منذ الصباح كانت أم زياد تردد: "اليوم عيد ميلاد أبيكم."
كان زياد الابن الأكبر يهز رأسه كلما سمعها.
وأي عيد ميلاد هذا في مثل هذه المجاعة يا أمي؟ الناس تبحث عن لقمة، والقصف والموت في كل مكان، والطائرات لا تغادر السماء.
أجابت بهدوء: "لهذا السبب بالذات يجب أن نتذكره."
لم يقتنع.
أما مريم الصغيرة فكانت تسأل السؤال نفسه كل ساعة: "هل سنصنع كيكة؟"
فيبتسم الجميع بحزن.
أي كيكة؟
لا سكر.
لا بيض.
لا حليب.
ولا شيء تقريبًا يصلح لصناعة كيكة.
لكن أم زياد لم تستسلم.
قضت النهار تجمع ما تيسر من بقايا الأشياء؛ حفنة دقيق، وملعقتين من السكر، وقليلًا من زبدة الفستق حصلت عليها بعد بحث طويل من جارتها في خيمة قريبة.
وعندما وضعتها أمامها مساءً قال زياد: "هذه لا تكفي لصناعة كيكة."
رفعت رأسها نحوه: "بل تكفي لصناعة ذكرى."
مع حلول الليل اشتعلت نار صغيرة بين الحجارة.
كانت أم زياد تعجن ببطء بينما كانت الانفجارات تتردد في الأفق.
كلما اهتزت الأرض سكتت لحظة. ثم تتابع.
كأنها تتحدى شيئًا لا يُرى.
وحين خرجت الكيكة أخيرًا، كانت صغيرة إلى حد مضحك. لكن أحدًا لم يضحك.
كان الجميع ينظر إليها كما لو أنها انتصار شخصي.
دخل أبو زياد الخيمة متعبًا.
فوجد أبناءه ملتفين حول شيء صغير يضيء في العتمة.
شمعة.
شمعة واحدة فقط.
توقف مكانه.
لم يفهم.
ثم سمعهم يبدؤون بالغناء بصوت خافت: "سنة حلوة يا جميل... سنة حلوة يا جميل...'
ارتجف وجهه.
منذ شهور طويلة لم يسمع غناءً.
فقط طائرات.
وصفارات.
وأخبار موت.
أما الغناء فبدا له كصوت قادم من زمن آخر.
جلس بصمت.
وكانت عيناه معلقتين باللهب الصغير.
في منتصف الأغنية رن هاتف زياد.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
ماذا هناك؟ سألت أمه.
ظل صامتًا ثواني.
ثم قال: "أمر إخلاء جديد... المنطقة كلها."
انطفأت الكلمات في الخيمة.
وتوقفت الأغنية.
حتى الشمعة بدت كأنها ترتجف.
نظر الجميع إلى بعضهم.
الحقائب غير جاهزة.
والليل في الخارج ثقيل.
والطائرات أقرب من أي وقت مضى.
قال زياد بسرعة: "يجب أن نغادر الآن."
لكن مريم أمسكت بطرف ثوب أمها.
وقالت بصوت يكاد لا يُسمع: "بعد أن ينفخ أبي الشمعة..."
ساد صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم نظر أبو زياد إلى الوجوه حوله.
إلى زوجته التي صنعت كيكة من لا شيء.
وإلى ابنته التي تدافع عن دقيقة فرح كما لو كانت تدافع عن وطن كامل.
فابتسم.
وانحنى نحو الشمعة.
وأطفأها.
تعالت ضحكة صغيرة من مريم.
ثم بدأت تقطع الكيكة بسرعة وكأنها تخشى أن تسبقهم الحرب إليها.
اقتسموها واقفين.
على عجل.
بينما كانوا يجهزون ما تبقى لهم من حياة داخل أكياس مهترئة.
وفي الخارج كان القصف يقترب.
أما داخل الخيمة، فقد انتصر عيد الميلاد لدقيقة واحدة فقط.
لكن تلك الدقيقة كانت كافية كي يتذكروا أنهم ما زالوا بشرًا.
تمت..
www.facebook.com
كان زياد الابن الأكبر يهز رأسه كلما سمعها.
وأي عيد ميلاد هذا في مثل هذه المجاعة يا أمي؟ الناس تبحث عن لقمة، والقصف والموت في كل مكان، والطائرات لا تغادر السماء.
أجابت بهدوء: "لهذا السبب بالذات يجب أن نتذكره."
لم يقتنع.
أما مريم الصغيرة فكانت تسأل السؤال نفسه كل ساعة: "هل سنصنع كيكة؟"
فيبتسم الجميع بحزن.
أي كيكة؟
لا سكر.
لا بيض.
لا حليب.
ولا شيء تقريبًا يصلح لصناعة كيكة.
لكن أم زياد لم تستسلم.
قضت النهار تجمع ما تيسر من بقايا الأشياء؛ حفنة دقيق، وملعقتين من السكر، وقليلًا من زبدة الفستق حصلت عليها بعد بحث طويل من جارتها في خيمة قريبة.
وعندما وضعتها أمامها مساءً قال زياد: "هذه لا تكفي لصناعة كيكة."
رفعت رأسها نحوه: "بل تكفي لصناعة ذكرى."
مع حلول الليل اشتعلت نار صغيرة بين الحجارة.
كانت أم زياد تعجن ببطء بينما كانت الانفجارات تتردد في الأفق.
كلما اهتزت الأرض سكتت لحظة. ثم تتابع.
كأنها تتحدى شيئًا لا يُرى.
وحين خرجت الكيكة أخيرًا، كانت صغيرة إلى حد مضحك. لكن أحدًا لم يضحك.
كان الجميع ينظر إليها كما لو أنها انتصار شخصي.
دخل أبو زياد الخيمة متعبًا.
فوجد أبناءه ملتفين حول شيء صغير يضيء في العتمة.
شمعة.
شمعة واحدة فقط.
توقف مكانه.
لم يفهم.
ثم سمعهم يبدؤون بالغناء بصوت خافت: "سنة حلوة يا جميل... سنة حلوة يا جميل...'
ارتجف وجهه.
منذ شهور طويلة لم يسمع غناءً.
فقط طائرات.
وصفارات.
وأخبار موت.
أما الغناء فبدا له كصوت قادم من زمن آخر.
جلس بصمت.
وكانت عيناه معلقتين باللهب الصغير.
في منتصف الأغنية رن هاتف زياد.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
ماذا هناك؟ سألت أمه.
ظل صامتًا ثواني.
ثم قال: "أمر إخلاء جديد... المنطقة كلها."
انطفأت الكلمات في الخيمة.
وتوقفت الأغنية.
حتى الشمعة بدت كأنها ترتجف.
نظر الجميع إلى بعضهم.
الحقائب غير جاهزة.
والليل في الخارج ثقيل.
والطائرات أقرب من أي وقت مضى.
قال زياد بسرعة: "يجب أن نغادر الآن."
لكن مريم أمسكت بطرف ثوب أمها.
وقالت بصوت يكاد لا يُسمع: "بعد أن ينفخ أبي الشمعة..."
ساد صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم نظر أبو زياد إلى الوجوه حوله.
إلى زوجته التي صنعت كيكة من لا شيء.
وإلى ابنته التي تدافع عن دقيقة فرح كما لو كانت تدافع عن وطن كامل.
فابتسم.
وانحنى نحو الشمعة.
وأطفأها.
تعالت ضحكة صغيرة من مريم.
ثم بدأت تقطع الكيكة بسرعة وكأنها تخشى أن تسبقهم الحرب إليها.
اقتسموها واقفين.
على عجل.
بينما كانوا يجهزون ما تبقى لهم من حياة داخل أكياس مهترئة.
وفي الخارج كان القصف يقترب.
أما داخل الخيمة، فقد انتصر عيد الميلاد لدقيقة واحدة فقط.
لكن تلك الدقيقة كانت كافية كي يتذكروا أنهم ما زالوا بشرًا.
تمت..
Atef Salama
Atef Salama is on Facebook. Join Facebook to connect with Atef Salama and others you may know. Facebook gives people the power to share and makes the world more open and connected.