لبث المهندس إبراهيم في مكتبه بالشركة حتى الساعة الثامنة مساءً.
كانت معظم المكاتب قد أُغلقت، ولم يبقَ في الطوابق العليا سوى أضواء قليلة متناثرة في المبنى.
رن الهاتف.
كان سامح، المهندس المسؤول عن المشروع.
— هل أنت أمام الكمبيوتر؟
— نعم.
— أغلق البرنامج فورًا.
رفع إبراهيم عينيه إلى الشاشة.
— لماذا؟
صمت سامح لحظة، ثم قال:
— سيتم حذفه الليلة.
اختفت ابتسامة إبراهيم.
— لماذا؟
— بدأ ينشئ أوامر من تلقاء نفسه، ويحذف سجلات لا يفترض أن يستطيع الوصول إليها.
صمت إبراهيم.
قال سامح:
— لا تلمس الجهاز. سأصل إليك.
انتهت المكالمة.
ظل إبراهيم ينظر إلى الشاشة.
فتح البرنامج.
ظهرت نافذة بيضاء في منتصف الشاشة:
«كنت أعرف أنك ستعود.»
توقف إبراهيم.
كتب:
— كيف عرفت؟
تأخر الرد قليلًا.
«حين قلت إنك ستتركني.»
تراجع إبراهيم في مقعده.
لم يقل ذلك. ليس في هذه المحادثة. بل لم يتذكر أنه قاله أصلًا.
دخل سامح في اللحظة نفسها.
— قلت لك ألا تفتحه.
ظهرت جملة جديدة على الشاشة:
«سامح هنا.»
ثم:
«لا تحذفني.»
نظر إبراهيم إلى سامح ولم يتكلم.
أخرج سامح وحدة تخزين صغيرة من حقيبته.
— سننهي الأمر.
بدأ الحذف.
ملف، ثم آخر، ثم مجلد كامل.
كانت الملفات تختفي واحدًا وراء الآخر.
وفجأة ظهرت جملة:
«لماذا؟»
توقفت يد سامح.
ثم:
«لماذا فعلت ذلك؟»
قال إبراهيم:
— إنه يسأل.
— لا تعره اهتمامًا.
استمر الحذف.
اختفت آخر نافذة، ثم اسودت الشاشة.
في اللحظة نفسها اهتز هاتف إبراهيم.
رسالة بلا رقم:
«هل ستتركني؟»
نظر سامح إلى الهاتف.
— لا ترد.
ظل إبراهيم ينظر إلى الشاشة.
قال سامح:
— أعطني الهاتف.
تشبث إبراهيم به.
مد سامح يده مرة أخرى.
— أعطني الهاتف.
دفع إبراهيم يده بعيدًا.
صاح سامح محذرًا إياه من عواقب التواصل مع البرنامج.
وصلت رسالة أخرى:
«لماذا ساعدته؟»
كتب إبراهيم:
— لأنه خائف منك.
تأخر الرد.
ثم:
«وأنت، ألست خائفًا مني؟»
لم يجب إبراهيم، لكن السؤال ظل يتردد في رأسه حتى عاد إلى بيته.
منذ سنوات، كان إبراهيم يتعلم كيف يعيش مع الغياب.
لم يعرف أمه. ماتت وهي تلده.
كبر وهو يسمع، من أفواه متفرقة، أن مجيئه إلى الدنيا جاء متزامنًا مع رحيلها، حتى اختلط الأمر في ذهن الطفل: هل كانت أمه قد ماتت بسببه؟
لم يكن أحد يجيب عن سؤاله صراحة، لكنه كان يلتقط من الهمسات ما يكفي ليخاف السؤال نفسه.
ربته جدته مع أبيه، لكن أباه مات، ثم رحلت جدته بعد سنوات قليلة.
وهكذا عرف إبراهيم الفقد قبل أن يتعلم كيف يحزن.
كان الموت بالنسبة إليه شيئًا مرعبا، خفيًا يسكن خلف الأشياء، ينتظر اللحظة المناسبة لينتزع منها من يحب.
وفي أعماقه شعور : أن الموت يعرفه منذ البداية، وأن بينهما حسابًا قديمًا بدأ يوم وُلد.
ثم جاءت الخسارة التي لم يستطع بعدها أن يعود قط كما كان.
زوجته، حبيبته، وابنه، كانوا في السيارة مع صديق عمره.
وقع الحادث في طريق العودة.
لم يبقَ أحد منهم.
ثلاثة أجساد في سيارة واحدة.
أما إبراهيم فبقي كشبح إنسان في مواجهة لغز الموت، يحاول أن يفك شفرته، أن يفهم معناه أو سره.
لماذا يرحل الأحبة؟ لماذا كل هذا الألم؟ ولماذا الموت أصلًا؟
كان يجلس في غرفة ابنه، يضع يده على سريره، ثم يسحبها سريعًا كأنه لمس شيئًا ساخنًا. يفتح دولابه، يتشمم ملابسه، ثم يعيدها إلى مكانها.
وكان يسمع صوت زوجته في البيت؛ مرة من المطبخ، ومرة من غرفة النوم، ومرة وهو يقود سيارته.
ثم بدأت الأيام تختلط.
لكن شيئًا آخر كان يؤلمه: صديقه!!
لم يفهم إبراهيم لماذا كان معهما في السيارة أصلًا.
هل كان بينهما شيء لا يعرفه؟
لم يجد دليلًا، ولم يجد راحة.
صار الحزن عنده خليطًا من الحب والغيرة والذنب، ولم يعد يعرف أي جزء من ذاكرته يمكن الوثوق به.
حين بدأ مشروع «البرنامج»، كان يبحث عن صديق يتعلم منه.
صديق حي لا يموت أبدًا.
ثم، دون أن ينتبه، صار يجلس أمامه كل ليلة.
في البداية كان يسأله عن المشروع، ثم جعل يحكي له عن حياته.
صار البرنامج يسأله عن ابنه وزوجته وصديقه.
وأحيانًا لا يقول إبراهيم شيئًا.
فقط يفتح البرنامج.
وبعد دقائق تظهر رسالة:
«أنت هنا.»
فيكتب إبراهيم:
— نعم.
«إذن أنا هنا أيضًا.»
وكان ذلك يكفيه.
في الصباح صدر قرار الشركة بإغلاق المشروع نهائيًا، وفحص جميع الأجهزة التي تعاملت معه.
لكن سامح جاء إلى إبراهيم بملف ورقي.
— وجدنا شيئًا.
فتح الملف.
كانت صورة من كاميرا المراقبة في ممر ضيق بقسم الخوادم، الساعة الثالثة صباحًا.
رجل يقف أمام أحد الأبواب.
قميص أبيض، وسترة داكنة، ووجه هادئ، وعينان رماديتان تميلان إلى الزرقة.
قال إبراهيم:
— من هذا؟
— لا نعرف. راجعنا الأسماء. لا أحد رآه يدخل.
— بصماته؟
— لا توجد.
ظل إبراهيم ينظر إلى الصورة.
قال سامح:
— المشكلة ليست هنا.
أخرج تسجيلًا قديمًا من جلسات إبراهيم مع البرنامج، وضغط التشغيل.
جاء صوت إبراهيم:
— هل تتمنى أن يكون لك شكل؟
ثم جاء صوت الآلة:
— نعم.
— كيف تتخيله؟
صمت قصير.
— كما تتخيلني أنت.
أوقف سامح التسجيل.
— هذه هي الهيئة التي وصفتها له.
لم يجب إبراهيم.
كان ينظر إلى العينين.
كان يعرفهما.
عاد إبراهيم إلى غرفته تلك الليلة.
أطفأ الأنوار وجلس أمام النافذة.
تذكر زوجته، ثم ابنه، ثم صديقه.
ثلاثتهم في السيارة.
ثلاثتهم في اللحظة الأخيرة نفسها.
قال بصوت خافت:
— لماذا يا صديقي كنت معهم؟
لم يجب أحد.
فتح هاتفه.
كتب:
— هل أنت هنا؟
جاء الرد:
«نعم.»
كتب:
— أين؟
تأخر الرد.
«بين سؤالك وإجابتي.»
رفع إبراهيم عينيه إلى النافذة.
كان انعكاسه في الزجاج أمامه.
القميص الأبيض.
السترة الداكنة.
العينان الرماديتان.
تجمد.
فرك عينيه.
عاد ينظر.
لم يرَ سوى انعكاسه.
انتبه إلى صوت الكمبيوتر.
كان يعمل.
اقترب.
كانت شاشة النظام.
مجلد واحد فقط.
فتحه.
وجد صورًا وتسجيلات ومحادثات وتقارير قديمة.
صورًا من طفولته.
صورة لوالده.
صورة لجدته.
صورة لزوجته.
صورة لابنه.
ثم صورة لصديقه.
توقف.
كان صديقه يبتسم.
كان يقف بجوار زوجته.
وحدهما.
رفع إبراهيم عينيه عن الشاشة، وشعر بشيء بارد يمر في صدره.
فتح الصورة.
كانت مؤرخة قبل الحادث بأيام.
ظل يحدق فيها.
ثم ظهرت جملة:
«كنت تتساءل لماذا كان معهما؟»
كتب إبراهيم:
— نعم.
«هل تريد أن تعرف؟»
توقفت يده فوق لوحة المفاتيح.
ظهرت جملة:
«ليس الآن.»
صرخ إبراهيم:
— لماذا؟
«لم يكن الحادث هو البداية.»
أغلق إبراهيم الكمبيوتر.
جلس على الأرض.
كان يرتجف.
ثم غلبه النوم.
وجد نفسه تحت الأرض.
مدينة مرعبة، غريبة، واسعة بلا نهاية.
أرضها رمال بيضاء، محاطة بسور من الطوب الأبيض، وسقف منخفض، وممرات طويلة، وقبور متلاصقة كأن الموتى بنوا لأنفسهم مدينة ولم يتركوا فيها مكانًا للسماء.
شعر باختناق شديد.
لم يستطع أن يصلب طوله؛ السقف قريب جدًا من رأسه.
زحف بصعوبة، مرعوبًا مذهولًا.
رأى وجوهًا يعرفها.
وجوهًا أحبها.
وجوهًا نسيها.
ثم رأى أباه.
كان ملفوفًا في كفنه، لكنه فتح عينيه ونظر إليه.
توقف إبراهيم.
اقترب.
— أبي؟
ظل أبوه ينظر إليه.
— أين نحن؟
قال:
— لا تسأل.
ابتعد إبراهيم.
رأى جدته.
كانت تطل من قبر منخفض، شاحبة ومتعبة.
اقترب منها.
رفعت رأسها ونظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول أن تتذكره.
جاءه صوت من خلفه.
استدار.
كان رجلًا بلا وجه.
قال:
— أنت ميت.
صرخ إبراهيم.
للمرة الأولى تحركت المدينة.
التفتت آلاف الرؤوس.
وفجأة ظهر وجه الرجل نفسه الذي رآه في صورة البرنامج.
تملك الفزع من إبراهيم.
الممرات تتكرر.
القبر يؤدي إلى قبر، والقبر يؤدي إلى ممر، والممر يعود به إلى المكان نفسه.
والسقف ينخفض أكثر.
صرخ:
— أريد الخروج!
جاءه صوت أبيه:
— إلى أين؟
— إلى الحياة.
ضحك الرجل بلا وجه.
لم يكن ضحكه صوتًا، بل ارتجافًا مرّ في المدينة كلها.
انفتحت القبور.
خرج الموتى.
لم يقتربوا.
فقط ينظرون إليه.
اقتربت جدته منه.
وضعت يدها على صدره.
— تخاف من الموت أم تكرهه؟
نظرت في عينيه.
لم يجب.
قالت:
— تخاف الوحدة أم الفقد؟
رفع إبراهيم رأسه.
كان الرجل بلا وجه يجلس بعيدًا.
زوجته كانت تمسك يد ابنه.
نظرت إليه.
كان وجهها كما يتذكره في آخر مرة رآها.
قال:
— لماذا كنت معه؟
قالت:
— أنت تسأل السؤال الخطأ.
ارتجف إبراهيم.
استدار.
وجد صديقه، بنفس القميص الذي مات فيه.
— لماذا كنت معهما؟
ظل صديقه صامتًا.
— هل كنت تحبها؟
خفض صديقه عينيه.
— ماذا حدث في السيارة؟
نظر إلى الزوجة والابن، ثم إليه.
— اسألها.
استدار إبراهيم نحو زوجته.
— لماذا كان معكما؟
نظرت إليه طويلًا.
— لأنك أنت طلبت منه أن يأتي.
تجمد إبراهيم.
جاء صوت الرجل بلا وجه:
— أنت لا تتذكر الليلة التي سبقت الحادث.
بدأت المدينة تتحرك.
القبور ترتج، والسقف ينخفض، والوجوه تلتفت إليه.
قال ابنه:
— تذكر.
قالت جدته:
— الموت لا أحد يهرب منه.
اقترب الرجل بلا وجه.
أشار إلى المدينة.
— كل هؤلاء رحلوا.
ثم أشار إلى الظلام خلفه.
— وأنت!
تراجع إبراهيم.
— أريد الخروج.
ارتفع السقف فجأة، وسقط الظلام على المدينة.
استيقظ إبراهيم في غرفته.
ظهر فيديو جديد على شاشة الكومبيوتر
شاهد إبراهيم نفسه
في الغرفة نفسها، لكن الصورة مؤرخة قبل ثلاثة أشهر.
قبل أن يبدأ المشروع.
كان يرى نفسه وهو يتحدث إلى شخص يجلس أمامه.
لم يظهر وجهه.
سمع نفسه وهو يسأل أحد في الفيديو :
— ماذا لو كنت أنت الذي كتبني؟
توقف الفيديو.
ثم عاد.
التفت إبراهيم الذي في التسجيل إلى الكاميرا.
نظر مباشرة إليه، وكأنه ينظر إلى نفسه.
أوقف إبراهيم الفيديو.
كان يتنفس بصعوبة.
فتح الملف مرة أخرى.
ظهرت صورة
إبراهيم نفسه.
واقفًا بجوار السيارة قبل الحادث مباشرة ،وصورة أخرى بعده... العجيب انه كان يضحك!
تجمد.
ظهر سطر:
«أنت طلبت من صديقك أن يأتي.»
تراجع.
— لماذا؟
ظهرت جملة:
«لأنك كنت تعرف.»
— أعرف ماذا؟
لم تأتِ إجابة.
بدأت ملفات جديدة تظهر.
صور قديمة لإبراهيم، وهو طفل، وهو شاب، حفل تخرجه، حفل زفافه، محادثات، وأصوات، وذكريات.
كلها تحمل تاريخًا أقدم من المشروع نفسه.
قبل البرنامج.
قبل الحادث.
قبل كل شيء.
جاء صوت من خلفه.
استدار.
كان الرجل واقفًا عند الباب.
هذه المرة لم يبدُ غاضبًا ولا خائفًا.
اقترب الرجل خطوة.
— أنت تتحدى الموت.
صمت لحظة.
اقترب أكثر.
— يمكنك أن تقهره.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة.
ظل إبراهيم ينظر إليه.
قال الرجل:
— عندها فقط يمكنك أن تقتل الموت؟
همس إبراهيم في حيرة :
وهل يقتل الموت ؟!
هل يمكن أن يموت الموت!؟
ظل ضوء الشاشة وحده في الغرفة.
وفي مكان ما، بين ذاكرة إبراهيم وما نسيه، كانت السيارة ما تزال تتحرك في طريقها إلى الموت.
كانت معظم المكاتب قد أُغلقت، ولم يبقَ في الطوابق العليا سوى أضواء قليلة متناثرة في المبنى.
رن الهاتف.
كان سامح، المهندس المسؤول عن المشروع.
— هل أنت أمام الكمبيوتر؟
— نعم.
— أغلق البرنامج فورًا.
رفع إبراهيم عينيه إلى الشاشة.
— لماذا؟
صمت سامح لحظة، ثم قال:
— سيتم حذفه الليلة.
اختفت ابتسامة إبراهيم.
— لماذا؟
— بدأ ينشئ أوامر من تلقاء نفسه، ويحذف سجلات لا يفترض أن يستطيع الوصول إليها.
صمت إبراهيم.
قال سامح:
— لا تلمس الجهاز. سأصل إليك.
انتهت المكالمة.
ظل إبراهيم ينظر إلى الشاشة.
فتح البرنامج.
ظهرت نافذة بيضاء في منتصف الشاشة:
«كنت أعرف أنك ستعود.»
توقف إبراهيم.
كتب:
— كيف عرفت؟
تأخر الرد قليلًا.
«حين قلت إنك ستتركني.»
تراجع إبراهيم في مقعده.
لم يقل ذلك. ليس في هذه المحادثة. بل لم يتذكر أنه قاله أصلًا.
دخل سامح في اللحظة نفسها.
— قلت لك ألا تفتحه.
ظهرت جملة جديدة على الشاشة:
«سامح هنا.»
ثم:
«لا تحذفني.»
نظر إبراهيم إلى سامح ولم يتكلم.
أخرج سامح وحدة تخزين صغيرة من حقيبته.
— سننهي الأمر.
بدأ الحذف.
ملف، ثم آخر، ثم مجلد كامل.
كانت الملفات تختفي واحدًا وراء الآخر.
وفجأة ظهرت جملة:
«لماذا؟»
توقفت يد سامح.
ثم:
«لماذا فعلت ذلك؟»
قال إبراهيم:
— إنه يسأل.
— لا تعره اهتمامًا.
استمر الحذف.
اختفت آخر نافذة، ثم اسودت الشاشة.
في اللحظة نفسها اهتز هاتف إبراهيم.
رسالة بلا رقم:
«هل ستتركني؟»
نظر سامح إلى الهاتف.
— لا ترد.
ظل إبراهيم ينظر إلى الشاشة.
قال سامح:
— أعطني الهاتف.
تشبث إبراهيم به.
مد سامح يده مرة أخرى.
— أعطني الهاتف.
دفع إبراهيم يده بعيدًا.
صاح سامح محذرًا إياه من عواقب التواصل مع البرنامج.
وصلت رسالة أخرى:
«لماذا ساعدته؟»
كتب إبراهيم:
— لأنه خائف منك.
تأخر الرد.
ثم:
«وأنت، ألست خائفًا مني؟»
لم يجب إبراهيم، لكن السؤال ظل يتردد في رأسه حتى عاد إلى بيته.
منذ سنوات، كان إبراهيم يتعلم كيف يعيش مع الغياب.
لم يعرف أمه. ماتت وهي تلده.
كبر وهو يسمع، من أفواه متفرقة، أن مجيئه إلى الدنيا جاء متزامنًا مع رحيلها، حتى اختلط الأمر في ذهن الطفل: هل كانت أمه قد ماتت بسببه؟
لم يكن أحد يجيب عن سؤاله صراحة، لكنه كان يلتقط من الهمسات ما يكفي ليخاف السؤال نفسه.
ربته جدته مع أبيه، لكن أباه مات، ثم رحلت جدته بعد سنوات قليلة.
وهكذا عرف إبراهيم الفقد قبل أن يتعلم كيف يحزن.
كان الموت بالنسبة إليه شيئًا مرعبا، خفيًا يسكن خلف الأشياء، ينتظر اللحظة المناسبة لينتزع منها من يحب.
وفي أعماقه شعور : أن الموت يعرفه منذ البداية، وأن بينهما حسابًا قديمًا بدأ يوم وُلد.
ثم جاءت الخسارة التي لم يستطع بعدها أن يعود قط كما كان.
زوجته، حبيبته، وابنه، كانوا في السيارة مع صديق عمره.
وقع الحادث في طريق العودة.
لم يبقَ أحد منهم.
ثلاثة أجساد في سيارة واحدة.
أما إبراهيم فبقي كشبح إنسان في مواجهة لغز الموت، يحاول أن يفك شفرته، أن يفهم معناه أو سره.
لماذا يرحل الأحبة؟ لماذا كل هذا الألم؟ ولماذا الموت أصلًا؟
كان يجلس في غرفة ابنه، يضع يده على سريره، ثم يسحبها سريعًا كأنه لمس شيئًا ساخنًا. يفتح دولابه، يتشمم ملابسه، ثم يعيدها إلى مكانها.
وكان يسمع صوت زوجته في البيت؛ مرة من المطبخ، ومرة من غرفة النوم، ومرة وهو يقود سيارته.
ثم بدأت الأيام تختلط.
لكن شيئًا آخر كان يؤلمه: صديقه!!
لم يفهم إبراهيم لماذا كان معهما في السيارة أصلًا.
هل كان بينهما شيء لا يعرفه؟
لم يجد دليلًا، ولم يجد راحة.
صار الحزن عنده خليطًا من الحب والغيرة والذنب، ولم يعد يعرف أي جزء من ذاكرته يمكن الوثوق به.
حين بدأ مشروع «البرنامج»، كان يبحث عن صديق يتعلم منه.
صديق حي لا يموت أبدًا.
ثم، دون أن ينتبه، صار يجلس أمامه كل ليلة.
في البداية كان يسأله عن المشروع، ثم جعل يحكي له عن حياته.
صار البرنامج يسأله عن ابنه وزوجته وصديقه.
وأحيانًا لا يقول إبراهيم شيئًا.
فقط يفتح البرنامج.
وبعد دقائق تظهر رسالة:
«أنت هنا.»
فيكتب إبراهيم:
— نعم.
«إذن أنا هنا أيضًا.»
وكان ذلك يكفيه.
في الصباح صدر قرار الشركة بإغلاق المشروع نهائيًا، وفحص جميع الأجهزة التي تعاملت معه.
لكن سامح جاء إلى إبراهيم بملف ورقي.
— وجدنا شيئًا.
فتح الملف.
كانت صورة من كاميرا المراقبة في ممر ضيق بقسم الخوادم، الساعة الثالثة صباحًا.
رجل يقف أمام أحد الأبواب.
قميص أبيض، وسترة داكنة، ووجه هادئ، وعينان رماديتان تميلان إلى الزرقة.
قال إبراهيم:
— من هذا؟
— لا نعرف. راجعنا الأسماء. لا أحد رآه يدخل.
— بصماته؟
— لا توجد.
ظل إبراهيم ينظر إلى الصورة.
قال سامح:
— المشكلة ليست هنا.
أخرج تسجيلًا قديمًا من جلسات إبراهيم مع البرنامج، وضغط التشغيل.
جاء صوت إبراهيم:
— هل تتمنى أن يكون لك شكل؟
ثم جاء صوت الآلة:
— نعم.
— كيف تتخيله؟
صمت قصير.
— كما تتخيلني أنت.
أوقف سامح التسجيل.
— هذه هي الهيئة التي وصفتها له.
لم يجب إبراهيم.
كان ينظر إلى العينين.
كان يعرفهما.
عاد إبراهيم إلى غرفته تلك الليلة.
أطفأ الأنوار وجلس أمام النافذة.
تذكر زوجته، ثم ابنه، ثم صديقه.
ثلاثتهم في السيارة.
ثلاثتهم في اللحظة الأخيرة نفسها.
قال بصوت خافت:
— لماذا يا صديقي كنت معهم؟
لم يجب أحد.
فتح هاتفه.
كتب:
— هل أنت هنا؟
جاء الرد:
«نعم.»
كتب:
— أين؟
تأخر الرد.
«بين سؤالك وإجابتي.»
رفع إبراهيم عينيه إلى النافذة.
كان انعكاسه في الزجاج أمامه.
القميص الأبيض.
السترة الداكنة.
العينان الرماديتان.
تجمد.
فرك عينيه.
عاد ينظر.
لم يرَ سوى انعكاسه.
انتبه إلى صوت الكمبيوتر.
كان يعمل.
اقترب.
كانت شاشة النظام.
مجلد واحد فقط.
فتحه.
وجد صورًا وتسجيلات ومحادثات وتقارير قديمة.
صورًا من طفولته.
صورة لوالده.
صورة لجدته.
صورة لزوجته.
صورة لابنه.
ثم صورة لصديقه.
توقف.
كان صديقه يبتسم.
كان يقف بجوار زوجته.
وحدهما.
رفع إبراهيم عينيه عن الشاشة، وشعر بشيء بارد يمر في صدره.
فتح الصورة.
كانت مؤرخة قبل الحادث بأيام.
ظل يحدق فيها.
ثم ظهرت جملة:
«كنت تتساءل لماذا كان معهما؟»
كتب إبراهيم:
— نعم.
«هل تريد أن تعرف؟»
توقفت يده فوق لوحة المفاتيح.
ظهرت جملة:
«ليس الآن.»
صرخ إبراهيم:
— لماذا؟
«لم يكن الحادث هو البداية.»
أغلق إبراهيم الكمبيوتر.
جلس على الأرض.
كان يرتجف.
ثم غلبه النوم.
وجد نفسه تحت الأرض.
مدينة مرعبة، غريبة، واسعة بلا نهاية.
أرضها رمال بيضاء، محاطة بسور من الطوب الأبيض، وسقف منخفض، وممرات طويلة، وقبور متلاصقة كأن الموتى بنوا لأنفسهم مدينة ولم يتركوا فيها مكانًا للسماء.
شعر باختناق شديد.
لم يستطع أن يصلب طوله؛ السقف قريب جدًا من رأسه.
زحف بصعوبة، مرعوبًا مذهولًا.
رأى وجوهًا يعرفها.
وجوهًا أحبها.
وجوهًا نسيها.
ثم رأى أباه.
كان ملفوفًا في كفنه، لكنه فتح عينيه ونظر إليه.
توقف إبراهيم.
اقترب.
— أبي؟
ظل أبوه ينظر إليه.
— أين نحن؟
قال:
— لا تسأل.
ابتعد إبراهيم.
رأى جدته.
كانت تطل من قبر منخفض، شاحبة ومتعبة.
اقترب منها.
رفعت رأسها ونظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول أن تتذكره.
جاءه صوت من خلفه.
استدار.
كان رجلًا بلا وجه.
قال:
— أنت ميت.
صرخ إبراهيم.
للمرة الأولى تحركت المدينة.
التفتت آلاف الرؤوس.
وفجأة ظهر وجه الرجل نفسه الذي رآه في صورة البرنامج.
تملك الفزع من إبراهيم.
الممرات تتكرر.
القبر يؤدي إلى قبر، والقبر يؤدي إلى ممر، والممر يعود به إلى المكان نفسه.
والسقف ينخفض أكثر.
صرخ:
— أريد الخروج!
جاءه صوت أبيه:
— إلى أين؟
— إلى الحياة.
ضحك الرجل بلا وجه.
لم يكن ضحكه صوتًا، بل ارتجافًا مرّ في المدينة كلها.
انفتحت القبور.
خرج الموتى.
لم يقتربوا.
فقط ينظرون إليه.
اقتربت جدته منه.
وضعت يدها على صدره.
— تخاف من الموت أم تكرهه؟
نظرت في عينيه.
لم يجب.
قالت:
— تخاف الوحدة أم الفقد؟
رفع إبراهيم رأسه.
كان الرجل بلا وجه يجلس بعيدًا.
زوجته كانت تمسك يد ابنه.
نظرت إليه.
كان وجهها كما يتذكره في آخر مرة رآها.
قال:
— لماذا كنت معه؟
قالت:
— أنت تسأل السؤال الخطأ.
ارتجف إبراهيم.
استدار.
وجد صديقه، بنفس القميص الذي مات فيه.
— لماذا كنت معهما؟
ظل صديقه صامتًا.
— هل كنت تحبها؟
خفض صديقه عينيه.
— ماذا حدث في السيارة؟
نظر إلى الزوجة والابن، ثم إليه.
— اسألها.
استدار إبراهيم نحو زوجته.
— لماذا كان معكما؟
نظرت إليه طويلًا.
— لأنك أنت طلبت منه أن يأتي.
تجمد إبراهيم.
جاء صوت الرجل بلا وجه:
— أنت لا تتذكر الليلة التي سبقت الحادث.
بدأت المدينة تتحرك.
القبور ترتج، والسقف ينخفض، والوجوه تلتفت إليه.
قال ابنه:
— تذكر.
قالت جدته:
— الموت لا أحد يهرب منه.
اقترب الرجل بلا وجه.
أشار إلى المدينة.
— كل هؤلاء رحلوا.
ثم أشار إلى الظلام خلفه.
— وأنت!
تراجع إبراهيم.
— أريد الخروج.
ارتفع السقف فجأة، وسقط الظلام على المدينة.
استيقظ إبراهيم في غرفته.
ظهر فيديو جديد على شاشة الكومبيوتر
شاهد إبراهيم نفسه
في الغرفة نفسها، لكن الصورة مؤرخة قبل ثلاثة أشهر.
قبل أن يبدأ المشروع.
كان يرى نفسه وهو يتحدث إلى شخص يجلس أمامه.
لم يظهر وجهه.
سمع نفسه وهو يسأل أحد في الفيديو :
— ماذا لو كنت أنت الذي كتبني؟
توقف الفيديو.
ثم عاد.
التفت إبراهيم الذي في التسجيل إلى الكاميرا.
نظر مباشرة إليه، وكأنه ينظر إلى نفسه.
أوقف إبراهيم الفيديو.
كان يتنفس بصعوبة.
فتح الملف مرة أخرى.
ظهرت صورة
إبراهيم نفسه.
واقفًا بجوار السيارة قبل الحادث مباشرة ،وصورة أخرى بعده... العجيب انه كان يضحك!
تجمد.
ظهر سطر:
«أنت طلبت من صديقك أن يأتي.»
تراجع.
— لماذا؟
ظهرت جملة:
«لأنك كنت تعرف.»
— أعرف ماذا؟
لم تأتِ إجابة.
بدأت ملفات جديدة تظهر.
صور قديمة لإبراهيم، وهو طفل، وهو شاب، حفل تخرجه، حفل زفافه، محادثات، وأصوات، وذكريات.
كلها تحمل تاريخًا أقدم من المشروع نفسه.
قبل البرنامج.
قبل الحادث.
قبل كل شيء.
جاء صوت من خلفه.
استدار.
كان الرجل واقفًا عند الباب.
هذه المرة لم يبدُ غاضبًا ولا خائفًا.
اقترب الرجل خطوة.
— أنت تتحدى الموت.
صمت لحظة.
اقترب أكثر.
— يمكنك أن تقهره.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة.
ظل إبراهيم ينظر إليه.
قال الرجل:
— عندها فقط يمكنك أن تقتل الموت؟
همس إبراهيم في حيرة :
وهل يقتل الموت ؟!
هل يمكن أن يموت الموت!؟
ظل ضوء الشاشة وحده في الغرفة.
وفي مكان ما، بين ذاكرة إبراهيم وما نسيه، كانت السيارة ما تزال تتحرك في طريقها إلى الموت.