لم يكن أحد في الحي يعرف سر السعدية المرأة
الستينية وزوجها بنعيسى الذي يكبرها بعقد من الزمن وابناؤهما الخمسة الذين تجاوز أصغرهم السادسة والعشرين حتى صار البيت الذي كان يضج ذات يوم بأصواتهم أشبه بمحطة قطار مهجورة؛ أبواب تفتح ولا أحد يدخل.
كان الزوج يقول لمن يسأله عن حالهما:
نحن بخير.
لكن الحقيقة أن كلمة "بخير" كانت آخر كذبة بقيت له.
فقد عاش مع زوجته أكثر من أربعين عاما غير أن العشرة الأخيرة لم تكن زواجا، بل هدنة طويلة بين شخصين أنهكهما العتاب.
إذا جلس هو في الصالون، اختفت إلى غرفتها.
وإذا دخل المطبخ، خرجت إلى الشرفة.
وإذا التقيا صدفة في الممر، مر كل منهما بجانب الآخر كما يمر غريبان في محطة لا يعرف أحدهما فيها الآخر.
وكان يعرف أنه السبب الأول في كل ذلك.
قبل سنوات مضت خانها.
خيانة كسرت شيئا في قلبها لكن اعترافه المتأخر زاد الكسر إيلاما وأغرق الجرح اكثر،ظن أن الاعتراف سيخفف عنه عقدة الذنب لكنه لم يدرك أن بعض الأبواب، حين تفتح بعد عشرين عاما لا يدخل منها النور، بل تدخل منها كل الأشباح دفعة واحدة.
منذ ذلك اليوم، تغيرت زوجته.
ومزقت عقد زواجها ذات صباح قائلة لزوجها:
ها أنا ذي أقتل العقد الذي بقي يجمعنا أما الزواج فقد مات منذ زمن.
ضحك زوجها يومها من شدة الألم، وقال:
وهل يصح للمرأة تطليق زوجها بمجرد تمزيق عقد الزواج.
أجابته دون أن ترفع عينيها:
لا أعرف إن كنت طلقتك شرعا... لكنني طلقتك من قلبي.
ومنذ ذلك الحين بدأت الحكاية الغريبة.
كانت تغيب لأشهر وتعود للبيت.
وفي كل عودة لا تعلل غيابها.
وكان أغرب ما في الأمر أن أبناءها، رغم غضبهم وخوفهم، كانوا يفرحون بعودتها كالأطفال الصغار.
ذات ليلة، عاد أصغر أبنائها من عمله، فوجد أمه جالسة في المطبخ وكأنها لم تغب يوما.
قال لها:
— أين كنتِ يا أمي؟
نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة غريبة، ثم قالت:
كنت أبحث عن امرأة تشبهني.
لم يفهم أحد ما قصدته.
وفي صباح اليوم التالي اختفت من جديد.
مرت الأيام.
وفي أحد مساءات الشتاء، وجد الزوج أمام باب غرفته ظرفا أبيض بلا اسم ولا عنوان.
فتح الظرف، فوجد ورقة واحدة كتب عليها:
"لا تبحث عني... أنا لا أضيع، أنا أهرب من المكان الذي ضعت فيه"
مكث طويلا وهو يحدق في الرسالة المقتضبة التي تركتها زوجته.
لأول مرة شعر أن زوجته لم تكن تهرب منه وحده، بل كانت تهرب من نسختها القديمة من امرأة أحبته يوما ثم اضطرت أن تعيش سنوات وهي تحاول أن تفهم لماذا لم يكن حبها كافيا ...
وفي ليلة أخرى، سمعها تتشاجر مع أختها على الهاتف:
— أريد الطلاق! أريد أن أعيش ما تبقى من عمري بعيدا عن هذا البيت!
ثم ساد الصمت .
غابت بعدها كعادتها ثم عادت إلى المنزل .
لم تدخل من الباب.
طرقت نافذة غرفة ابنها ،فتح لها.
دخلت دون كلمة، وجلست القرفصاء ثم دخلت في هستيريا من البكاء.
اقترب الزوج منها للمرة الأولى منذ سنوات.
قال:
— ماذا تريدين مني؟
رفعت رأسها وقالت:
— لا أريد منك شيئا... أريد فقط أن تعيد لي السنوات التي أخذتها مني.
ارتجف صوته:
— لو استطعت، لفعلت.
قالت:
— لهذا أنا أكرهك...
ثم عادت إلى صمتها.
في تلك اللحظة فهم الرجل أن الخيانة لا تنتهي عندما تنتهي العلاقة مع المرأة الأخرى .إنها تبدأ يومها الحقيقي داخل البيت، حين يصبح كل شيء قابلا للشك: النظرة، الكلمة، الغياب، وحتى الصمت.
ومع ذلك، كان هناك شيء آخر أكثر قسوة.
لقد اكتشف أن أبناءه، الذين ظن أنهم لا يعرفون شيئا كانوا يعرفون كل شيء.
كان أكبرهم قد قال لإخوته ذات ليلة:
نحن لم نكن نحتاج أباوأما مثاليين... كنا نحتاج فقط أن يتوقفا عن إيذاء بعضهما أمامنا.
كانت تلك الجملة أشد عليه من كل الاتهامات.
اتفق بعدها الزوجان على شيء واحد:
أن يتوقفا عن تحويل البيت إلى ساحة حرب.
إن بقيا معا فسيبقيان بحدود وكرامة ومسافة تحفظ ما تبقى من إنسانيتهما.
وإن افترقا، فسيكون الفراق هادئا، بلا فضائح، ولا انتقام، ولا أبناء يحرجون بانفصال والديهما بعد هذا العمر .
السعدية لم تعد تختفي بعد ذلك.
لكنها كانت كل مساء تخرج إلى الشرفة، تنظر إلى الطريق طويلا وكأنها تنتظر امرأة ما زالت غائبة.
سألها أحد أبنائها ذات يوم:
— أمي، من تنتظرين؟
ابتسمت وقالت:
— أنتظرني أنا... المرأة التي كنتها قبل أن نتعلم جميعا كيف نؤذي من نحب.
أما بنعيسى فكان يجلس خلف النافذة ويسترق السمع لهما.ولأول مرة لم يحاول أن يدافع عن نفسه.
فقد أدرك متأخرا أن بعض الخيانات لا تقتل الحب دفعة واحدة...بل تتركه حيا ينزف ببطء، حتى يصبح البيت كله مقبرة لشيء كان يوما أجمل ما في الحياة.
ومنذ ذلك اليوم، صار يردد كلما خلا إلى نفسه:
"يا رب، اغفر لي ما فعلت"
فاتحة أحمد يشو
الستينية وزوجها بنعيسى الذي يكبرها بعقد من الزمن وابناؤهما الخمسة الذين تجاوز أصغرهم السادسة والعشرين حتى صار البيت الذي كان يضج ذات يوم بأصواتهم أشبه بمحطة قطار مهجورة؛ أبواب تفتح ولا أحد يدخل.
كان الزوج يقول لمن يسأله عن حالهما:
نحن بخير.
لكن الحقيقة أن كلمة "بخير" كانت آخر كذبة بقيت له.
فقد عاش مع زوجته أكثر من أربعين عاما غير أن العشرة الأخيرة لم تكن زواجا، بل هدنة طويلة بين شخصين أنهكهما العتاب.
إذا جلس هو في الصالون، اختفت إلى غرفتها.
وإذا دخل المطبخ، خرجت إلى الشرفة.
وإذا التقيا صدفة في الممر، مر كل منهما بجانب الآخر كما يمر غريبان في محطة لا يعرف أحدهما فيها الآخر.
وكان يعرف أنه السبب الأول في كل ذلك.
قبل سنوات مضت خانها.
خيانة كسرت شيئا في قلبها لكن اعترافه المتأخر زاد الكسر إيلاما وأغرق الجرح اكثر،ظن أن الاعتراف سيخفف عنه عقدة الذنب لكنه لم يدرك أن بعض الأبواب، حين تفتح بعد عشرين عاما لا يدخل منها النور، بل تدخل منها كل الأشباح دفعة واحدة.
منذ ذلك اليوم، تغيرت زوجته.
ومزقت عقد زواجها ذات صباح قائلة لزوجها:
ها أنا ذي أقتل العقد الذي بقي يجمعنا أما الزواج فقد مات منذ زمن.
ضحك زوجها يومها من شدة الألم، وقال:
وهل يصح للمرأة تطليق زوجها بمجرد تمزيق عقد الزواج.
أجابته دون أن ترفع عينيها:
لا أعرف إن كنت طلقتك شرعا... لكنني طلقتك من قلبي.
ومنذ ذلك الحين بدأت الحكاية الغريبة.
كانت تغيب لأشهر وتعود للبيت.
وفي كل عودة لا تعلل غيابها.
وكان أغرب ما في الأمر أن أبناءها، رغم غضبهم وخوفهم، كانوا يفرحون بعودتها كالأطفال الصغار.
ذات ليلة، عاد أصغر أبنائها من عمله، فوجد أمه جالسة في المطبخ وكأنها لم تغب يوما.
قال لها:
— أين كنتِ يا أمي؟
نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة غريبة، ثم قالت:
كنت أبحث عن امرأة تشبهني.
لم يفهم أحد ما قصدته.
وفي صباح اليوم التالي اختفت من جديد.
مرت الأيام.
وفي أحد مساءات الشتاء، وجد الزوج أمام باب غرفته ظرفا أبيض بلا اسم ولا عنوان.
فتح الظرف، فوجد ورقة واحدة كتب عليها:
"لا تبحث عني... أنا لا أضيع، أنا أهرب من المكان الذي ضعت فيه"
مكث طويلا وهو يحدق في الرسالة المقتضبة التي تركتها زوجته.
لأول مرة شعر أن زوجته لم تكن تهرب منه وحده، بل كانت تهرب من نسختها القديمة من امرأة أحبته يوما ثم اضطرت أن تعيش سنوات وهي تحاول أن تفهم لماذا لم يكن حبها كافيا ...
وفي ليلة أخرى، سمعها تتشاجر مع أختها على الهاتف:
— أريد الطلاق! أريد أن أعيش ما تبقى من عمري بعيدا عن هذا البيت!
ثم ساد الصمت .
غابت بعدها كعادتها ثم عادت إلى المنزل .
لم تدخل من الباب.
طرقت نافذة غرفة ابنها ،فتح لها.
دخلت دون كلمة، وجلست القرفصاء ثم دخلت في هستيريا من البكاء.
اقترب الزوج منها للمرة الأولى منذ سنوات.
قال:
— ماذا تريدين مني؟
رفعت رأسها وقالت:
— لا أريد منك شيئا... أريد فقط أن تعيد لي السنوات التي أخذتها مني.
ارتجف صوته:
— لو استطعت، لفعلت.
قالت:
— لهذا أنا أكرهك...
ثم عادت إلى صمتها.
في تلك اللحظة فهم الرجل أن الخيانة لا تنتهي عندما تنتهي العلاقة مع المرأة الأخرى .إنها تبدأ يومها الحقيقي داخل البيت، حين يصبح كل شيء قابلا للشك: النظرة، الكلمة، الغياب، وحتى الصمت.
ومع ذلك، كان هناك شيء آخر أكثر قسوة.
لقد اكتشف أن أبناءه، الذين ظن أنهم لا يعرفون شيئا كانوا يعرفون كل شيء.
كان أكبرهم قد قال لإخوته ذات ليلة:
نحن لم نكن نحتاج أباوأما مثاليين... كنا نحتاج فقط أن يتوقفا عن إيذاء بعضهما أمامنا.
كانت تلك الجملة أشد عليه من كل الاتهامات.
اتفق بعدها الزوجان على شيء واحد:
أن يتوقفا عن تحويل البيت إلى ساحة حرب.
إن بقيا معا فسيبقيان بحدود وكرامة ومسافة تحفظ ما تبقى من إنسانيتهما.
وإن افترقا، فسيكون الفراق هادئا، بلا فضائح، ولا انتقام، ولا أبناء يحرجون بانفصال والديهما بعد هذا العمر .
السعدية لم تعد تختفي بعد ذلك.
لكنها كانت كل مساء تخرج إلى الشرفة، تنظر إلى الطريق طويلا وكأنها تنتظر امرأة ما زالت غائبة.
سألها أحد أبنائها ذات يوم:
— أمي، من تنتظرين؟
ابتسمت وقالت:
— أنتظرني أنا... المرأة التي كنتها قبل أن نتعلم جميعا كيف نؤذي من نحب.
أما بنعيسى فكان يجلس خلف النافذة ويسترق السمع لهما.ولأول مرة لم يحاول أن يدافع عن نفسه.
فقد أدرك متأخرا أن بعض الخيانات لا تقتل الحب دفعة واحدة...بل تتركه حيا ينزف ببطء، حتى يصبح البيت كله مقبرة لشيء كان يوما أجمل ما في الحياة.
ومنذ ذلك اليوم، صار يردد كلما خلا إلى نفسه:
"يا رب، اغفر لي ما فعلت"
فاتحة أحمد يشو