د. عاطف سلامة

في المخيم، لم تكن الخيام تفصل بين الناس، بل تجمعهم أكثر مما ينبغي. كان الصوت يعبر القماش الرقيق كما يعبر الهواء، حتى غدت أسرار البيوت مشاعًا، وصار العطاس في أول المخيم يستحق "يرحمكم الله" من آخره. جلس أبو العبد أمام خيمته إلى جوار صديقه أبي سالم، يحاولان سرقة دقائق قليلة من حديث الرجال. وبينهما...
في فجر ذلك اليوم، استيقظت ندى قبل أمها. جلست على طرف الفراش تراجع صفحات كتاب الأحياء للمرة الأخيرة. كانت شفتاها تتحركان بصمت. خلية... نسيج... جهاز... ثم توقفت فجأة. أغلقت الكتاب.وقالت لنفسها: "يكفي." لكنها فتحته من جديد..كانت تخاف أن تنسى. في غزة، حتى الأحلام تحتاج إلى مراجعة أخيرة. استيقظت أمها...
منذ الصباح كانت أم زياد تردد: "اليوم عيد ميلاد أبيكم." كان زياد الابن الأكبر يهز رأسه كلما سمعها. وأي عيد ميلاد هذا في مثل هذه المجاعة يا أمي؟ الناس تبحث عن لقمة، والقصف والموت في كل مكان، والطائرات لا تغادر السماء. أجابت بهدوء: "لهذا السبب بالذات يجب أن نتذكره." لم يقتنع. أما مريم الصغيرة...
في المخيم المزدحم، حيث الخيام تنكمش على الألم، خرج أبو ليلى من خيمته متكئًا على عزيمته، يدفع عجلات كرسيه المتحرك بيدين نحيلتين أكلتهما السنون والحصار. أراد أن يزور ابنته في الطرف الآخر من المخيم، حيث خيمة صغيرة تؤويها مع أطفالها بعد أن دُمر منزلهم. الشمس لم تكن قد وصلت كبد السماء بعد، لكن الطريق...

هذا الملف

نصوص
4
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى