في تلك الغرفة العالية التي تفوح منها رائحة الورق القديم والتبغ، كانت إيناس تجلس كتمثال من العاج المتآكل. لم تعد شاعرة فحسب، بل صارت أثراً وطنياً حياً، ومزاراً لمن يقدسون الكلمة.. أو هكذا كان تظن .في بداياتها، كان محاطة بكتيبة من الأصدقاء، يتقاسمون الأرصفة والقصائد والضحكات. لكن مع كل ديوان جديد كان يحفر اسمها عميقاً في وجدان اللغة، كانت ترى ظلالهم تنسحب من حولها . الصديق الأول غادر حين نالت إيناس أحدى الجوائز الكبرى، والثاني اختفى حين تصدرت صورتها إحدى المجلات، والبقية تساقطوا كأوراق خريف جافة؛ بعضهم أحرقه الحسد، وبعضهم لم يعد يطيق سطوع شمسها التي جعلتهم مجرد كواكب باهتة تدور في فلكها.الآن، خلت الدار من الرفاق، لكنها غصت بنوع آخر من البشر.خارج الباب، كان هناك طابور صامت من رجال ونساء يرتدون نظارات سميكة ويحملون دفاتر ملاحظات تشبه السكاكين المشحوذة. لم يكونوا يطرقون الباب حباً في شعرها ، بل كانوا يطرقونه كما يطرق المنقب عن الذهب صخرة صلدة.فتح أحدهم الباب ودخل. لم يلقِ التحية كصديق، بل جاب الغرفة بعينين حادتين كعين الصقر الجارح. جلس قبالة الشاعرة الذي كانت ترتجف وهناً، وبدأ "ينهش"."سيدة إيناس ، في قصيدتك 'رماد الذاكرة'، هل كنت تقصدين نقد السلطة أم أنها مجرد إسقاطات سيكولوجية على علاقتك بوالديك ؟"كانت الأسئلة تنغرس في أعصاب إيناس المرهقة من بشاعة . لم تشعر أنهم يقرؤون روحها ، بل شعرت أنهم يمسكون بأعصابها ويمطونها كما تمط خيوط السباجيتي ، يلفونها حول شوك التحليل الباردة ويلتهمونها بشراهة. كانوا يبحثون عن "سقطة" أو "تأويل" أو "اعتراف" يبنون عليها أطروحاتهم العلمية لينالوا بها درجات الأستاذية.كانت الشاعرة بالنسبة لهم "وليمة".دخلت باحثة شابّة، كانت تنظر إلى تجاعيد وجهها وكأنها "هوامش" في كتاب. اقتربت منها وهي تسعل ، وبدلاً من أن تدس في يدها كوب ماء، درست نبرة صوتها المتهدج وسألت: "هل هذا الانكسار في الصوت هو انعكاس للهزيمة الوجودية في ديوانك الأخير؟"شعرت إيناس ببرد غريب. لم تعد ترى بشراً، بل رأت طيوراً كاسرة تحلق فوق سريرها . كانوا ينتظرون رحيلها بفارغ الصبر، ليس حزناً عليها، بل لأن موتها سيجعل "المادة الخام" مكتملة. الشاعرة الميتة لا تعترض على التفسير، ولا تصحح التأويل. الشاعرة الميتة هي الوليمة الدسمة التي لا تنتهي.في لحظة تجلٍّ أخيرة، نظرت إيناس إلى المرآة. لم تر شاعرة ، بل رأت هيكلاً عظمياً من القصائد. وأبصرت هؤلاء الباحثين وهم يشقون عظام لغتها ، يلعقون نخاع المعاني، ويستخرجون من موتها حياةً لمسيرتهم المهنية.ابتسمت بمرارة، وسحبت ورقة أخيرة، وكتبت بخط مرتعش:"كلما ازددتُ رفعةً، ازدادوا نُهمًا.. أنا لستُ أديبة، أنا مجرد طبق رئيسي ينتظر أن يجهز."أغمضت عينيها ، بينما كان صوت أقلامهم على الأوراق يشبه تماماً صوت مناقير تنهش في اللحم، بانتظار اللحظة التي يتحول فيها جسدها إلى نصّ مشاع، وروحها إلى مادة صالحة للاقتباس.