جائزة العلماء.. ليلة في السرداب

جائزة العلماء.. ليلة في السرداب​

حيدر عاشور

ستون عاماً لم يعرف الفجرُ بالنسبة إليه طقساً سوى أن يفتح عينيه على ضوء كربلاء، ويشدّ حزام العمر على مئزره، ليحطّ رحاله كل صباح عند باب القبلة لمرقد الإمام الحسين عليه السلام. ستون سنة والشمس ترتفع وتتدلى، وهو ثابت في مكانه كأنه نخلة عريقة راسخة في أديم الأرض، أو منارة تشير إلى معنى البقاء والوفاء. ما إن تبدأ خطى الزائرين بالاقتراب، حتى يتوهج وجهه بتجاعيد ناطقة بالبِشْر والسرور، وكأنه يلتقي أحبابه لأول مرة. لا يملّ ولا يتعب؛ ينحني ليفرش الأرض الطاهرة بأبسط البسط وأطهرها، ثم يشرع في ترتيب مائدته المفتوحة على كرم السماء. يجود بما تيسر له من زاد، يوزع الطعام الطيب، ويناوب بين كؤوس الماء البارد التي تطفئ حرقة العطاشى، وكأنما يسقي قلوبهم قبل أن يروي ظمأهم. تحت ظلال الوفاء، لا صوت يعلو فوق صدى الحكاية. كلما قدم زائر استقبله بسلام دافئ، ودارت على لسانه الذكرى العطرة؛ يذكر اسم الحسين بدمعة حرى، ويتبعه باللعنة على يزيد وكل من أعانه وظلمه وقتله. تمضي الساعات وتتوالى السنين، والأجيال تتبدل، وهو مستمر في وقفته، يحرس باب العشق، ويترك في قلب كل زائر أثراً من خبز وملح وحب لا ينسى.

تلك الخدمة العظيمة التي دامت طويلاً وبلغت أوجها في الزيارات المليونية، أثارت فضول الكثيرين: من أين لصالح العطار كل هذه الأموال ليُنفقها حباً في الإمام الحسين؟ حتى قرر علماء النجف الأشرف تشكيل لجنة لشكره، وتكريمه بجائزة اختارها كبير الحوزة العلمية بنفسه؛ وهي أن يُتاح له المبيت ليلة واحدة داخل ضريح الإمام الحسين عليه السلام، وتحديداً في السرداب العميق تحت القبة الشريفة التي تضم قبر حبيب بن مظاهر الأسدي.

لم يتمالك صالح نفسه من شدة الفرح والذهول؛ فقد مُنح شرفاً لا يناله إلا الأقلون. أخذ سجادته ومصحفه، وهبط درجات السرداب العتيق بقلب خافق ودموع تترقرق في عينيه. كان المكان يضوع برائحة المسك والتراب الطاهر، ويعج بسكينة ملكوتية لا تشبهها سكينة. افترش سجادته عند موضع قدمي القبر الطاهر لحبيب بن مظاهر، وأخذ يتقرب إلى الله بالصلاة وتلاوة القرآن والدعاء، مستغرقاً في مناجاة خالصة، بعيداً عن صخب العالم وضجيج الزائرين في الأعلى. وبينما كان صالح منغمساً في بكائه وعبادته، غلبه التعب والإرهاق بعد ساعات طويلة من السهر، فأخذته غفوة عميقة وسط ذلك السكون المهيب.

التفتَ صالح العطار إلى الشاب النوراني الذي عَرَّفَه بنفسه بأنه (علي الأكبر)، ودموعه تسيل على خديه، فقطع حبل أفكاره صوتُ الحزن، وهو يرجف:


  • يا سيدي، ستون سنة وأنا أنظف طريق الزوار، وأصب الماء في كربلاء، وأخدم الحسين بقلبي وروحي، فبأي شيء قصرتُ حتى يحجب عني اللقاء؟.
ابتسم علي الأكبر بحنان أبوي يملأ القلب طمأنينة، وقال بصوت عذب: "يا صالح، الخدمة بالأعمال لا بطول الأزمان. إنك خدمتَ ببدنك، لكن قلبك كان يلتفت أحياناً إلى نظرة الناس ومدحهم، وكنتَ تريد الأجر في الدنيا قبل الآخرة. أما حجي مجيد الذي دخل للتو، فكان يخدم بصمت تام، لا يبتغي شيئاً سوى رضا الله، فتهرعت روحُه بلا حجاب".

شعر صالح بوهج الحقيقة يخترق روحَه كالنور الساطع، فوقع على تراب ذلك البرزخ ساجداً، وقد سُقِطَ في يديه، ثم أدرك خطأ سريرته. رفع رأسَه وناشدَ علي الأكبر بدموع التوبة الصادقة:


  • سيدي، ألم يبقَ لي أمل؟ هل أغلقَ البابُ نهائياً في وجه خادم تائب؟.
أقامه علي الأكبر بيده الكريمة وقال له: البابُ لا يُغلق بحق من عرف عيبه. عد بقلبك كلياً إلى الحسين، واجعل خدمتك خالصة لوجه الله وحده، وسيحين حينها موعدُك الأطهر.

استيقظ صالح العطار من غفوته القلبية بعد رؤيا غريبة أيقظت روحه؛ وهو الذي قضى ستين سنةً ينفق من ماله الخاص لخدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام.

سأل بصوت حائر:


  • أريد أن أعرف السبب، فأنا أقدم الطعام للزائرين من أموالي الخاصة منذ ستين سنةً؟!.
رد عليه علي الأكبر بنبرة هادئة:

  • هل رأيت من دخل على الإمام؟ أنت تعرفه شخصياً.. اذهب إليه واسأله عن سبب عدم تسجيل اسمك في سجلات الزائرين والخدم.
فزّ صالح من مكانه، وخرج فوراً بخطى متسارعة قاصداً الحاج مجيد النجار، فوقف أمامه وقال بلهفة:

  • كنت هناك في غرفة الإمام؟!.
ابتسم مجيد بهدوء وأجاب: نعم، رأيتك في غرفة الحبيب.. أتريد أن تعرف لماذا لم يُسمح لك برؤية الإمام الحسين؟. فصاح صالح بصوت يملؤه الشوق والألم: "نعم!".

تابع مجيد بنبرة جادة تحمل العبرة: الإمام الحسين عليه السلام يقول لك:


  • أنت لا تحترم زواري ولا تحترم أهلك في كربلاء.. أنت عصبي وترفع صوتك عالياً على الزائرين، ومن يخالفك تبدأ بشتمه ولعنه، وهذا ما لا يحبه الإمام فيك رغم سنين خدمتك التي تجاوزت الستين. فأرسل رسالة إلى علماء النجف الأشرف لينبئوك بما تفعل، وأراد الإمام أن تستفيق لنفسك؛ كي لا تخسر الدنيا والآخرة بأخلاقك السيئة مع الزوار.
هكذا تعلّم صالح أن كنوز الأرض تفنى، وأن الأثر الجميل الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين هو الباقي. مسح دموعه بابتسامة رضا، وعاد يمد يده للناس، لا يبحث عن أجر أو شكر، بل يبغي محبة الله وراحة ضميره. أدرك يقيناً أن العطاء الحقيقي يبدأ من طهارة القلب ونقاء السريرة، فصار قطرة غيث تروي حياة كل محتاج يقصده.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى