القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

لم أتخيل أني سأغوص في عمق ايام بحرِ المتلاطم، ولم أتصور نفسي ممسكا بطود نجاة مثقوب، ليس لأني لا أجيد التلاعب فيما بين يدي من حيل لكن لأني ومنذ الصغر كنت أعيش التسكع والطرقات الموحشة أبواب رزق، لم أستند يوما الى جدار لأشكو وحدتي وخوفي او اكتب عليه مفردات لعن او شتيمة، لكني بالتأكيد خربشت عليه...
ليلة ماطرة، كنت مرهقا نفسيا، خلتني سأغرق في شبر من دموع السماء التي شاركتني سوء طالعي... خرجت محتذيا وساوس الشيطان الذي ختل بين جنبات صدري يوسوس لي قائلا: إنها الخطيئة الكبرى لقد باعتك في سوق نخاسة الرجال، ابدلتك برجل عرفته مسبقا إنه يا صديقي كيد النساء... الصدمة التي احاطت بي جمدت جميع حواسِ...
محبط أمرك!! فما عدت الذي أعرف، أظنك تعيش الوهم مرايا مزدوجة، ما ظننت يوما أنك ستحوم حول مقبرة الأيام تلك التي إزدانت ضياعها بشواهد وجوه غير معلومة الملامح، صرت خازنا لها فمذ عرفتك أراك تتهندم أمام مرآتك ذات الشروخ، أعلم جيدا أنك لا تريد رؤية وجهك أو هيئتك كما تحبها لأنك قد أُشبعت لعقا من ألسنة...
الظلمة التي وضع فيها دامسة، لا يرى فيها أي قبس لنور، يتحسس المكان بيديه بعد أن طمس ضياء أحدى عينيه منذ زمن بعيد، العين التي فقدها نتيجة ضربة من رجل سلطة أثناء تظاهرة سلمية... يضحك في نفسه عندما يتذكر كلمة سلمية ويقول: إذا كانت التظاهرة التي خرجت سلمية أطارت فيها عين لي فكم عين تطير إذا كانت غير...
أسمي طنين وأنت ماذا يطلقون عليك؟ لا ادري فأنا متشرد لا اسم لي، ولا هوية، ولا صفة، نسيني القدر ربما خرجت من رحم فقد صلته بالموت فأنزلقت حيث تراني... صراخي كان كفيل بأن تحملني الكلاب والقطط حيث ربتني دون إرادة مني فصرت أردد النباح أو المواء كأني اتقن التحدث بلغات العالم ههههههه... ها انتِ ترين أني...
لم يظن يوما أنه سيكون حاكيا أو عابر سبيل مثل تلكم الفئة التي اتخذت جوانب وحواشي ظهره ليكونوا كُتاب عرائض او مدوني بيانات، مذ كان وجهه وسطح ظهره قد غطي بالتراب والحفر حتى ألبسوه حلة جديدة، كسوا عريه بعد أن داست عليه عشرات الآلاف من احذية ونعل مختلفة منها مستهلك كصاحبها ومنها ملمع كضاربي الابواق...
جلباب مهلهل مثل أيامه، شعر أشعث متشابك يكاد يكون كفروه خروف، وجه ضاعت ملامحه بذقن وسواد وجه.... يدفع بنفسه ضد الرياح التي قلبت كيانه رأسا على عقب، أسقطته فتطايرت الأوراق التي يمسك بها وهو يصرخ.... اللعنة ما بك تدفعين بي أولستِ ممن باركتي حوله؟؟ اولستِ احد الذين عمدتهم بالماء المقدس؟ أولستِ من...
لم يذق طعم النوم ليلتها بعدما طرقت باب شقته بالخطأ، السكر والإرهاق اللذان هي فيه جعلها تخطأ في رقم الشقة والدور.... لقد كانت على موعد مع احد زبائن الملهى الذي تعمل فيه كراقصة... فتح الباب فوجدها وقد برز نهداها اللذان كادا ان يخرجا من ذلك الثوب الضيق بالكاد يستر اي مساحة منهما ناهيك عن الافخاذ...
مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في الجهة الاخرى من الجسر الاحمر الذي كان الموقع لنُصِب خيام السيرك الكبيرة والصغيرة، ذُهِل حقا بما يراه من رجال ونساء وحتى أطفال بعمره أو اكبر منه قليلا وهم يتواكبون بين الحشد الكبير...
كلما بعثرت مكعبات الحروف... الطفلة التي بداخلي تسعى جاهدة كي ترصف كلمة احبك مثل كل مرة دون كلل فأمنحها وصلك، فأنت وحدك كل قوتي وضعفي، العالم الوحيد الذي لا أتركه خلفي، يا طفلي المدلل، يا من اول ما تعلمت الكلام نطقت بحرف يا جملة أحبها أن تكون خالية من الظرف، كل ما عليك ان تبعد هالة غيوم الشك...
لم ار وجهي منذ زمن بعيد، إني اتحاشا أي مرآة او قطعة زجاج تعكس وجهي، لا أدري لماذا؟! ربما لأن هدهد القدر قال لي مرة أني سأتوقع نبأ كارثي إن شاهدته... سأقول بالحرف ما قاله لي: مثل أي متشرد صفعته أيدي الأقدار ورمت به الى شوارع وَهم عاشه واقعا مريرا، لم يكن بيدي فلسان حالي ولساني هما اللذان شرعا...
الايدي السوداء هي من تستطيع حجز الصمت خلف القضبان فقد أتى ضجيجه على ما بقي لي من مساحة هدوء في وحدتي المعتمة، الساعة لا تكتك لأن عقاربها تلدغ بصمت، الوقت يتدلى ميتا بإنشوطة ماض تولى، يغشى ليل الموحش عنوان كئيب إسمه الوحدة، فأفزع الى راحلتي لتسير بي حيث سراب الأمل، في تلك اللحظة تلبس القضبان...
كأنه أصيب بالشيزوفرينيا، أو لعلي حكمت عليه قبل أن اعرف سبب شروده، إحساسه بأنه يعيش في عالمين متناقضين... يُسارع دوما حتى وإن كنت أسير الى جانبه بالجلوس على كرسي المقهى قرب الجدار، لكأنه حينما يستند عليه يعطيه الحق في أن يكون متسيدا أو أنه يرى الناس بعين مراقب ثاقبة، الحقيقة هذا ما جعلني أسأله...
يوشك أن يعنف ظله ذاك الذي كان شاهد عيان لمسيرة حياة شائكة وضبابية المعالم وهو يحتضن كيس تبغه، لم يكن يحسب أنه في يوم ما سيركن الى كرسي هزاز يشركه شعوره بموج البحر الذي نال من حياته الكثير، قد يكون عشق غربة البحر وكثرة الصراع مع امواج عاتية ليل مظلم، رفقة لا تخلو من أنانية وغصة تمرد، عصب عيناه...
لا عليك فالعالم الذي تعيشين موؤد مثل وطنك، هكذا وفي كل وقت يردد عليها الجوع.. كلاب تعوي، إمرأة وصبية يبحثون عن لقمة في مكب نفايات بين تزاحم قطط، الذباب هو الآخر يغتصب وبدناءة شرهة، الجميع يصارع مثل مصارين بطن خاطرة التي لم تذق الطعام منذ يومين.. ها هي تحمل بغبطة كيس صغير شفاف الذي تحاول أن...

هذا الملف

نصوص
76
آخر تحديث
أعلى