محمد مزيد - فراش ابن بطوطة...

طرَقَ البابَ طرقاتٍ سريعةً ومتتالية، أفزعتني في تلك الليلة المظلمة التي اختفى قمرها وراء غيوم كثيفة. عشت وحيدة لسنوات كأرملة في هذه المدينة الصغيرة المطلة على نهر دجلة، وجاء هذا الطرق المفاجئ ليزلزل هدوئي. نهضتُ راكضة، وفَتَحتُ الباب قليلاً بمساحة شبرٍ واحد لأسبر المجهول، ففوجئت بشاب أسمر يلهث لُهاث الخائف. دَفَعَني الشاب ودخل كالسهم، ثم أقفل الباب بالرتاج الحديدي خلفه، ورأيته يرتدي بنطالاً قصيراً يكشف ساقيه ونصف فخذيه، وينزف من فخذه الأيسر. انْحَنَى إلى وسطي، وقَبَّل يدي، ولامس رأسه الحليق فرجي وهو يتضرع بلوعة: "أرجوكِ احميني!". ثم انْزَوَى بسرعة إلى الحمام الملاصق للباب.بقيتُ جامدة في مكاني وقد أصابني الذعر، فالتفتُّ نحو الباب وفتحته ألتمس أثراً لمن يقتفي خطاه، فلم أجد أحداً، إذ أخفى سواد الليل كل شيء. ولما تأكدتُ أنه غير ملاحَق، ذَهَبتُ إلى غرفتي واستبدلتُ ثيابي الشفافة التي كنت أرتديها اتقاءً للهجير وثورات الحر، بثوب صفيق محتشم يسترني.دَنَوْتُ من باب الحمام وخاطبته بنبرة متوجسة: "من أين أتيت؟ ومن ذا الذي يطاردك؟".فأجابني بصوت يرتجف خلف الخشب: "أنا عبدٌ خرجتُ من بين طياتِ كتابِ ابنِ بطوطة، ويطاردني عسسُ الأميرِ وحرسُه، فهل عندكِ ضماد لوقف هذا النزيف؟".جَلَبْتُ له خرقة قماشية وناولتها إياه، وأنا ما زلت خائفة من المجهول الذي يضمره وجوده في بيتي. أطْفَأْتُ القناديل المضيئة في الصالة خوفاً من العسس، فَهَمَسَ بصوت دافئ: "سيدتي، لقد حل الظلام ولم أعد أرى شيئاً". أجَبْتُهُ على الفور: "اخرج من الحمام، يمكنني أن أضمد جرحك في العتمة".خَرَجَ الشاب، وتسلل خياله عبر بصيص نور خافت ينبعث من غرفة نومي، حتى جلس على الأريكة كأنه يعرف طريقها. أشْعَلْتُ شمعة صغيرة ووضعتها على الأرض تحت طاولة منخفضة، ثم هَيَّأْتُ العصابة وطلبت منه أن يمد ساقه المصابة لأسعفها، وقلت له: "احكِ لي حكايتك، لماذا هربت من المخطوطة العتيقة؟".بَدَأَ يتحدث بصوت عذب شعرت بدغدغته تسري في عروقي، ولَمَسَتْ أصابعي المرتجفة فخذه المتصلب من الركض، فمنذ زمن طويل لم تلمس يداي جسد رجل. قال الشاب: "شهدت أقواماً تنقرض بسبب الحروب والنزاعات المدمرة على المياه والمواشي والنساء. عملت خادماً في قصر أمير بلدتنا، ولم يكن هناك رجل غيري في ذلك القصر الممتلئ بالنساء والمحظيات. شممت رائحة الدم تفوح من الغرف العديدة التي ينام فيها الأمير، واكتشفت ذات يوم أنه يقتل كل حسناء يدخل بها في الصباح التالي لقضاء ليلته معها. أما رجال البلدة، فقد فنت أجسادهم في الحروب التي كان يشعلها مع الجيران بزعم حماية العقول من رياح الأديان الجديدة.عشنا في ظلام دامس لا ينتهي بفجر النهار، بل يبدأ بظلمة القصر؛ فالأمير يبغض الضوء، وكانت الستائر تحجب الشمس تماماً، ولا نتنفس الصعداء إلا عند الغروب. حول الأمير الزمن كله إلى سواد، يغزو في الليل، وينام في الليل، ويضاجع النساء في الليل".تَوَقَّفَ الشاب عن الكلام بعد أن أحكمت ربط الضماد على فخذه، وكنت أصغي بذهول إلى نبرات صوته الساحر الذي هز كياني، فسألته: "ما سبب جرحك هذا؟".ابْتَسَمَ الشاب، وسحرتني ابتسامته التي بدت كحقل من اللؤلؤ يشع في عتمة بيتي، وأردف: "عشنا داخل القصر محكومين بالصمت، فمساحة الكلام ضيقة جداً، وكنا نتعامل بالإشارة والهمس واللمس. كنت الرجل الوحيد وسط حشد هائل من النساء، فتحول حديثنا إلى اختصارات شديدة بحركات الأصابع، وانحدرت نفوسنا نحو التعاسة والعدمية. تجول الأمير في القصر مصلتاً سيفه وتحيط به كلابه الوحشية، لأنه كان يخشى المعارضين بعد أن ذبح نصفهم وطرد الباقين إلى الحدود. كتمنا أنفاسنا في حضوره، فقد كان مستعداً لبقر جسد أية امرأة تنحني أمامه إذا تحول مزاجه فجأة من الأصفر إلى السواد.وفي أعماق الليل، كنا نستمع إلى صوت فحيحه وهو يعذب إحدى الحسناوات، حتى استيقظنا ذات صباح على صراخه المرعب: (هربت مني العاهرة، اجلبوها!). هز صراخه الجدران وأصابنا الهلع، فقد نجحت واحدة من النساء في مراوغته طوال الليل بالحديث والضحك حتى غلبه النوم وهربت. طلب مني الأمير بالذات ملاحقتها لأنني الرجل الوحيد، فخرجت خلفها بزعم القبض عليها، لكنني استغللت الفرصة وهرِبت خارجاً من مخطوطة ابن بطوطة. لحق بي الحرس وأصاب فخذي سهم، فقطعت الفيافي والوديان والجبال حتى وصلت إليك".ضَحِكْتُ في تلك اللحظة ضحكة عالية وقلت له: "يا فتى، وأنا أيضاً خرجت من مخطوطة ابن بطوطة؛ أنا المرأة التي راوغت الأمير وهربت من القصر في تلك الليلة، وعرفتك فورا ما إن رأيتك".بَقِينَا ساعة كاملة في صمت نتبادل نظرات عميقة تختصر السنين، حتى أفزعنا صوت طرقات شديدة وعنيفة على الباب الخارجي، وعرفنا أن حرس الأمير وصلوا إلى البيت. أمْسَكْتُ بالرجل الوحيد في هذا العالم، ودخلنا إلى غرفتي، فالتحمنا جسدياً في طيات فراش المخطوطة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى