قالت سيدة من “زمن التردي البائس”:
“لا جديد تحت الشمس؛ لقد فقد الناس البوصلة، وأصبح كلٌ يغني على ليلاه. غايتهم ورغبتهم في جنات عدن التي تقع خلف البحر الأبيض المتوسط، لكن الأمر كان يقتضي العبور من الأرض المحتلة؛ تلك التي استوطنها العلوج الذين طَردوا، منذ مئات السنين، آلاف الموريسكيين ليستقروا في سلا، والرباط، وتطوان، وفاس.
هم أنفسهم من ألقوا القنابل الكيماوية على أمازيغ الريف، وساندهم في ذلك الفرنسيون، فنفوا الخطابي، وحكموا عليهم بمرض السرطان الذي لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم. .
قلت لها بصوت تشوبه نبرة غضب :
“سيدتي، التاريخ يكرر نفسه، وزمن الخداع البصري والسمعي يحط رحاله في رحاب ربوعنا. مأساتنا يا سيدتي أن بيننا من هو مصاب بمتلازمة ستوكهولم”.
ردت وهي ترمقني بنظرة شزراء:
“هذا زمن الردة، والسقوط في هوى من رسم الحدود بالمسطرة على الخرائط، ففرّق بين الأهل والأحبة، وخلق هذا المسخ الذي نراه. العلوج يبقون علوجاً؛ في السابق أقاموا محاكم التفتيش، ولجؤوا إلى الحرق، والخازوق، وتحطيم العظام في حق الموريسكيين واليهود، وها هم اليوم يعيدون الكرة في حق أهل الأرض”.
قالت قولها هذا، ثم ولّت الأدبار.
صرخت منادياً عليها:
“انتظري يا سيدتي! انتظري، فكلامك درر ”
لكن صورتها تلاشت فجأة، واستحالت سراباً.
نظرتُ حولي؛ المصطافون مستلقون على الرمال الذهبية، مستمتعون بأشعة الشمس الدافئة، وأنا جالسٌ على كرسيٍّ بهيكلٍ حديديٍّ مغلفٍ بقماشٍ متين، وقدماي مدفونتان في الرمل الساخن. إلى جانبي زوجتي تتمدد على كرسيٍّ مماثل، تبحث هي الأخرى عن دفءٍ يعيد الحياة لجسدها؛ كنا نستمتع بجمال المتوسط في شاطئ “القصر الصغير”. قلت لزوجتي إنني زرت هذا المنتجع منذ أربعين عاماً، كانت السلطات تسمح حينذاك بنصب الخيام مباشرةً بمواجهة الساحل، وكنت أنا في بداية حياتي العملية، صحبة ثلاثة أصدقاء من مدنٍ مغربيةٍ مختلفة.
قالت زوجتي: “صورك خلال تلك الزيارة تشهد أنك كنت شقياً ومندفعاً، لم تترك مكاناً في شمال المملكة إلا زرته، حتى المدينة المحتلة لم تتخلف عن دخولها” .
ضحكتُ بامتعاضٍ ورمقتها بنظرةٍ معبرةٍ وقلت:
“تعنين سبتة! دخلتها حينئذٍ فقط بجواز السفر، صحبة صديقي صالح عزام؛ قضينا يوماً واحداً بها نتجول بين متاجرها التي تبيع السلع بأثمنةٍ مخفضةٍ، اشترينا ألواح الشوكولاتة، وعلب الجبن، وجهاز تسجيلٍ من نوع (سوني)، وأشياء أخرى “.
أشرقت في ذهني فجأةً تجليات ذلك اليوم.
دخلتُ سبتة عبر معبر الحدود الوهمية في صباح يومٍ صيفيٍّ من أيام غشت في القرن الماضي. كنت في عامي الثالث والعشرين، في أوج العنفوان، أتطلع لمباهج الحياة ومقتنعاً بأنني أملك الدنيا من ناصية الشعر إلى أخمص القدمين. تركت سيارتي القديمة بكاستيخو (باعت أمي دملجاً ذهبياً من الدق الصويري، عيار 18، وساعدتني على شرائها)، وركبت سيارة أجرة كبيرة صحبة صديقي حتى المعبر. كنت قد حصلت على جواز السفر بعد لأي. قلت لصديقي وأنا أشاهد حمّالات سلع التهريب: “إنهن مأساة متحركة، وخنجر في خصر البلد”. قاطعني صديقي بصوتٍ مستنكر: “دعك من الفلسفة يا حكيم زمانه!”. كتمتها في صدري ودخلت سبتة، وأنا ألعن إيزابيلا وفرناندو، والملك البرتغالي جون الأول، وفي الوقت نفسه أتأسف لتخاذل بني مرين ونذالة أمير غرناطة الملقب “بالزغبي” أبو عبد الله محمد الثاني عشر، وقلت في نفسي: ليت السلطان مولاي إسماعيل أطال الحصار على أبناء أبي رقعة.
نسيتُ إلى حينٍ إحباطاتي التاريخية، واندفعت صحبة صديقي نذرع شوارع
المدينة التي أنجبت القاضي عياض، والشريف الإدريسي، وأبا العباس السبتي.
زرنا بازارات الهنود واشترينا جهازي كاسيت (سوني) وساعات (كاسيو)، وزرنا أيضاً “مركادو هادو” وابتعنا كرات جبن، وبدلات (أديداس) الرياضية وأحذية
(بوما)؛ انتابنا جنون التسوق، وأنسانا الاهتمام بمعالم المدينة المحتلة، واكتفينا في آخر الأمر بجولة في ساحة إفريقيا، والتقطنا صوراً تذكارية، واختتمنا الزيارة
بتناول وجبة تتضمن أسماكاً مقلية، ومقلاة “بايلا” بفواكه البحر. وفي المساء
غادرنا المدينة محملين بالسلع والمواد الغذائية، آيبين إلى مدينة الفنيدق، ثم خيمتنا بالقصرالصغير.
أيقظتني زوجتي من سهوي، ودعتني للمشي على مشارف البحر؛ قالت إننا
نحتاج للتملي برشقات الموج، وتبليل أقدامنا، ولمَ لا جسدينا لو اقتضى الحال؟ فلا
شيء يمنعنا من إنعاش قلبينا وعقلينا، ورد الاعتبار لزمننا المتواري خلف الرتابة، والإفراط في الخضوع للمشاكل المتناسلة، والصراع الأبدي من أجل خدمة
الأسرة والأبناء. وأضافت وهي ترسم على محياها واحدةً من ابتساماتها النادرة: “إن علينا التخلص من صخرة سيزيف التي تثقل ظهرينا مؤقتاً، والاندماج في
لعبة الفرح المسروق من رحم المعاناة؛ لأن سنوات العمر المتبقية (وإن كانت
الأعمار بيد الله) تقتضي منا الانتباه لكينونتنا، وعيش اللحظة بحذافيرها، وتقاسم
وهجها مع أقرب الناس.”
أوصينا زوجين شابين، كانا يجلسان صحبة ابنتهما الصغيرة، خيراً بحوائجنا،
وقمنا نحو البحر وقد ألقينا ما تراكم على أكتافنا من سنوات. مضينا نعدّ الخطى ونستقبل نسائم البحر العليلة؛ مشينا طويلاً ونحن نستعيد ذكريات حياتنا المنصرمةولحظات ازديان فِراشنا بفلذات أكبادنا، وما عانيناه في تربيتهم حتى حققوا ذواتهم وتغلبوا على كل الصعاب والمثبطات.
توقفنا فجأةً أمام البحر؛ كانت الأمواج تتكسر عند قدمينا، وزرقة المياه تحرك في دواخلنا إحساساً جمالياً متنامياً. وهناك، على امتداد الرؤية، لاح جبل طارق في
الضفة الأخرى؛ جبلٌ يشهد أن رجلاً اسمه طارق، ومعه رهطٌ من بني جلدته
الأمازيغ، ونفرٌ من العرب الفاتحين، ربما وقفوا يوماً في نفس المكان الذي نقف
فيه الآن، وهم يستعدون للعبور نحو الضفة الأخرى، ميمّمين وجوههم صوب
الأندلس، ومتجاهلين أوامر موسى بن نصير، وَالِي إفريقية الذي ناله لاحقاً غضب سليمان بن عبد الملك؛ لأنه دخل دمشق بالغنائم والسبايا والخليفة الوليد يحتضر، غير آبهٍ برغبة سليمان الذي طالبه بالتأني في الدخول، حتى يُنسب الفتح والنصر العسكري لعهده الجديد. تباً لوضاعة الحكام وطموحاتهم الضيقة التي كلفت
الفاتحين غالياً؛ فبدلاً من تكريمهم، انتهى المطاف بطارق بن زياد منسياً في أزقة دمشق، وبموسى بن نصير معزولاً ومغضوباً عليه، لتبقى الصخرة شاهدةً أبديةً على أن الشعوب هي من تصنع التاريخ، بينما الحكام غالباً ما يفسدون ثمراته.
قالت زوجتي بلهجةٍ ساخرة:
-يبدو أن خطبة طارق العصماء (“أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم…”) لم تشفع له عند بني أمية!
قلت بصوتٍ تطبعه نبرة الشك:
-طارق الأمازيغي الطيب لا علاقة له بذلك النص المنحول والمصنوع، الذي ورد ذكره فقط في كتاب “نفح الطيب” للمقري، وهو كتابٌ أُلف في القرن الحادي عشر الهجري.
ثم تابعت قائلاً:
-محمد بن تاويت، رحمه الله، اعتبر الخطبة مجرد “إنشاءٍ أدبيٍّ متأخرٍ” صاغه
مؤرخون في العصور الإسلامية اللاحقة كنوعٍ من التلميع الدرامي للمعارك التي
خاضها جيش طارق الأمازيغي، الذي كان يدين بالولاء السياسي للعرب.
★★★★
جاء ابني طارق، وساعدنا في جمع أمتعتنا؛ قال إن الجو حارٌ اليوم، وإن علينا
شرب مزيدٍ من السوائل. كان يبدو سعيداً وهو يتوسطنا ونحن نغادر الشاطئ
متجهين إلى السيارة المركونة بالموقف. قال إننا نمثل بالنسبة له الفرحة الكبرى والتجلي الجميل، وأضاف قائلاً: “إن وجودكما معي خلال هذه الأيام هو ملحمة
وجدٍ متفجرة، ونبع غبطةٍ متناغمة، فلا شيء عندي يضاهي رضاكما إلا حبي
لكما”. .
عندما استقر بنا الحال في السيارة، وجلس طارق خلف عجلة القيادة، ابتسم في وجهينا وقال إنه يدعونا لتناول وجبة سمكٍ شهيةٍ بمطعم “الداخلة”، الذي يتمتع بسمعةٍ طيبةٍ بين المصطافين. وافقنَا دون تردد؛ أدار المحرك وضغط على دواسة البنزين، فانسابت السيارة بنا عبر الطريق الساحلي، وداعبت وجوهنا هبةُ نسيمٍ رطبة، ولّدت في أنفسنا شعوراً بالسعادة، وحوّلت الجو العام إلى لحظةٍ احتفاليةٍ ساحرةٍ تضج بالبهجة، حيث امتزجت نسمات البحر العليلة بنغمات الموسيقى الهادئة داخل السيارة ونحن في طريقنا إلى المطعم.
عندما وصلنا إلى مطعم “الداخلة” ركن طارق السيارة، ثم ولجنا إلى الداخل
واخترنا طاولةً مواجهةً للشاطئ، تطل مباشرةً على زرقة البحر؛ استقبلتنا المياه
اللازوردية بفيضٍ من الحب وغمرتنا بدفئها.
قدم لنا النادل قائمة الأطعمة، وبعد دردشةٍ قصيرةٍ فيما بيننا، طلبنا وجبة سمكٍ
مشويٍّ على الفحم، ومقلاة “بايلا”. سألتْ زوجتي طارقاً عن آخر أخبار أزمة
سبتة المحتلة، فرد قائلاً: “عاد المغرّر بهم من المغاربة إلى التُّراب الوطني بعد
أن اكتشفوا حجم المعاناة هناك، وعنصرية الإسبان، وقد رفض المغرب استعادة
الأفارقة، وعرب شمال إفريقيا وآسيا”.
قلت بنبرةٍ غاضبة:
“مع كامل الأسف، تُرِك المراهقون والشباب لعَبَثِ صفحاتٍ أجنبيةٍ ومجموعاتِ (واتساب) تنشط من بلدٍ معادٍ، وكان من الواجب تأطيرهم؛ لأننا في حربٍ
سيبرانيةٍ مع عصاباتٍ شرسةٍ للاتجار بالبشر”.
علّقت زوجتي على كلامي قائلةً: “دور الأسرة أصبح شبه منعدم، أما الجمعيات والأحزاب السياسية فعملها موسمي، ودورها في التأطير والتوعية غائبٌ تماماً”.
اكتفيتُ بالنظر إليها وحرّكتُ رأسي موافقاً؛ أحسستُ أنَّ كثرة الكلام في هذا الموضوع لا تجدي نفعاً، فهذا زمن الفعل، وكثرة اللغو في آخر الأمر مجرد لغطٍ
يكشف نقط الضعف أمام الأعداء.
الزمن بالنسبة لي مريض، والقطيع الذي انقاد للوهم تصرَّف دون تفكير، وخضع للحملات الرقمية بسرعةٍ دون التأكد من صحتها أو محتواها الحقيقي؛ وهذا هو “سلوك القطيع” كظاهرةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ يتبع فيها الأفراد أفعال أو آراء الجماعة دون تفكيرٍ عميقٍ أو تحليلٍ مستقل، وقد شبَّه غوستاف لوبون انتشار الأفكار
والمشاعر داخل الحشد بتفشي الأوبئة والميكروبات.
أيقظني صوت زوجتي من سهوي وهي تقول:
أراك مستغرقاً في التفكير، فِلمَ لا تشاركنا أفكارك؟
قلتُ بانفعال:
تذكرتُ “سلوك القطيع” لغوستاف لوبون، وتحليله القيم في كتابه “سيكولوجية
الجماهير”.
تدخَّل طارق قائلاً:
لقد كان لوبون بارعاً في تأكيده على أنَّ الفرد المنخرط في الجمهور يصبح في
حالةٍ تشبه التنويم المغناطيسي؛ لأن قواه العقلية تقع تحت تأثير المحرّض أوالقائد.
جاء النادل حاملاً طلباتنا؛ كانت رائحة السمك الطري تفوح من الأطباق، فتفتح
شهيتنا للأكل بنهم. تبادلنا عبارات الإعجاب بنكهاتها اللذيذة، وكنا نرفع أعيننا
لنمتعها بمنظر الأمواج المتكسرة على الشاطئ،فامتزجت لذة المذاق بجمال
المشهد.
استعدتُ شيئاً من سكينتي وهدوئي، وتجاوزت محنة “الوعي الشقي” ولو إلى حين؛ واخترتُ أن أدفن هواجسي وغضبي في حديثٍ ساخرٍ مع زوجتي وابني، ونحن نرتشف كؤوس الشاي الكبيرة بالنعناع على الطريقة الشمالية، بعد وجبة الأكل اللذيذة.
سألتُ طارقاً مازحاً:
-كيف تنظر لواقع الحال يا طارق الذي لم يفتح الأندلس؟ “مع الاعتذار للكاتب المرحوم مصطفى المسناوي على استعارة عنوان مجموعته”.
ضحك طارقٌ حتى بدت نواجذه، وهو ينظر إليّ وإلى والدته بمحيّاً يفيض بالامتنان، وقال:
-بل “فتحتُ الأندلس” عكس بطل المسناوي الذي يرتدي عباءة الفاتح، لكنه بدلاً
من عبور المضيق ومواجهة جيوش “العلوج”، ينزوي في ركن بيته الصفيحي
ليرتب جنوده الخياليين المصنوعين من نوى التمر وأعقاب السجائر! فتحتُها لأن لي وَالِدَيْن دفعا من صحتهما وقوتهما لأتعلم، فأتجاوز الأندلس ولا أقف حيث
وقف الغافقي، فأدخل أرض “الفرنسيس” وأنال حظي من العلم، فيمنحوني
جوازهم الأحمر ويرحبون بوجودي، ليس لسواد عيوني، بل لحاجةٍ في أنفسهم.
أفحمني جواب طارق القوي، وبدّد الكثير من مخاوفي، وذكرني بأن هناك شباباً يغزو بلاد الفرنجة بعقله وعلمه، فيعيش بينهم -رغم شقاء الاغتراب- مؤثراً، وليس عبداً بصخرة سيزيف على ظهره.
فكرت في نفسي: “شتان بين أوهام القطيع المنساق خلف التحريض الممنهج الذي تروجه شاشات الهواتف والألواح، وتطلعات الشباب المتسلح بالمهارات المعرفية التنافسية التي تجنبه الوقوع في فخ العبودية الحديثة؛ لأنَّ النظام الرأسمالي الغربي ينظر إلى الإنسان من خلال (قيمته المضافة) في السوق، فبدون العلم، والثقافة، والحرفية العالية، يُجرد هذا النظام المهاجر من إنسانيته ويحوله إلى مجرد قوة عملٍ مجردة. إنَّ سلاح المعرفة هو ما يحول المهاجر من لاجئٍ اقتصاديٍّ إلى شريكٍ معرفيٍّ”.
سرقنا الوقتُ، ولم ننتبه إلى حلول ساعة الغروب وانزلاق الشمس نحو الأفق،
تاركةً المجال لحمرة الشفق تصبغ السماء، آذنةً ببداية المساء. غادرنا المطعم في اتجاه طنجة، حيث كنا نقيم بإحدى دور الضيافة بحي “مرشان”.
★★★★
قالت سيدة “من زمن تشابك الخيوط ، وارتداد المرجعيات والمفاهيم”:
أيها الفارس القادم من زمن القمر
السديم لا يعنيك
أيها الطائر المحلق في رحابة الفرح
الحزن لا يواتيك
أيها الفارس المنبعث من رماد العدم
الحب لا تاريخ له
والانسحاب من المعركة
غير وارد
معركة الحب مستمرة..ما استمرت الحياة
ولغة الكبرياء لن تخبو..
فالزمن علمني ان الحب استمرار
تريثتُ في الرد، ثم قلت بنبرةٍ هادئة:
“بين الواقع والرومانسية خيطٌ رفيع، ونحن نحتاج دائماً لعمقٍ وجدانيٍّ وخيالٍ
جامحٍ لبلوغ ما نريد؛ فكل المشاريع الإنسانية تبدأ بفكرةٍ وتصورٍ معين، ونحتاج
للمعرفة والقدرة على وضع منهجٍ منظمٍ لتحقيق نتيجةٍ مرضية”.
كنت أجلس في شرفة الجناح الذي كنا نشغله بدار الضيافة؛ كان الجو معتدلاً،
والقمر مكتملاً يتلألأ في سماء طنجة. وكانت زوجتي مريم وطارق يجلسان في
الصالون البلدي الصغير يتابعان مستجدات أحداث سبتة المحتلة عبر القنوات
الأجنبية. كنت أعلم أنهما لن يسمعا ما يسرهما، ولكن الشيء الأكيد الذي لا يمكن أن تمر عليه هذه القنوات مرور الكرام، هو أنَّ العالم اكتشف أنَّ إسبانيا لا تزال
تستعمر مدينتين مغربيتين وثلاثاً وعشرين جزيرةً في زمن العولمة واحترام
حقوق الإنسان.
كانت لي قناعة وأنا أرتشف فنجان قهوتي، وبين أناملي تحترق سيجارة أن
هناك خللا ما يضرب في جذور وأصالة البلد.
(رغم توقفي عن التدخين منذ أربعين عاماً؛ إذ اعتذرت من زوجتي وابني
وقمت بشراء سيجارتين بالتقسيط؛ لأنَّه كان لدي إحساسٌ بالغضب، وكان لا بد لي
من وسيلةٍلتصريف تلك الشحنة من مراجل التوتر التي كانت تضطرم في
داخلي).
قالت السيدة القادمة من زمن “الوعي الشقي”: “جيل الضباع فَقَد البوصلة، وأوغل في الغوص في حمأة الاغتراب، حتى أصبح بعضه يهذي ويقول كلاماً يذم فيه
البلد أمام وسائل إعلام الفرنجة، وهو يظن أنهم سيتعاطفون معه. المثير للسخرية أنَّ إعلامهم وكل مواطنيهم عادوا لدفاتر التاريخ ينبشون في الوقائع والأحداث،
ويرددون وصايا أمهم إيزابيلا.
يبدو أنَّ جيل الضباع لم يراجع تاريخ بلاده، ونسي معركة “وادي اللبن” بمنطقة
تيسة، التي ردّت فيها جيوش السلطان السعدي أبي محمد عبد الله الغالب جيشَ
حسن باشا بن خير الدين بربروس العثماني حاكم الجزائر، الذي ظنَّ أنَّ المغرب أصبح لقمةً سائغةً بعد اغتيال محمد الشيخ السعدي. ولم يستوعب درس “وادي
المخازن” الذي تلاشت على ضفافه أوهام إمبراطورية البرتغال تحت سنابك
خيل المنصور الذهبي.
إنَّ هذا الجيل المعزول عن جذوره تناسى كيف هبّ يوسف بن تاشفين بفرسانه
لزلزلة عروش قشتالة في “الزلاقة” فأجّل سقوط الأندلس لقرون، وكيف أخرس
يعقوب المنصور الموحدي غطرسة ألفونسو الثامن في موقعة “الأرك” الخالدة
فكسر شوكة الغزاة في عقر دارهم. لم يعد هؤلاء يذكرون كيف حوّل
الموريسكيون المطرودون خراب تطوان إلى قلعةٍ للجهاد البحري ترتعد لها
فرائص الأساطيل الغربية في مضيق جبل طارق بقيادة السيدة الحرة، ولا كيف
تحولت جبال الريف الأشم إلى مقبرةٍ لغازاتهم الكيماوية وحروبهم القذرة. لقد
غاب عن أذهانهم أنَّ هذا الوطن لا يَستجدى عطفه من عواصم الفرنجة، بل
صُنِعَت هيبته بدم الشهداء الأبرار، وعزيمة الفرسان الأحرار، وصمود أمةٍ
ترفض الانحناء منذ فجر التاريخ”.
كان خطاب سيدة “الوعي الشقي” ثقيلاً على دماغي، وحرَّك داخلي شعوراً بالحماسة والرغبة في فعل شيء، بل أشياء، لنشر خطابها القوي والعميق. وداهمني فجأةً سؤالٌ طارئ: “ترى من تكون سيدة زمن الوعي الشقي التي تكاد كلماتها تشبه طلقات مدافع توقظ النائمين في العسل؟ أتراها السيدة الحرة زوجة المنظري، أم زينب النفزاوية زوجة ابن تاشفين، أم هي خناثة بنت بكار قرينة المولى إسماعيل، بل لعلها فاطمة الفهرية أو كنزة الأورابية، وربما كانت ثريا الشاوي؟”.
لا قدرة لي على الجواب، ولكنني أقول: إنها كل هؤلاء العظيمات، والعظمة لله الواحد القهار! أحسستُ بسريان وهجٍ غريبٍ في دواخلي، ورددتُ مقولة الغزالي الشهيرة: “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، وقلت لنفسي: “هو واقعٌ لا يمكننا إلا التصالح معه والرضا بمخرجاته”.
لكنني سرعان ما سمعت صوتاً تخيلته في أول الأمر نشازاً، لكنه تقوى وزادت حدّته؛ كان مجهول المصدر، وكان يقول:
“أيها الجاثمون على صدورنا، يا من اغتالوا الابتسامة على شفاهنا، وفرشوا طريقنا ألغاماً ومسامير حادة، يا من زرعوا بذور الانكسار في قلوبنا، وحنطوا آمالنا، يا لصوص الفرح، ماذا تبقى لكم ولم تجربوه فينا؟ ماذا تبقى لكم ولم تفعلوه بنا؟ نلنا منكم الظلم ألواناً، وصادفنا منكم التنكيل أشكالاً؛ كممتم الأفواه، وحكمتم على الألسنة بالخرس الأبدي.
أيها الجاثمون على صدورنا، نحن اليوم نتنفس هواء الحلحلة والانزياح، فقد كبر الجسم وضاق القميص، ولم يعد الصبر مفتاحاً للفرج؛ لأنَّ الفرج قرر السفر إلى جزرٍ بعيدةٍ بعد أن أصابه الملل وناله الوهن. لم يعد العقل قادراً على الاستيعاب أو الفهم؛ لأنَّ البلادة هي عملتكم الرائجة، والتدجين هو لغتكم الرسمية.
أيها الجاثمون على صدورنا، كفاكم صيداً في البرك الآسنة والمياه العكرة، فخيوط اللعبة انكشفت، وأطفال الأمس شبّوا عن الطوق، ورياح الانعتاق من الرّسْن هبّت على ربوعهم، ولم يعد هناك من يكبح جماح انطلاقهم يا سارقي الفرح!”.
توقف الصوت المجهول، وسمعتُ صوتاً معلوماً يناديني من صالون الإقامة؛ كان صوت مريم زوجتي تدعوني لتناول وجبة العشاء. قمتُ متثاقلاً من مكاني وصدى عاصفة الأصوات المتتالية يضغط على جهازي العصبي. قدمت لي زوجتي زليفة شوربة، ودعتني لمشاركتهماهي وطارق الفرجة في فيلمٍ أمريكيٍّ قديم للمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، صُوِّر جزءٌ منه بمدينة مراكش. وافقتُ دون تحفظ؛ لأنَّ فيلم “الرجل الذي عرف أكثر من اللازم” واحدٌ من أحسن أفلام الجاسوسية التي أخرجها هيتشكوك، وقام ببطولته جيمس ستيوارت ودوريس داي، وسبق لي مشاهدته على شاشة السينما خلال السبعينيات.
جلستُ أرتشف الشوربة الدافئة وعيناي معلقتان بالشاشة، بينما كانت نغمات أغنية دوريس داي الشهيرة في الفيلم Que Sera, Sera (ما سيكون سيكون) تملأ الصالون الصغير. ابتسمتُ في داخلي بمرارة، وأنا أنظر إلى زوجتي وابني؛ لقد تلاشت الأصوات العاصفة في الشرفة، لكن صدى عنوان الفيلم ظل يتردد في أعماقي كأنه يخصني أنا: “الرجل الذي عرف أكثر من اللازم “.
نعم، إنها محنة الوعي الشقي في زمن التردي، لكنني في هذه اللحظة بالذات، اخترتُ أن أغمض عيني عن التاريخ قليلاً، وأفتح قلبي لدفء العائلة”.
“لا جديد تحت الشمس؛ لقد فقد الناس البوصلة، وأصبح كلٌ يغني على ليلاه. غايتهم ورغبتهم في جنات عدن التي تقع خلف البحر الأبيض المتوسط، لكن الأمر كان يقتضي العبور من الأرض المحتلة؛ تلك التي استوطنها العلوج الذين طَردوا، منذ مئات السنين، آلاف الموريسكيين ليستقروا في سلا، والرباط، وتطوان، وفاس.
هم أنفسهم من ألقوا القنابل الكيماوية على أمازيغ الريف، وساندهم في ذلك الفرنسيون، فنفوا الخطابي، وحكموا عليهم بمرض السرطان الذي لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم. .
قلت لها بصوت تشوبه نبرة غضب :
“سيدتي، التاريخ يكرر نفسه، وزمن الخداع البصري والسمعي يحط رحاله في رحاب ربوعنا. مأساتنا يا سيدتي أن بيننا من هو مصاب بمتلازمة ستوكهولم”.
ردت وهي ترمقني بنظرة شزراء:
“هذا زمن الردة، والسقوط في هوى من رسم الحدود بالمسطرة على الخرائط، ففرّق بين الأهل والأحبة، وخلق هذا المسخ الذي نراه. العلوج يبقون علوجاً؛ في السابق أقاموا محاكم التفتيش، ولجؤوا إلى الحرق، والخازوق، وتحطيم العظام في حق الموريسكيين واليهود، وها هم اليوم يعيدون الكرة في حق أهل الأرض”.
قالت قولها هذا، ثم ولّت الأدبار.
صرخت منادياً عليها:
“انتظري يا سيدتي! انتظري، فكلامك درر ”
لكن صورتها تلاشت فجأة، واستحالت سراباً.
نظرتُ حولي؛ المصطافون مستلقون على الرمال الذهبية، مستمتعون بأشعة الشمس الدافئة، وأنا جالسٌ على كرسيٍّ بهيكلٍ حديديٍّ مغلفٍ بقماشٍ متين، وقدماي مدفونتان في الرمل الساخن. إلى جانبي زوجتي تتمدد على كرسيٍّ مماثل، تبحث هي الأخرى عن دفءٍ يعيد الحياة لجسدها؛ كنا نستمتع بجمال المتوسط في شاطئ “القصر الصغير”. قلت لزوجتي إنني زرت هذا المنتجع منذ أربعين عاماً، كانت السلطات تسمح حينذاك بنصب الخيام مباشرةً بمواجهة الساحل، وكنت أنا في بداية حياتي العملية، صحبة ثلاثة أصدقاء من مدنٍ مغربيةٍ مختلفة.
قالت زوجتي: “صورك خلال تلك الزيارة تشهد أنك كنت شقياً ومندفعاً، لم تترك مكاناً في شمال المملكة إلا زرته، حتى المدينة المحتلة لم تتخلف عن دخولها” .
ضحكتُ بامتعاضٍ ورمقتها بنظرةٍ معبرةٍ وقلت:
“تعنين سبتة! دخلتها حينئذٍ فقط بجواز السفر، صحبة صديقي صالح عزام؛ قضينا يوماً واحداً بها نتجول بين متاجرها التي تبيع السلع بأثمنةٍ مخفضةٍ، اشترينا ألواح الشوكولاتة، وعلب الجبن، وجهاز تسجيلٍ من نوع (سوني)، وأشياء أخرى “.
أشرقت في ذهني فجأةً تجليات ذلك اليوم.
دخلتُ سبتة عبر معبر الحدود الوهمية في صباح يومٍ صيفيٍّ من أيام غشت في القرن الماضي. كنت في عامي الثالث والعشرين، في أوج العنفوان، أتطلع لمباهج الحياة ومقتنعاً بأنني أملك الدنيا من ناصية الشعر إلى أخمص القدمين. تركت سيارتي القديمة بكاستيخو (باعت أمي دملجاً ذهبياً من الدق الصويري، عيار 18، وساعدتني على شرائها)، وركبت سيارة أجرة كبيرة صحبة صديقي حتى المعبر. كنت قد حصلت على جواز السفر بعد لأي. قلت لصديقي وأنا أشاهد حمّالات سلع التهريب: “إنهن مأساة متحركة، وخنجر في خصر البلد”. قاطعني صديقي بصوتٍ مستنكر: “دعك من الفلسفة يا حكيم زمانه!”. كتمتها في صدري ودخلت سبتة، وأنا ألعن إيزابيلا وفرناندو، والملك البرتغالي جون الأول، وفي الوقت نفسه أتأسف لتخاذل بني مرين ونذالة أمير غرناطة الملقب “بالزغبي” أبو عبد الله محمد الثاني عشر، وقلت في نفسي: ليت السلطان مولاي إسماعيل أطال الحصار على أبناء أبي رقعة.
نسيتُ إلى حينٍ إحباطاتي التاريخية، واندفعت صحبة صديقي نذرع شوارع
المدينة التي أنجبت القاضي عياض، والشريف الإدريسي، وأبا العباس السبتي.
زرنا بازارات الهنود واشترينا جهازي كاسيت (سوني) وساعات (كاسيو)، وزرنا أيضاً “مركادو هادو” وابتعنا كرات جبن، وبدلات (أديداس) الرياضية وأحذية
(بوما)؛ انتابنا جنون التسوق، وأنسانا الاهتمام بمعالم المدينة المحتلة، واكتفينا في آخر الأمر بجولة في ساحة إفريقيا، والتقطنا صوراً تذكارية، واختتمنا الزيارة
بتناول وجبة تتضمن أسماكاً مقلية، ومقلاة “بايلا” بفواكه البحر. وفي المساء
غادرنا المدينة محملين بالسلع والمواد الغذائية، آيبين إلى مدينة الفنيدق، ثم خيمتنا بالقصرالصغير.
أيقظتني زوجتي من سهوي، ودعتني للمشي على مشارف البحر؛ قالت إننا
نحتاج للتملي برشقات الموج، وتبليل أقدامنا، ولمَ لا جسدينا لو اقتضى الحال؟ فلا
شيء يمنعنا من إنعاش قلبينا وعقلينا، ورد الاعتبار لزمننا المتواري خلف الرتابة، والإفراط في الخضوع للمشاكل المتناسلة، والصراع الأبدي من أجل خدمة
الأسرة والأبناء. وأضافت وهي ترسم على محياها واحدةً من ابتساماتها النادرة: “إن علينا التخلص من صخرة سيزيف التي تثقل ظهرينا مؤقتاً، والاندماج في
لعبة الفرح المسروق من رحم المعاناة؛ لأن سنوات العمر المتبقية (وإن كانت
الأعمار بيد الله) تقتضي منا الانتباه لكينونتنا، وعيش اللحظة بحذافيرها، وتقاسم
وهجها مع أقرب الناس.”
أوصينا زوجين شابين، كانا يجلسان صحبة ابنتهما الصغيرة، خيراً بحوائجنا،
وقمنا نحو البحر وقد ألقينا ما تراكم على أكتافنا من سنوات. مضينا نعدّ الخطى ونستقبل نسائم البحر العليلة؛ مشينا طويلاً ونحن نستعيد ذكريات حياتنا المنصرمةولحظات ازديان فِراشنا بفلذات أكبادنا، وما عانيناه في تربيتهم حتى حققوا ذواتهم وتغلبوا على كل الصعاب والمثبطات.
توقفنا فجأةً أمام البحر؛ كانت الأمواج تتكسر عند قدمينا، وزرقة المياه تحرك في دواخلنا إحساساً جمالياً متنامياً. وهناك، على امتداد الرؤية، لاح جبل طارق في
الضفة الأخرى؛ جبلٌ يشهد أن رجلاً اسمه طارق، ومعه رهطٌ من بني جلدته
الأمازيغ، ونفرٌ من العرب الفاتحين، ربما وقفوا يوماً في نفس المكان الذي نقف
فيه الآن، وهم يستعدون للعبور نحو الضفة الأخرى، ميمّمين وجوههم صوب
الأندلس، ومتجاهلين أوامر موسى بن نصير، وَالِي إفريقية الذي ناله لاحقاً غضب سليمان بن عبد الملك؛ لأنه دخل دمشق بالغنائم والسبايا والخليفة الوليد يحتضر، غير آبهٍ برغبة سليمان الذي طالبه بالتأني في الدخول، حتى يُنسب الفتح والنصر العسكري لعهده الجديد. تباً لوضاعة الحكام وطموحاتهم الضيقة التي كلفت
الفاتحين غالياً؛ فبدلاً من تكريمهم، انتهى المطاف بطارق بن زياد منسياً في أزقة دمشق، وبموسى بن نصير معزولاً ومغضوباً عليه، لتبقى الصخرة شاهدةً أبديةً على أن الشعوب هي من تصنع التاريخ، بينما الحكام غالباً ما يفسدون ثمراته.
قالت زوجتي بلهجةٍ ساخرة:
-يبدو أن خطبة طارق العصماء (“أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم…”) لم تشفع له عند بني أمية!
قلت بصوتٍ تطبعه نبرة الشك:
-طارق الأمازيغي الطيب لا علاقة له بذلك النص المنحول والمصنوع، الذي ورد ذكره فقط في كتاب “نفح الطيب” للمقري، وهو كتابٌ أُلف في القرن الحادي عشر الهجري.
ثم تابعت قائلاً:
-محمد بن تاويت، رحمه الله، اعتبر الخطبة مجرد “إنشاءٍ أدبيٍّ متأخرٍ” صاغه
مؤرخون في العصور الإسلامية اللاحقة كنوعٍ من التلميع الدرامي للمعارك التي
خاضها جيش طارق الأمازيغي، الذي كان يدين بالولاء السياسي للعرب.
★★★★
جاء ابني طارق، وساعدنا في جمع أمتعتنا؛ قال إن الجو حارٌ اليوم، وإن علينا
شرب مزيدٍ من السوائل. كان يبدو سعيداً وهو يتوسطنا ونحن نغادر الشاطئ
متجهين إلى السيارة المركونة بالموقف. قال إننا نمثل بالنسبة له الفرحة الكبرى والتجلي الجميل، وأضاف قائلاً: “إن وجودكما معي خلال هذه الأيام هو ملحمة
وجدٍ متفجرة، ونبع غبطةٍ متناغمة، فلا شيء عندي يضاهي رضاكما إلا حبي
لكما”. .
عندما استقر بنا الحال في السيارة، وجلس طارق خلف عجلة القيادة، ابتسم في وجهينا وقال إنه يدعونا لتناول وجبة سمكٍ شهيةٍ بمطعم “الداخلة”، الذي يتمتع بسمعةٍ طيبةٍ بين المصطافين. وافقنَا دون تردد؛ أدار المحرك وضغط على دواسة البنزين، فانسابت السيارة بنا عبر الطريق الساحلي، وداعبت وجوهنا هبةُ نسيمٍ رطبة، ولّدت في أنفسنا شعوراً بالسعادة، وحوّلت الجو العام إلى لحظةٍ احتفاليةٍ ساحرةٍ تضج بالبهجة، حيث امتزجت نسمات البحر العليلة بنغمات الموسيقى الهادئة داخل السيارة ونحن في طريقنا إلى المطعم.
عندما وصلنا إلى مطعم “الداخلة” ركن طارق السيارة، ثم ولجنا إلى الداخل
واخترنا طاولةً مواجهةً للشاطئ، تطل مباشرةً على زرقة البحر؛ استقبلتنا المياه
اللازوردية بفيضٍ من الحب وغمرتنا بدفئها.
قدم لنا النادل قائمة الأطعمة، وبعد دردشةٍ قصيرةٍ فيما بيننا، طلبنا وجبة سمكٍ
مشويٍّ على الفحم، ومقلاة “بايلا”. سألتْ زوجتي طارقاً عن آخر أخبار أزمة
سبتة المحتلة، فرد قائلاً: “عاد المغرّر بهم من المغاربة إلى التُّراب الوطني بعد
أن اكتشفوا حجم المعاناة هناك، وعنصرية الإسبان، وقد رفض المغرب استعادة
الأفارقة، وعرب شمال إفريقيا وآسيا”.
قلت بنبرةٍ غاضبة:
“مع كامل الأسف، تُرِك المراهقون والشباب لعَبَثِ صفحاتٍ أجنبيةٍ ومجموعاتِ (واتساب) تنشط من بلدٍ معادٍ، وكان من الواجب تأطيرهم؛ لأننا في حربٍ
سيبرانيةٍ مع عصاباتٍ شرسةٍ للاتجار بالبشر”.
علّقت زوجتي على كلامي قائلةً: “دور الأسرة أصبح شبه منعدم، أما الجمعيات والأحزاب السياسية فعملها موسمي، ودورها في التأطير والتوعية غائبٌ تماماً”.
اكتفيتُ بالنظر إليها وحرّكتُ رأسي موافقاً؛ أحسستُ أنَّ كثرة الكلام في هذا الموضوع لا تجدي نفعاً، فهذا زمن الفعل، وكثرة اللغو في آخر الأمر مجرد لغطٍ
يكشف نقط الضعف أمام الأعداء.
الزمن بالنسبة لي مريض، والقطيع الذي انقاد للوهم تصرَّف دون تفكير، وخضع للحملات الرقمية بسرعةٍ دون التأكد من صحتها أو محتواها الحقيقي؛ وهذا هو “سلوك القطيع” كظاهرةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ يتبع فيها الأفراد أفعال أو آراء الجماعة دون تفكيرٍ عميقٍ أو تحليلٍ مستقل، وقد شبَّه غوستاف لوبون انتشار الأفكار
والمشاعر داخل الحشد بتفشي الأوبئة والميكروبات.
أيقظني صوت زوجتي من سهوي وهي تقول:
أراك مستغرقاً في التفكير، فِلمَ لا تشاركنا أفكارك؟
قلتُ بانفعال:
تذكرتُ “سلوك القطيع” لغوستاف لوبون، وتحليله القيم في كتابه “سيكولوجية
الجماهير”.
تدخَّل طارق قائلاً:
لقد كان لوبون بارعاً في تأكيده على أنَّ الفرد المنخرط في الجمهور يصبح في
حالةٍ تشبه التنويم المغناطيسي؛ لأن قواه العقلية تقع تحت تأثير المحرّض أوالقائد.
جاء النادل حاملاً طلباتنا؛ كانت رائحة السمك الطري تفوح من الأطباق، فتفتح
شهيتنا للأكل بنهم. تبادلنا عبارات الإعجاب بنكهاتها اللذيذة، وكنا نرفع أعيننا
لنمتعها بمنظر الأمواج المتكسرة على الشاطئ،فامتزجت لذة المذاق بجمال
المشهد.
استعدتُ شيئاً من سكينتي وهدوئي، وتجاوزت محنة “الوعي الشقي” ولو إلى حين؛ واخترتُ أن أدفن هواجسي وغضبي في حديثٍ ساخرٍ مع زوجتي وابني، ونحن نرتشف كؤوس الشاي الكبيرة بالنعناع على الطريقة الشمالية، بعد وجبة الأكل اللذيذة.
سألتُ طارقاً مازحاً:
-كيف تنظر لواقع الحال يا طارق الذي لم يفتح الأندلس؟ “مع الاعتذار للكاتب المرحوم مصطفى المسناوي على استعارة عنوان مجموعته”.
ضحك طارقٌ حتى بدت نواجذه، وهو ينظر إليّ وإلى والدته بمحيّاً يفيض بالامتنان، وقال:
-بل “فتحتُ الأندلس” عكس بطل المسناوي الذي يرتدي عباءة الفاتح، لكنه بدلاً
من عبور المضيق ومواجهة جيوش “العلوج”، ينزوي في ركن بيته الصفيحي
ليرتب جنوده الخياليين المصنوعين من نوى التمر وأعقاب السجائر! فتحتُها لأن لي وَالِدَيْن دفعا من صحتهما وقوتهما لأتعلم، فأتجاوز الأندلس ولا أقف حيث
وقف الغافقي، فأدخل أرض “الفرنسيس” وأنال حظي من العلم، فيمنحوني
جوازهم الأحمر ويرحبون بوجودي، ليس لسواد عيوني، بل لحاجةٍ في أنفسهم.
أفحمني جواب طارق القوي، وبدّد الكثير من مخاوفي، وذكرني بأن هناك شباباً يغزو بلاد الفرنجة بعقله وعلمه، فيعيش بينهم -رغم شقاء الاغتراب- مؤثراً، وليس عبداً بصخرة سيزيف على ظهره.
فكرت في نفسي: “شتان بين أوهام القطيع المنساق خلف التحريض الممنهج الذي تروجه شاشات الهواتف والألواح، وتطلعات الشباب المتسلح بالمهارات المعرفية التنافسية التي تجنبه الوقوع في فخ العبودية الحديثة؛ لأنَّ النظام الرأسمالي الغربي ينظر إلى الإنسان من خلال (قيمته المضافة) في السوق، فبدون العلم، والثقافة، والحرفية العالية، يُجرد هذا النظام المهاجر من إنسانيته ويحوله إلى مجرد قوة عملٍ مجردة. إنَّ سلاح المعرفة هو ما يحول المهاجر من لاجئٍ اقتصاديٍّ إلى شريكٍ معرفيٍّ”.
سرقنا الوقتُ، ولم ننتبه إلى حلول ساعة الغروب وانزلاق الشمس نحو الأفق،
تاركةً المجال لحمرة الشفق تصبغ السماء، آذنةً ببداية المساء. غادرنا المطعم في اتجاه طنجة، حيث كنا نقيم بإحدى دور الضيافة بحي “مرشان”.
★★★★
قالت سيدة “من زمن تشابك الخيوط ، وارتداد المرجعيات والمفاهيم”:
أيها الفارس القادم من زمن القمر
السديم لا يعنيك
أيها الطائر المحلق في رحابة الفرح
الحزن لا يواتيك
أيها الفارس المنبعث من رماد العدم
الحب لا تاريخ له
والانسحاب من المعركة
غير وارد
معركة الحب مستمرة..ما استمرت الحياة
ولغة الكبرياء لن تخبو..
فالزمن علمني ان الحب استمرار
تريثتُ في الرد، ثم قلت بنبرةٍ هادئة:
“بين الواقع والرومانسية خيطٌ رفيع، ونحن نحتاج دائماً لعمقٍ وجدانيٍّ وخيالٍ
جامحٍ لبلوغ ما نريد؛ فكل المشاريع الإنسانية تبدأ بفكرةٍ وتصورٍ معين، ونحتاج
للمعرفة والقدرة على وضع منهجٍ منظمٍ لتحقيق نتيجةٍ مرضية”.
كنت أجلس في شرفة الجناح الذي كنا نشغله بدار الضيافة؛ كان الجو معتدلاً،
والقمر مكتملاً يتلألأ في سماء طنجة. وكانت زوجتي مريم وطارق يجلسان في
الصالون البلدي الصغير يتابعان مستجدات أحداث سبتة المحتلة عبر القنوات
الأجنبية. كنت أعلم أنهما لن يسمعا ما يسرهما، ولكن الشيء الأكيد الذي لا يمكن أن تمر عليه هذه القنوات مرور الكرام، هو أنَّ العالم اكتشف أنَّ إسبانيا لا تزال
تستعمر مدينتين مغربيتين وثلاثاً وعشرين جزيرةً في زمن العولمة واحترام
حقوق الإنسان.
كانت لي قناعة وأنا أرتشف فنجان قهوتي، وبين أناملي تحترق سيجارة أن
هناك خللا ما يضرب في جذور وأصالة البلد.
(رغم توقفي عن التدخين منذ أربعين عاماً؛ إذ اعتذرت من زوجتي وابني
وقمت بشراء سيجارتين بالتقسيط؛ لأنَّه كان لدي إحساسٌ بالغضب، وكان لا بد لي
من وسيلةٍلتصريف تلك الشحنة من مراجل التوتر التي كانت تضطرم في
داخلي).
قالت السيدة القادمة من زمن “الوعي الشقي”: “جيل الضباع فَقَد البوصلة، وأوغل في الغوص في حمأة الاغتراب، حتى أصبح بعضه يهذي ويقول كلاماً يذم فيه
البلد أمام وسائل إعلام الفرنجة، وهو يظن أنهم سيتعاطفون معه. المثير للسخرية أنَّ إعلامهم وكل مواطنيهم عادوا لدفاتر التاريخ ينبشون في الوقائع والأحداث،
ويرددون وصايا أمهم إيزابيلا.
يبدو أنَّ جيل الضباع لم يراجع تاريخ بلاده، ونسي معركة “وادي اللبن” بمنطقة
تيسة، التي ردّت فيها جيوش السلطان السعدي أبي محمد عبد الله الغالب جيشَ
حسن باشا بن خير الدين بربروس العثماني حاكم الجزائر، الذي ظنَّ أنَّ المغرب أصبح لقمةً سائغةً بعد اغتيال محمد الشيخ السعدي. ولم يستوعب درس “وادي
المخازن” الذي تلاشت على ضفافه أوهام إمبراطورية البرتغال تحت سنابك
خيل المنصور الذهبي.
إنَّ هذا الجيل المعزول عن جذوره تناسى كيف هبّ يوسف بن تاشفين بفرسانه
لزلزلة عروش قشتالة في “الزلاقة” فأجّل سقوط الأندلس لقرون، وكيف أخرس
يعقوب المنصور الموحدي غطرسة ألفونسو الثامن في موقعة “الأرك” الخالدة
فكسر شوكة الغزاة في عقر دارهم. لم يعد هؤلاء يذكرون كيف حوّل
الموريسكيون المطرودون خراب تطوان إلى قلعةٍ للجهاد البحري ترتعد لها
فرائص الأساطيل الغربية في مضيق جبل طارق بقيادة السيدة الحرة، ولا كيف
تحولت جبال الريف الأشم إلى مقبرةٍ لغازاتهم الكيماوية وحروبهم القذرة. لقد
غاب عن أذهانهم أنَّ هذا الوطن لا يَستجدى عطفه من عواصم الفرنجة، بل
صُنِعَت هيبته بدم الشهداء الأبرار، وعزيمة الفرسان الأحرار، وصمود أمةٍ
ترفض الانحناء منذ فجر التاريخ”.
كان خطاب سيدة “الوعي الشقي” ثقيلاً على دماغي، وحرَّك داخلي شعوراً بالحماسة والرغبة في فعل شيء، بل أشياء، لنشر خطابها القوي والعميق. وداهمني فجأةً سؤالٌ طارئ: “ترى من تكون سيدة زمن الوعي الشقي التي تكاد كلماتها تشبه طلقات مدافع توقظ النائمين في العسل؟ أتراها السيدة الحرة زوجة المنظري، أم زينب النفزاوية زوجة ابن تاشفين، أم هي خناثة بنت بكار قرينة المولى إسماعيل، بل لعلها فاطمة الفهرية أو كنزة الأورابية، وربما كانت ثريا الشاوي؟”.
لا قدرة لي على الجواب، ولكنني أقول: إنها كل هؤلاء العظيمات، والعظمة لله الواحد القهار! أحسستُ بسريان وهجٍ غريبٍ في دواخلي، ورددتُ مقولة الغزالي الشهيرة: “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، وقلت لنفسي: “هو واقعٌ لا يمكننا إلا التصالح معه والرضا بمخرجاته”.
لكنني سرعان ما سمعت صوتاً تخيلته في أول الأمر نشازاً، لكنه تقوى وزادت حدّته؛ كان مجهول المصدر، وكان يقول:
“أيها الجاثمون على صدورنا، يا من اغتالوا الابتسامة على شفاهنا، وفرشوا طريقنا ألغاماً ومسامير حادة، يا من زرعوا بذور الانكسار في قلوبنا، وحنطوا آمالنا، يا لصوص الفرح، ماذا تبقى لكم ولم تجربوه فينا؟ ماذا تبقى لكم ولم تفعلوه بنا؟ نلنا منكم الظلم ألواناً، وصادفنا منكم التنكيل أشكالاً؛ كممتم الأفواه، وحكمتم على الألسنة بالخرس الأبدي.
أيها الجاثمون على صدورنا، نحن اليوم نتنفس هواء الحلحلة والانزياح، فقد كبر الجسم وضاق القميص، ولم يعد الصبر مفتاحاً للفرج؛ لأنَّ الفرج قرر السفر إلى جزرٍ بعيدةٍ بعد أن أصابه الملل وناله الوهن. لم يعد العقل قادراً على الاستيعاب أو الفهم؛ لأنَّ البلادة هي عملتكم الرائجة، والتدجين هو لغتكم الرسمية.
أيها الجاثمون على صدورنا، كفاكم صيداً في البرك الآسنة والمياه العكرة، فخيوط اللعبة انكشفت، وأطفال الأمس شبّوا عن الطوق، ورياح الانعتاق من الرّسْن هبّت على ربوعهم، ولم يعد هناك من يكبح جماح انطلاقهم يا سارقي الفرح!”.
توقف الصوت المجهول، وسمعتُ صوتاً معلوماً يناديني من صالون الإقامة؛ كان صوت مريم زوجتي تدعوني لتناول وجبة العشاء. قمتُ متثاقلاً من مكاني وصدى عاصفة الأصوات المتتالية يضغط على جهازي العصبي. قدمت لي زوجتي زليفة شوربة، ودعتني لمشاركتهماهي وطارق الفرجة في فيلمٍ أمريكيٍّ قديم للمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، صُوِّر جزءٌ منه بمدينة مراكش. وافقتُ دون تحفظ؛ لأنَّ فيلم “الرجل الذي عرف أكثر من اللازم” واحدٌ من أحسن أفلام الجاسوسية التي أخرجها هيتشكوك، وقام ببطولته جيمس ستيوارت ودوريس داي، وسبق لي مشاهدته على شاشة السينما خلال السبعينيات.
جلستُ أرتشف الشوربة الدافئة وعيناي معلقتان بالشاشة، بينما كانت نغمات أغنية دوريس داي الشهيرة في الفيلم Que Sera, Sera (ما سيكون سيكون) تملأ الصالون الصغير. ابتسمتُ في داخلي بمرارة، وأنا أنظر إلى زوجتي وابني؛ لقد تلاشت الأصوات العاصفة في الشرفة، لكن صدى عنوان الفيلم ظل يتردد في أعماقي كأنه يخصني أنا: “الرجل الذي عرف أكثر من اللازم “.
نعم، إنها محنة الوعي الشقي في زمن التردي، لكنني في هذه اللحظة بالذات، اخترتُ أن أغمض عيني عن التاريخ قليلاً، وأفتح قلبي لدفء العائلة”.