شريف محيي الدين إبراهيم - أنت أيضا ميت

أخائفٌ أنت من الموت؟! إلى هذا الحدّ أنت خائف؟ تخاف من ماذا بالضبط؟ من أن ينتهي كل شيء؟ ومن قال لك إن شيئًا سينتهي؟ ومن قال لك إنك ستموت أصلًا؟ ربما أنت ميتٌ منذ زمن... تبدو حيًّا... تتنفس... تتحرك... تتكلم... لكن من قال لك أن الميت ليس قادرًا على كل ذلك؟ هو فقط لا يعرف أنه ميت!!

ربما أنت الآن في جهنم! جهنم صنعتها أنت بيديك، وأنت لا تدري.

من قال إن الجنة والنار كما تخيلتهما؟ من قال إن الجنة نور من نار، وأن جهنم نارٌ من لهب؟

ربما كانت الجنة بيتًا عشت فيه طويلًا، ثم خرجت منه، ولم تعرف أنه كان جنتك. وربما كانت النار حياةً كاملة، تحب فيها كثيرين.

تضحك معهم، تتشاجر، تسامح، تؤجل كلمة، تؤجل قبلة، تؤجل اعتذارًا، ثم تراهم يتساقطون من حولك، واحدًا بعد آخر، حتى تستيقظ ذات صباح فتكتشف أنك وحدك.

وربما...

كانت النار أن تتذكر كل شيء، لا أن تتذكر ما حدث فقط...

بل أن تتذكر ما كان يمكن أن يحدث.

كل وجه مرّ بك.

كل يد امتدت إليك ولم تمسكها.

كل باب طرقته ثم عدت قبل أن يُفتح.

كل كلمة قلتها ثم نسيتها، وبقيت في قلب إنسان آخر سنوات طويلة.

كل شخص ظننته عابرًا... ولم تكن أنت عابرًا في حياته.

فماذا لو لم يكن الحساب إلا لحظةً واحدة؟

لحظة تنفتح فيها الذاكرة كلها دفعةً واحدة، بلا ستار، بلا نسيان، بلا أعذار.

فتراها كلها.

وترى نفسك كما لم ترها من قبل.

تعرف من كنت، وما كان يمكن أن تكون، ومن جعلك شخصًا آخر.

ومن أفسدته دون أن تقصد.

وما الذي ضاع منك.

وما الذي أضعته بيدك، وعندها تفهم...

أن خوفك لم يكن من الموت.

خوفك كان من المعرفة.

من أن تعرف نفسك في اللحظة التي لا تستطيع فيها أن تكذب عليها.

لا تستطيع أن تقول: لم أكن أعرف.

ولا: لم أقصد.

ولا: نسيت.

لأنك ستتذكر.

كل شيء.

وربما لم تكن هذه الحياة إلا فرصةً.

فرصةً لا تعرف أنها الأخيرة إلا عندما تنتهي.

فماذا لو كان الذين قالوا لك إن القبر نهاية، هم الذين لم يفهموا؟

ماذا لو كان القبر بابًا؟

وماذا لو كنت طوال عمرك واقفًا أمامه...

ولكن من الجهة الأخرى؟

لعلك حتى الآن لا تدري.

لكن من قال إنك ستدخل؟

ربما تظل واقفًا هناك؛ لا حيًّا ولا ميتًا، لا في جنة ولا في نار.

فقط أمام بابٍ لا تعرف إلى أين يؤدي.

وفجأة...

تسمع صوتًا يشبه صوتك:

ـ ماذا تنتظر؟

ـ الحكم.

ـ الحكم صدر منذ زمن.

ـ إذن ماذا أنتظر؟

ـ أن تفهم.

وفجأة...

يتلاشى الصوت.

وتبدأ الأشياء من حولك في التبدل.

شارع طفولتك.

البيت القديم.

رائحة البحر.

ضحكة بعيدة لحبيبتك الأولى.

شمس تغيب ببطء.

أشياء كثيرة ظننت أنك فقدتها.

لكنها كانت تنتظرك.

ثم ترى الوجوه.

أبوك.

أمك.

صديق طفولتك القديم الذي مات في حادث مروع.

حتى الرجل الغريب الذي سألك ذات يوم عن الطريق، فنظرت إليه ولم تنبس بكلمة.

فتسأل:

ـ أهذه جهنم؟

يأتيك الصوت:

ـ ذاكرتك.

ـ والجنة؟

ـ ذاكرتك أيضًا.

لكن...

ماذا لو كان الإنسان يُعاقَب أحيانًا على الخير الذي مرّ أمامه ولم يره؟

وماذا لو كان الشر أحيانًا هو الشيء الذي لم نفعله؟

وماذا لو لم يكن النعيم شيئًا جديدًا؟

ماذا لو كان شيئًا قديمًا يعود إليك، بعد أن تتعلم أخيرًا كيف تراه؟

تسأل:

ـ وأين أنا؟

يأتيك الصوت من بعيد:

ـ في المكان الذي اخترته.

ـ متى اخترته؟

ـ كل يوم.

ـ وهل أستطيع أن أغيّره؟

ـ كنت تستطيع.

وفجأة...

يصمت كل شيء.

تفتح عينيك.

الغرفة.

الليل.

تتنفس.

تضع يدك على صدرك.

تلتفت إلى الساعة.

عقاربها لا تتحرك.

تحدّق فيها طويلًا.

ثم تقول لنفسك:

ـ أنا مستيقظ.

فيأتيك السؤال:

ـ متأكد؟

على المكتب صورة.

تلتقطها.

رجل تعرفه.

أنت متأكد أنك تعرفه.

لكن... متى التقيته؟

تدقق في وجهه.

خطوط الوجه.

العينان.

الفم.

ثم تتجمد.

إنه أنت.

لكن بعد خمسين عامًا.

تسقط الصورة من يدك.

ترفع عينيك إلى زجاج النافذة.

ترى انعكاسك.

تحدّق فيه.

هو يحدّق فيك.

تتحرك...

فلا يتحرك.

تقترب من الزجاج.

ترفع يدك.

يبقى ساكنًا.

وتفهم...

أن الذي أمامك ليس انعكاسك.

بل الرجل الذي رأيته في الصورة.

الرجل الميت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى