في المخيم المزدحم، حيث الخيام تنكمش على الألم، خرج أبو ليلى من خيمته متكئًا على عزيمته، يدفع عجلات كرسيه المتحرك بيدين نحيلتين أكلتهما السنون والحصار. أراد أن يزور ابنته في الطرف الآخر من المخيم، حيث خيمة صغيرة تؤويها مع أطفالها بعد أن دُمر منزلهم.
الشمس لم تكن قد وصلت كبد السماء بعد، لكن الطريق من خيمة إلى أخرى صار دربًا من شوك ورماد. أبو ليلى كان يعرف أن الوقت ليس في صالحه، لكنه اشتاق إلى وجه ابنته، إلى حديثها القصير، إلى طمأنتها بأنه بخير، ولو كذبًا.
جلس أمام خيمتها دقائق معدودات، ابتسم، سأل عن الأحوال، عن الخبز، عن الماء، ثم سحب ساعة مهترئة من جيبه وحدّق فيها.
قال بهدوء: "لازم أرجع، أمك تنتظر الكرسي."
نظرت إليه ليلى بعينين تعبتين وقالت: "لكنك تعبت، خذ راحتك شوي."
هزّ رأسه، وعيناه تغالبان الانكسار: "ما بقدر، أمك لازم تروح على المستشفى، عندها غيار... رجلها المبتورة عم تنزف."
ثم همس وكأنه يخاطب نفسه: "نتقاسم الكرسي... هي تجلس عليه في الصباح، وأنا في المساء. صار الكرسي كأنه عضو منّا."
ليلى أمسكت بيده، شدّت عليها: "الله يقويكم، ما حدا يستاهل هيك حياة."
ابتسم بألم، وقال: "الحياة مش عادلة يا بنتي... بس طالما إحنا مع بعض، بنتقاسم الألم... مثل ما بنتقاسم الكرسي."
ثم استدار بالعجلة، ودفع نفسه عائدًا في الطريق نفسه، يمرّ على الركام، على الأطفال الذين لا يلعبون، على الصمت الذي صار لغة الناس. لم يترك خلفه سوى طيف أبٍ مُنهك، يحارب الحرب بعجلتين وصبر امرأة تنتظره لتكمل بها طريق الجرح.
وفي خيمتهم، كان الكرسي المتحرك رمزًا لصمود لا يراه العالم... لكنه هناك، يدور بين رجلين مبتورين وقلبين لا يزالان يحلمان بالحياة.
***
تمت
الشمس لم تكن قد وصلت كبد السماء بعد، لكن الطريق من خيمة إلى أخرى صار دربًا من شوك ورماد. أبو ليلى كان يعرف أن الوقت ليس في صالحه، لكنه اشتاق إلى وجه ابنته، إلى حديثها القصير، إلى طمأنتها بأنه بخير، ولو كذبًا.
جلس أمام خيمتها دقائق معدودات، ابتسم، سأل عن الأحوال، عن الخبز، عن الماء، ثم سحب ساعة مهترئة من جيبه وحدّق فيها.
قال بهدوء: "لازم أرجع، أمك تنتظر الكرسي."
نظرت إليه ليلى بعينين تعبتين وقالت: "لكنك تعبت، خذ راحتك شوي."
هزّ رأسه، وعيناه تغالبان الانكسار: "ما بقدر، أمك لازم تروح على المستشفى، عندها غيار... رجلها المبتورة عم تنزف."
ثم همس وكأنه يخاطب نفسه: "نتقاسم الكرسي... هي تجلس عليه في الصباح، وأنا في المساء. صار الكرسي كأنه عضو منّا."
ليلى أمسكت بيده، شدّت عليها: "الله يقويكم، ما حدا يستاهل هيك حياة."
ابتسم بألم، وقال: "الحياة مش عادلة يا بنتي... بس طالما إحنا مع بعض، بنتقاسم الألم... مثل ما بنتقاسم الكرسي."
ثم استدار بالعجلة، ودفع نفسه عائدًا في الطريق نفسه، يمرّ على الركام، على الأطفال الذين لا يلعبون، على الصمت الذي صار لغة الناس. لم يترك خلفه سوى طيف أبٍ مُنهك، يحارب الحرب بعجلتين وصبر امرأة تنتظره لتكمل بها طريق الجرح.
وفي خيمتهم، كان الكرسي المتحرك رمزًا لصمود لا يراه العالم... لكنه هناك، يدور بين رجلين مبتورين وقلبين لا يزالان يحلمان بالحياة.
***
تمت