مقدونيا العثمانية ذات قرن غابر.
كان شفق الغروب المتسلل يغزل غشاوة ذهبية، منعت كارنينا من فك رموز سحنة الفتاة الحنطية الشاخصة هناك. وما إن دخلت "آنا"، حتى انتصبت الحنطية مذهولة، لتلتقي النظرات في برزخ من الفزع والدهشة الأرستقراطية؛ إذ كيف لعقل كارنينا أن يتسع لشريكة في العزلة؟ انشقت شفتَا "آنا" عن ابتسامة باهتة مرتبكة، ردتها إليها الفتاة بمثلها. رأت الفتاة الحنطية في الوافدة الجديدة سلة زهور متحركة؛ شعرها الأشقر المغزول ككمثرى شهية، ثوبها البنفسجي الذي يفيض كشلال يجر ذيله على الأرض كبرياءً، وعيناها اللتان استعارتا زرقة البحر وتموجاته الممتدة بلا شطآن.
قالت الحنطية، وهي تعود لجلستها الوثيرة طاويةً قدميها تحت وركها الممتلئ: "أنا رازقية.. بطلة رواية لم تُنشر بعد".
أجابتها القادمة بنبرة تقطر دماً وكبرياء، وهي تبرر انكسارها: "وأنا آنا كارنينا.. ضحية تولستوي الخرف، الذي قذف بجسدي تحت عجلات القطار ظلماً وعدواناً، وما كان ذنبي إلا أنني بحثت عن قلب حيّ وسط صقيع مجتمع أرستقراطي منافق لم يرَ فيّ سوى واجهة لصالوناته الباردة".
جلسنا وجهًا لوجه، يتبادلن نظرات مشحونة بالأنفة والازدراء؛ فلم تخلُ عينا كارنينا من ترفع طبقي تجاه هذه القروية الآتية من فيض جنوب العراق لتسكن هذا المنفى التركي. وفي الزاوية، كان هناك سريران خاويان يترقب إشغالهما من قِبل امرأتين أخريين.
ولم يطل الصمت؛ إذ انفتح الباب عن وجه مستدير ناصع البياض، يؤطره شعر مشعث كستنائي. وقفت عند العتبة وقالت بتهكم مرير، معلنةً سبب تيهها: "أنا إيما بوفاري.. تحررت من سخافات فلوبير، ذلك المهووس برمي النساء المتزوجات في أحضان العشاق، بعد أن جعلني أتقلب في غواية نسي جسدي تفاصيلها، هاربة من برود وتفاهة زواجي حتى تجرعت في النهاية كأس الزرنيخ". ثم ارتمت فوق السرير الثالث.
تأملت رازقية الوجوه بملامحها النحاسية التي تشع بريقًا برتقاليًا، فخطفت لبّ كارنينا التي نسيَت ضغينتها تجاهها، لتوجه سهام ترفعها نحو إيما. كانت إيما ترمق رازقية بامتعاض وهي ترى تضاريس جسدها تفيض عن السرير، بينما تحرك مهفتها البيجية بخيلاء، رافعة أنفها صوب السقف كملكة في زنزانة لا تليق بها. لكن أناقة آنا وسحر تسريحتها كانا العزاء الوحيد لإيما في هذا المغترب الأناضولي الذي لم تسمع بها قط.
بدأ الهجير ينهش جسد كارنينا؛ تعرقت بغزارة، ووخزتها رطوبة القيظ بين فخذيها وتحت نهديها. لكن كبرياءها الأرستقراطي كبّلها عن الحك، لئلا يظن أحد أنها لم تغتسل منذ يومين، قبل أن تمزق جسدها عجلات القطار. لم تعهد كارنينا شمساً تلفح مسامات بشرتها البيضاء الرقيقة بهذا العنف، فهمست: "أحتاج ماءً يغسلني". أجابتها إيما فورا: "وأنا أيضاً.. الحر هنا جحيم لا يُطاق".
في غمرة النحيب المكتوم، اقتحمت الغرفة امرأة رابعة، بيضاء بوجه مستدير، وقالت متهالكة، كاشفةً عن عورة قفصها: "أنا السيدة تشارلي.. هربت من زوجي العنين الذي أراد وأدي في تابوت الفراش البارد، أرادني قناعاً زائفاً لرجولته الغائبة ودمية صامتة في بيته الكبير، فركضت نحو الفلاح الذي يحرث الدفيئة في أقاصي حديقتنا، وهناك.. أطلقت العنان لصرخات جسدي المكبوت". ثم وارت جسدها في السرير الرابع.
هنا، تطلعت كارنينا إلى الوجوه الغريبة، وعاد إليها فضولها الممزوج بالترفع الأرستقراطي، فوجهت نظرها مجدداً نحو الفتاة الحنطية وسألتها بمرارة: "ولكن.. ما الذي جاء بكِ إلينا نحن الثلاث؟ نحن نساء ملأت مآسينا بطون الكتب وشهرتنا بلغت الآفاق، أما أنتِ، فمن سمع بكِ في هذا العالم لتقاسمنا فندق المغدورات؟"
نظرت إليها رازقية، وعيناها تدوران على إيما والسيدة تشارلي ثم تستقران في عيني آنا. التمعت نظرتها بدمع قديم، وقالت بصوت هادئ ومزلزل: "أنا القارئة يا آنا.. أنا التي التهمتُ سطوركن بنهم، وعشتُ عذاباتكن حرفاً بحرف. تقمصتُ أحزانكِ، وتلويتُ مع إيما، وصرختُ مع الليدي تشارلي. شربتُ مشاعركن حتى غصّ بها قلبي، فصرتُ مثلكن، ووجدتُ نفسي منبوذة في واقع لا يرحم".
ثم أطرقت برأسها وتابعت بنبرة مخنوقة بالوجع: "لكنكن متّن على الورق بأيدي مؤلفيكن، أما أنا.. فقد قتلني رجل الحماية ذات يوم رصاصاً وغدراً، لمجرد أنني رفضتُ أن أمنحه جسدي، رفضتُ أن أبيع كرامتي.. فجئتُ إلى هنا لأشارككن سرير المغدورات".
ساد وجوم ثقيل؛ أربع نساء يرقبن بعضهن في صمت مطبق بعد أن انمحت الفوارق الطبقية والزمنية واهتزت لها أركان الغرفة، جُلبن من غياهب الورق والواقع إلى هذا النزل القاحل الذي سُمي عن جدارة: "فندق المغدورات".
وفي صالة الفندق في الأسفل، كان المؤلفون الثلاثة يتحلقون حول طاولة يحتسون النبيذ وتتعالى قهقهاتهم الساخرة على مصائر نساءهم المتخيلات بانتظار مجيء المؤلف الرابع لرواية رازقية ، الذي لن يأت قط.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى