د. عاطف سلامة - بول من أجل الحياة...

— بكم العينة؟
رفعت أمينة رأسها.
— مائة وخمسة وسبعون.
— كثير.
— هي التي قالت.
— وماذا قالت؟
— قالت إن الثلاثمائة والخمسين لا تأتي إلا بالحمل.
نظرت أمينة إلى المرأة أمامها، ثم إلى الزجاجة الصغيرة في يدها.
— وأنتِ؟
— أنا حامل.
— كم شهر؟
— خمسة.
— الله يتمم عليكِ.
ابتسمت المرأة.
— ويتمم علينا جميعًا.
لم يكن أحد في المخيم يتحدث عن الحمل.
كانوا يتحدثون عن الثلاثمائة والخمسين شيكلًا.
ذلك المبلغ الذي أعلنت عنه منظمة الأغذية العالمية للنساء الحوامل.
ثلاثمائة وخمسون شيكلًا. مبلغ يكفي لشراء كيس طحين. أو بعض الأدوية. أو حفنة من الحطب. أو قليل من الطعام للأطفال.
وفي غزة، حين يصبح الجوع هو صاحب القرار، لا يعود السؤال: «ماذا نملك؟» بل: «ماذا بقي لدينا لنبيعه؟»
في البداية كانت النساء الحوامل يعطين عيناتهن لقريباتهن. ثم للجارات. ثم للغريبات.
قالت امرأة: نصف المبلغ لي، ونصفه لها.
قالت أخرى: ولماذا لا تأخذ الحامل أكثر؟
أجابتها: لأنها تبيع البول، لا الحمل.
ضحكن.
لكن الضحك لم يدم. بعد أيام أصبحت هناك أسعار. عينة الشهر الثالث بسعر. والرابع بسعر. والخامس أغلى. وصارت النساء يتواعدن عند أطراف المخيم: -- معي عينة.
— وأنا معي المال.
— متى الفحص؟
— الآن.
كانت تجارة غريبة. لكنها كانت التجارة الوحيدة التي لم تحتج إلى رأس مال.
كانت فدوى واحدة من النساء اللواتي يشترين العينات. لم تكن عاقرًا فقط، بل كانت فقيرة. زوجها بلا عمل. أمها وام زوجها تحتاجان الى الاكل، وابيها يسعل منذ أسبوع.
وفي الصباح، لم يكن في الخيمة شيء يؤكل.
قال لها زوجها: دبرّي لنا شيئًا.
قالت: من أين؟
— لا أعرف.
— وأنا أيضًا لا أعرف.
ثم أضافت: لكنني سأجد. وخرجت.
وبعد ساعتين عادت ومعها ورقة.
قال زوجها: ما هذه؟
قالت: أنا حامل.
حدق فيها.
ثم ابتسم.
— أخيرًا!
نظرت إليه ولم تستطع الكلام. كانت قد دفعت مائة وخمسة وسبعين شيكلًا مقابل بول امرأة أخرى. والآن، إذا حصلت على الثلاثمائة والخمسين، ستطعم الجوعى.
لكن فدوى كانت تعرف أن الورقة أخطر من الطعام.
فهي منذ ست سنوات تسمع: «متى ستخلفين؟» «ما في شيء؟» «يمكن المشكلة منك.» «زوجك لازم يتزوج.» وكانت كل مرة تبتلع الكلمات.
هذه المرة، حين رأى زوجها الورقة، احتضنها.
قال: الله عوّضنا.
أغمضت عينيها. لم يكن في بطنها طفل. لكن كان في الخيمة ثلاثة ينتظرون الطعام.
في اليوم التالي قالت لها أمينة: لا تفعليها.
— ماذا؟
— لا تخبري أهلك.
— لماذا؟
— سيصدقون.
— وماذا تريدينني أن أفعل؟ أقول لهم إننا جائعون؟
سكتت أمينة.
ثم قالت: أنا أيضًا فعلتها. وأخذتِ المال؟
— نعم.
— وماذا اشتريتِ؟
— دواء لأبي.
ثم ابتسمت: الحرب جعلتنا نبيع أشياء لم نكن نعرف أنها تُباع.
بعد أسبوع، صار الأمر معروفًا. نساء يشترين. نساء يبعن. ومعامل تفحص. وأوراق تثبت أن امرأة تحمل طفلًا لم تحمله.
كان الناس يضحكون على الحكاية. لكن النساء لم يضحكن. كنّ يحسبنها بالشيكل: مائة للدواء. خمسون للخبز. سبعون للحليب. والباقي ليوم آخر.
وفي مساء ثقيل، عاد زوج فدوى من الخارج. كان وجهه مضطربًا.
— أين كنتِ؟
-- عند الجارة.
— الطبيب اتصل.
ارتجفت.
— لماذا؟
— قال إن هناك مشكلة في التحليل.
لم تجب.
— سألني عن اسم الطبيب.
صمتت.
— سألني عن موعد الولادة.
وضعت يديها على وجهها.
— فدوى... أنتِ لستِ حاملًا، أليس كذلك؟
لم تجب.
اقترب منها.
— أين الطفل؟
رفعت رأسها.
وقالت: الطفل؟
ثم أشارت إلى الأواني الفارغة.
— هنا.
وأشارَت إلى علبة الدواء.
— وهنا.
ثم إلى كيس الطحين الصغير.
— وهنا.
وسكتت.
قال: لكنني كنت أظن...
قاطعته: وأنا كنت أظن أن الجوع سيموت قبلنا.
***
في تلك الليلة، جاء دور أمينة.
كانت جالسة في الخيمة حين دخلت امرأة شابة تبكي. قالت: أريد عينة.
— لماذا؟
— ابني يحتضر.
— وكم معك؟
— مائة شيكل.
قالت أمينة: العينة بمائة وخمسة وسبعين.
أخرجت المرأة كيسًا صغيرًا. كان بداخله خاتم زواج.
قالت: هذا يساوي أكثر.
نظرت أمينة إلى الخاتم.
ثم إلى المرأة.
ثم أعطتها الزجاجة.
— خذي.
— بلا مقابل؟
— خذي.
قالت المرأة: لماذا؟
أجابت أمينة: لأنني بعتُ اليوم شيئًا أغلى منكِ.
— ماذا؟
نظرت إلى بطنها.
— كذبة.
***
في الصباح، كانت فدوى في مركز الفحص. وقفت في الطابور. النساء حولها يحملن أوراقهن. إحداهن تضحك وأخرى تبكي. وثالثة تسأل: متى ينزل المبلغ؟
دخلت فدوى. وضعت الورقة على الطاولة. نظر الموظف إليها طويلًا.
ثم قال: النتيجة غير صحيحة.
تجمدت.
— ماذا؟
— التحليل يؤكد أنك غير حامل.
خرجت.
جلست على الأرض. لم تبكِ.
كانت تفكر فقط: كيف ستعود إلى الجوعى بلا الثلاثمائة والخمسين؟
ثم جاءها صوت من آخر الطابور ، فدوى!
التفتت.
كانت أمينة تركض نحوها.
— ماذا حدث؟
لم تجب.
قالت أمينة: عندي خبر.
— ماذا؟
وضعت يدها على بطنها.
— أنا... حامل فعلًا.
نظرت فدوى إليها. مبروك.
لكن أمينة لم تبتسم.
قالت: الطبيب قال إن الحمل لا يمكن أن يستمر.
سكتتا. ثم نظرتا إلى بعضهما.
امرأة لا تستطيع أن تحمل، دفعت المال لتصبح حاملًا في ورقة.
وامرأة حملت فعلًا، كانت مستعدة أن تدفع نصف المنحة كي تبيع بولها وتطعم أطفالها.
وفي الخارج، كان الطابور يكبر. وكانت النساء ينتظرن الثلاثمائة والخمسين. فقط ثلاثمائة وخمسون شيكلًا.
لكن خلف كل ورقة...
كانت هناك امرأة تبيع شيئًا من حياتها كي تشتري يومًا آخر.
تمت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى