يتوجَّه إلى فناء داره عصرًا، يقبض على عصا رفيعةٍ من الجريد، يهشُّ بها على أغنامه، يسوقها إلى خارج الدَّار؛ فيثير القطيع سحابات الغبار الَّتي ترتدُّ، وتتساقط على وجهه المربدّ، في حين يحوم كلبه حول الأغنام، يسير أمامها تارةً وخلفها تارةً أخرى، يطارد النَّعجة الشاردة والكبش العفيّ الذي أعمل قرونه في خروفٍ هزيلٍ، ينبح الكلبُ؛ فينتبه الرَّاعي إلى أنَّ ثمَّة خطبًا ما؛ فيستدير بقامته التي لا تعدو قامة طفلٍ في التاسعة رغم أنَّه جاوز الأربعين من عمره، يطلق الصَّفير؛ فينتظم القطيع يسير في صفوفٍ متتابعة، فيما عدا الحملان الصغيرة التي تدخل وتخرج من الفُرَج الموجودة بين أرجل أمهاتها.
يوشك القطيع أن يعبر باحة النَّجع الرَّملية؛ فينقبض قلب الرَّاعي، ويتهيَّب زفّة الصّبيان، أولئك الشّياطين الحفاة.. سوف يطوّقون القطيع من كلّ ناحيةٍ، وسوف يثيرون فزع الضأن والماعز، سوف يقذفون الأغنام بالحصى، سوف يحمرُّ وجهه، وسوف يشتعل غضبه، وسوف يزيدون من وتيرة استفزازه، حتَّى ينفجر وابلُ الشَّتائم من فمه؛ فيبدأ الصّبيان زفتَّهم المعتادة، يعايرونه بقزامته، ولن ترحمه ألسنتهم الحداد، من المؤكَّد أنَّ غضبه سوف يتضاعف، وسوف يصل صراخه بلا شكٍّ إلى عنان السَّماء.
بمجرد دخوله النَّجع يحدث ما كان يخشاه كأنَّه كان يقرأ سطور كتابٍ، ولا يخلصه من شرّ الصّبيان وأذاهم إلا أحد المارّة، رجلٌ فارع الطول له جسد مصارع، يرى المشهد؛ فيغتاظ، ويعرج علي الرَّاعي، ويجذب من يده العصا، ويستدير بصرامةٍ، ويبدأ طقوس التَّأديب، ويطلق للسعاته العنان؛ فتطال أرداف الصّبيان وظهورهم، وربما أقفيتهم، وما هي إلا لحظاتٌ حتَّى يتفرَّق جمعهم، ويهرب فريقٌ منهم إلى حقول الشَّعير التي تتاخم النَّجع، ويلوذ آخرون بجذوع النَّخل التي تتحلَّق الدُّور، يكمنون خلفها، وينظرون بغلٍّ وألمٍ إلى الرَّجل المُخَلِّصِ، يتوعدونه في سرّهم، لكنَّ أحدًا منهم لا يجرؤ على الخروج من مكمنه.
ينظر الرَّاعي بامتنانٍ إلى منقذه، يدسُّ يده في سيّالة قفطانه، يخرج علبةً صدئةً، ويدعو صاحبه إلى التَّوقُّف للحظاتٍ؛ فيرتفع ثغاء الغنم، وسرعان ما تنتهي يد الرَّاعي المدرَّبة من صنع لفافتي تبغٍ، يناول الرَّجل واحدةً، ويشعل الأخرى بعود ثقابٍ، ينفث الدُّخان ببطءٍ وتؤدةٍ، وتسرح عيناه صوب الدُّور، ويتعلّق بصره بأحد الأبواب؛ فتلتمع عيناه، ويشرد فجأةً، ولا ينتبه بالمرّة إلى وداع رفيقه، الذي يوصيه بضبط انفعالاته، حتَّى لا يتجرَّأ عليه الصّبيان مرَّةً أخرى.
وكما يضئ نور المصباح الشَّفاف عتمة الدُّور بشكلٍ مفاجئ، تشرق بوجهها الوضَّاء. مليحةٌ كالبلور، ناعمةٌ كبتلات الورد البلديّ، لينةٌ كغزالةٍ رشيقة القدّ، معتدلة الطُّول، تحمل بين يديها إناءً فخاريًّا، تتَّجه إلى إحدى العنزات، تجثو على ركبتيها، تضع الإناء تحت الضّرع الممتلئ، تمسد شعر العنزة بكفّها الناعمة، وتباشر الحلب. يرتجف قلب الرَّاعي، وتتعالى دقاته، ويتفصَّد العرق من جبينه، ويحمرُّ وجهه، ولا ينتبه إلا على لسعةٍ مباغتةٍ من السيجارة التي فنت عن آخرها، ولم يتبق منها سوى عُقْبٍ مشتعلٍ.
يكتم ألمه، ويمدُّ بصره، يعانق الغزالة المنشغلة بعنزتها، يجوس بصره في حديقتها اليانعة، ثم يعود البصر متوترًا محمومًا؛ فينهره الرَّاعي بقسوةٍ وتوسلٍ ونهمٍ ورجاءٍ؛ فيعاود البصر الكَرَّة مرَّةً بعد مرّةٍ، والغزالة منهمكةٌ في عملها، لا تنتبه إلي وجوده، وبينما هو على تلك الحال، يشقّ الفضاء ضجّةٌ مفاجئةٌ، تخرجه عُنوةً من شروده اللَّذيذ، وما إن يستدير حتَّى يقذف الصّبيان وجهه بحفناتٍ من الرَّمل، وتفتأ خناجر ألسنتهم تنهشه بنصالها الجارحة، ولا يتورَّعون عن قذف سمعه بكراتهم الملتهبة، التي تعايره بقزامته وقلّة حيلته مرَّةً أخرى.
في أوج ورطته يكظم الرَّاعي غيظه، ويُنَقّل بصره بينهم وبينها، تحين من عينيه نظراتٍ تتوسل صمتهم، لكنّهم يتمادون في لغطتهم وضجيجهم كقردةٍ تتشاجر فيما بينها على ثمرة موزٍ؛ فينظر بارتباكٍ نحو غزالته، التي تلتفت نحو الضَّجيج بعد لَيٍّ وتباطؤٍ، فتفرُّ من عينيه دمعتين ساخنتين؛ إذ يبصر على شفتيها ابتسامةً ساخرةً، تستدير بعدها بسرعةٍ، وبلا مبالاةٍ تنصرف إلى عنزتها المستسلمة تمامًا إلى عبث أصابعها اللَّاهية.
يوشك القطيع أن يعبر باحة النَّجع الرَّملية؛ فينقبض قلب الرَّاعي، ويتهيَّب زفّة الصّبيان، أولئك الشّياطين الحفاة.. سوف يطوّقون القطيع من كلّ ناحيةٍ، وسوف يثيرون فزع الضأن والماعز، سوف يقذفون الأغنام بالحصى، سوف يحمرُّ وجهه، وسوف يشتعل غضبه، وسوف يزيدون من وتيرة استفزازه، حتَّى ينفجر وابلُ الشَّتائم من فمه؛ فيبدأ الصّبيان زفتَّهم المعتادة، يعايرونه بقزامته، ولن ترحمه ألسنتهم الحداد، من المؤكَّد أنَّ غضبه سوف يتضاعف، وسوف يصل صراخه بلا شكٍّ إلى عنان السَّماء.
بمجرد دخوله النَّجع يحدث ما كان يخشاه كأنَّه كان يقرأ سطور كتابٍ، ولا يخلصه من شرّ الصّبيان وأذاهم إلا أحد المارّة، رجلٌ فارع الطول له جسد مصارع، يرى المشهد؛ فيغتاظ، ويعرج علي الرَّاعي، ويجذب من يده العصا، ويستدير بصرامةٍ، ويبدأ طقوس التَّأديب، ويطلق للسعاته العنان؛ فتطال أرداف الصّبيان وظهورهم، وربما أقفيتهم، وما هي إلا لحظاتٌ حتَّى يتفرَّق جمعهم، ويهرب فريقٌ منهم إلى حقول الشَّعير التي تتاخم النَّجع، ويلوذ آخرون بجذوع النَّخل التي تتحلَّق الدُّور، يكمنون خلفها، وينظرون بغلٍّ وألمٍ إلى الرَّجل المُخَلِّصِ، يتوعدونه في سرّهم، لكنَّ أحدًا منهم لا يجرؤ على الخروج من مكمنه.
ينظر الرَّاعي بامتنانٍ إلى منقذه، يدسُّ يده في سيّالة قفطانه، يخرج علبةً صدئةً، ويدعو صاحبه إلى التَّوقُّف للحظاتٍ؛ فيرتفع ثغاء الغنم، وسرعان ما تنتهي يد الرَّاعي المدرَّبة من صنع لفافتي تبغٍ، يناول الرَّجل واحدةً، ويشعل الأخرى بعود ثقابٍ، ينفث الدُّخان ببطءٍ وتؤدةٍ، وتسرح عيناه صوب الدُّور، ويتعلّق بصره بأحد الأبواب؛ فتلتمع عيناه، ويشرد فجأةً، ولا ينتبه بالمرّة إلى وداع رفيقه، الذي يوصيه بضبط انفعالاته، حتَّى لا يتجرَّأ عليه الصّبيان مرَّةً أخرى.
وكما يضئ نور المصباح الشَّفاف عتمة الدُّور بشكلٍ مفاجئ، تشرق بوجهها الوضَّاء. مليحةٌ كالبلور، ناعمةٌ كبتلات الورد البلديّ، لينةٌ كغزالةٍ رشيقة القدّ، معتدلة الطُّول، تحمل بين يديها إناءً فخاريًّا، تتَّجه إلى إحدى العنزات، تجثو على ركبتيها، تضع الإناء تحت الضّرع الممتلئ، تمسد شعر العنزة بكفّها الناعمة، وتباشر الحلب. يرتجف قلب الرَّاعي، وتتعالى دقاته، ويتفصَّد العرق من جبينه، ويحمرُّ وجهه، ولا ينتبه إلا على لسعةٍ مباغتةٍ من السيجارة التي فنت عن آخرها، ولم يتبق منها سوى عُقْبٍ مشتعلٍ.
يكتم ألمه، ويمدُّ بصره، يعانق الغزالة المنشغلة بعنزتها، يجوس بصره في حديقتها اليانعة، ثم يعود البصر متوترًا محمومًا؛ فينهره الرَّاعي بقسوةٍ وتوسلٍ ونهمٍ ورجاءٍ؛ فيعاود البصر الكَرَّة مرَّةً بعد مرّةٍ، والغزالة منهمكةٌ في عملها، لا تنتبه إلي وجوده، وبينما هو على تلك الحال، يشقّ الفضاء ضجّةٌ مفاجئةٌ، تخرجه عُنوةً من شروده اللَّذيذ، وما إن يستدير حتَّى يقذف الصّبيان وجهه بحفناتٍ من الرَّمل، وتفتأ خناجر ألسنتهم تنهشه بنصالها الجارحة، ولا يتورَّعون عن قذف سمعه بكراتهم الملتهبة، التي تعايره بقزامته وقلّة حيلته مرَّةً أخرى.
في أوج ورطته يكظم الرَّاعي غيظه، ويُنَقّل بصره بينهم وبينها، تحين من عينيه نظراتٍ تتوسل صمتهم، لكنّهم يتمادون في لغطتهم وضجيجهم كقردةٍ تتشاجر فيما بينها على ثمرة موزٍ؛ فينظر بارتباكٍ نحو غزالته، التي تلتفت نحو الضَّجيج بعد لَيٍّ وتباطؤٍ، فتفرُّ من عينيه دمعتين ساخنتين؛ إذ يبصر على شفتيها ابتسامةً ساخرةً، تستدير بعدها بسرعةٍ، وبلا مبالاةٍ تنصرف إلى عنزتها المستسلمة تمامًا إلى عبث أصابعها اللَّاهية.