استشعر ابتهاجاً غير مسبوق.لعلها المرة الأولى التي ينتابه فيها شعور لم يعش نشوته من قبل، وهو يرى نفسه إزاء تمثال لطالما حلَم به مجسَّداً أمام عينيه. لكَم طال انتظاره له، وهو محمول بمخاضه أياماً وليال ٍ، قلْ سنوات تترى. لم يصدّق أنه صنيعه وهو يدور حوله، لقد كان دورانه أشبه بطواف، وهو يمعن فيه النظر، وهو في كل خطوة يتنفس الصعداء، ويشكر ضمنياً كل جارحة فيه على هذا الصنيع. لقد بات حقيقة. في كثير من الحالات وهو يقبل على العمل فيه، كان يتردد صدى صوت استصعب عليه تحديدُ مصدره، صوت لفت نظرَه إلى جهاته كلها، بقدر ما دفع به أحياناً إلى الصمت والمساءلة حوله، صوت بدا له كما لو أنه يثنيه عن الاستمرار، يوجَز في عبارة مقتضبة جداً" ليس هكذا.. ليس هكذا ". لكنه لم يكف عن المتابعة، وحين أنجز ما خطط له، رفع صوته، كما لو أنه يُسمِع ذلك الصوتَ: أرأيت.. أرأيت، لقد نجحتُ في الرهان..!
ما أبهجَه هو أنه رآه صورة مطابقة تماماً لمَا كان تنطوي عليه نفسه، رغب أن يحيل ما في الداخل إلى الخارج، ليري من هم حوله، ولنفسه أيضاً، أن ثباته كان في محله .
وهو يشمله بنظراته سعيداً أيَّما سعادة، وهو يمرّر على كل جزء من التمثال راحتيّْ يده بحنان يعنيه، في انتظار اللحظة الأخرى، لحظة إدلاء التمثال بشهادة اعتراف بجميل صنيعه الخاص به تماماً.
قريباً جداً سأرى ذلك.
هكذا منَّ نفسه .
في اليوم التالي جاء وقلبه ينبض متقدماً إياه، وكله توق إلى المنتظَر، ليعيش حياة أخرى.
كان التمثال، وهو بادي الجمال بمظهره، كما هو.
لا بد أن ظهوره بالصورة المرغوبة، يتطلب بعض الوقت.. قالها، كما رددها في نفسه.
في اليوم الثاني كما هو اليوم الأول.
حماسه لم يضعف.
في اليوم الثالث، وملؤه حنين إلى المحلوم به.
كان التمثال كما هو..
في اليوم الرابع..
في اليوم الخامس..
في اليوم السادس..
في اليوم السابع ..
لا شيء تغيَّر..
هو من تغيَّر وقد تملّكه إحباط وقنوط ..
شمل التمثال بنظرة مغايرة لنظرته إثر إنجازه، نظرة الناقم الساخط عليه.
سوف أنهيك بنفسي، أنت لا تستحق بقاء كما أنت..هكذا قال في نفسه، ولمرة واحدة.
حمل المطرقة الثقيلة، ورفعها عالياً، قاصداً أعلى التمثال، وبتوتر ملحوظ.
أبقى المطرقة مرفوعة قبل أن ينهال بها على التمثال، لحظة سماعه ذلك الصوت الذي أرجعه إلى الوراء، إنه صوت صادر من التمثال نفسه:
لا تتعب نفسك كثيراً، أنا سأنهي نفسي بنفسي. كان عليك أن تحطّم التمثال الذي عهدتَه في نفسك أنت، وأردتني مثله،حينها فقط، كنت تراني طليقاً بك، وأنا طليق بك !