د. عاطف سلامة - الورقة الأخيرة...

في فجر ذلك اليوم، استيقظت ندى قبل أمها.
جلست على طرف الفراش تراجع صفحات كتاب الأحياء للمرة الأخيرة.
كانت شفتاها تتحركان بصمت.
خلية... نسيج... جهاز...
ثم توقفت فجأة. أغلقت الكتاب.وقالت لنفسها:
"يكفي."
لكنها فتحته من جديد..كانت تخاف أن تنسى.
في غزة، حتى الأحلام تحتاج إلى مراجعة أخيرة.
استيقظت أمها على صوت تقليب الصفحات.
رفعت رأسها وقالت: "ما زلتِ تدرسين؟"
ابتسمت ندى.. بقيت ساعات قليلة فقط. ونمتِ كم ساعة؟ ساعتين.
هزت الأم رأسها..لو كان النجاح يُقاس بعدد الساعات التي تسهرينها لأصبحتِ وزيرة تعليم.
ضحكت ندى.. ثم نهضت.. قبلت يد أمها.وقالت: "عندما أعود سأخبرك كيف كان الامتحان."
أجابت الأم: "وعندما تعودين سأصنع لك الشاي الذي تحبينه."
كان الطريق إلى المدرسة مزدحمًا بالطلبة.
بعضهم يراجع.. وبعضهم يدعي أنه لا يراجع.. وبعضهم يراجع وهو يدعي أنه لا يراجع.
ضحكت صديقتها لمى وسألتها: "ماذا ستفعلين بعد الامتحان؟
قالت ندى فورًا: "أنام يومًا كاملًا.. فقط؟ وفيما بعد، أدخل الجامعة.
وماذا بعد الجامعة؟
تألقت عيناها.. أصبح طبيبة.
قالت لمى: "كلما سألناك عن المستقبل أضفتِ سنة جديدة إلى الخطة.
ردت ندى: "لأنني أنوي أن أعيش طويلًا.
انتهى الامتحان.. خرجت الطالبات من القاعة كأنهن خرجن من معركة حقيقية.
أحداهن تحتفل.
أخرى تندب حظها.
وثالثة تقسم أن المراقب كان ينظر إليها بطريقة مشبوهة.
أما ندى فكانت سعيدة.. سعيدة فقط.
منذ أشهر طويلة لم تشعر بهذا القدر من الخفة.
أخرجت هاتفها..كتبت رسالة إلى أمها:
"انتهيت. الامتحان كان جيدًا."
ثم أضافت وجهًا ضاحكًا.. وضغطت إرسال.
في اللحظة نفسها تقريبًا... كانت أمها تضع الماء على النار.
رن الهاتف.. فتحت الرسالة..ابتسمت.
وقالت بصوت مرتفع وكأن ابنتها تسمعها: "كنت أعرف أنك ستنجحين."
ثم بدأت تبحث في الخزانة عن علبة الشاي.
في الشارع، كانت ندى تعبر مع عشرات الطالبات.
حقائب على الأكتاف.
أحاديث عن الأسئلة.
وضحكات صغيرة ولدت رغم الحرب.
ثم...
شق صوت حاد السماء..توقفت الكلمات في الأفواه.
توقفت الخطوات..رفع الجميع رؤوسهم..ولم يكن هناك وقت لشيء آخر.
ومضة..انفجار.. نار.. وغبار..
وصمت.
بعد ساعة كانت أم ندى تركض بين المستشفى والشارع.
لا تزال الرسالة الأخيرة على شاشة هاتفها.
"انتهيت. الامتحان كان جيدًا."
كانت تقرؤها كل دقيقة..كأنها تحاول أن تعيد ابنتها من الكلمات.
حتى اقترب منها مسعف..نظر إلى الهاتف..ثم إلى وجهها..وسأل بهدوء: "أنتِ أم ندى؟"
سقط قلبها قبل أن تسمع الإجابة.
في المساء، عادت ندى إلى البيت.
لكن ليس كما وعدت.. لم تدخل من الباب وهي تروي تفاصيل الامتحان..ولم تشرب الشاي الذي أحبته.. ولم تحكِ لأمها عن السؤال الصعب الذي أقلق الطلبة.
عادت محمولة على الأكتاف.
بين الدموع والتكبيرات.
وحقيبتها المدرسية ما تزال مغطاة بغبار الطريق.
في تلك الليلة، فتحت أمها الحقيبة.. وجدت الأقلام.. والبطاقة المدرسية.. وورقة مطوية بعناية.
فتحتها.
كان في أعلاها عنوان صغير: "ماذا أريد أن أصبح؟"
قرأت السطر الأول..ثم الثاني.. ثم الثالث.
ولم تستطع أن تكمل.
كانت ندى تكتب عن المستقبل..عن الجامعة.
وعن المستشفى الذي تحلم بالعمل فيه..وعن الأطفال الذين ستعالجهم يومًا.
أغلقت الأم الورقة..وضمتها إلى صدرها..وقالت بصوت مكسور: "لقد قتلوها قبل أن تكبر... لكنهم لم يقتلوا ما كانت تحلم به.
في اليوم التالي، بقي مقعد ندى فارغًا.
أما رسالتها الأخيرة فبقيت على هاتف أمها كما هي: "انتهيت. الامتحان كان جيدًا."
جملة قصيرة جدًا.
لكنها كانت تكفي لتلخص حكاية جيل كامل.
جيل يذهب إلى الامتحان حاملًا كتبه لا سلاحه.
ويحلم بالجامعة لا بالحرب.. ويصر على صناعة مستقبله رغم كل شيء.. لأن الاحتلال يستطيع أن يهدم مدرسة.. وأن يدمر شارعًا..وأن يقتل طالبًا.
لكنه يعجز دائمًا عن قتل الفكرة التي خرج من أجلها ذلك الطالب: أن الحياة تستحق أن تُعاش...
وأن العلم أقوى من الخوف.
تمت..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى