د. عاطف سلامة - على المقبرة...!

كانت منطقة السوق وسط مخيم النصيرات قد تغيّرت كثيرًا بعد السابع من أكتوبر.
البسطات تمددت كأنها نبتت من الأرض فجأة، والدكاكين الصغيرة صارت تبيع كل شيء؛ من الخبز إلى شواحن الهواتف، ومن البطاطا إلى أكياس الفحم.. فيما دخان الملوخية يملأ المكان.
وبالقرب من مسجد الفاروق، بجوار الهايبر مول الشهير الذي كان الناس قبل الحرب يأتون إليه للتنزّه والتسوّق، نشأ موقف جديد للتكاتك والكارات والعربات التي تجرها الحمير والبغال.
ومن بين كل الأصوات، كان صوت كاظم هو الأعلى دائمًا:
— "على المقبرة... على المقبرة!"
كان صوته أجشّ كأنه خارج من بئر، حتى إن بعض الأطفال صاروا يميزون وصوله قبل أن تظهر عربته.
اقترب منه رجل مسن وقال بضيق: "يا أخي، غيّر هالكلمة الثقيلة... قول على السوارحة، على الزوايدة... شو يعني على المقبرة؟"
شدّ كاظم لجام البغل، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وقال: "يا حاج... كلنا رايحين ع المقبرة، اليوم أو بكرة."
ضحك شاب يقف قرب العربة وقال: "تفاءل يا كاظم... تفاءل!"
هزّ الرجل الضخم كتفيه وردّ: "ومن وين بدو ييجي التفاؤل؟ مع الطحين ولا مع المساعدات؟"
فضحك الواقفون رغم ضيقهم، حتى الرجل العجوز نفسه أخفى ابتسامة صغيرة.
كان كاظم مشهورًا في الموقف كله.
ضخم الجثة، سريع الحركة، لا ينتظر دوره أبدًا.
يخطف الركاب من أصحاب التكاتك بخفة غريبة، فلا أحد يجرؤ على مجادلته.
وكان سريعًا في كل شيء؛
في القيادة، وفي جمع الأجرة، وحتى في طرق الدفع.
— "كاش، جوال بي، بال بي، حوالة بنك... المهم ادفع قبل ما نوصل!"
وكان يقولها بفخر، كأنه يدير شركة نقل عالمية لا عربة يجرّها بغل متعب اسمه "عنتر".
أما عنتر، فكان أشهر بغل في المنطقة، حتى إن الأطفال يلوّحون له أكثر مما يلوّحون لكاظم نفسه.
لكن عنتر، بخلاف صاحبه، كان هادئًا وحزين العينين، كأنه يفهم الدنيا أكثر من البشر.
في ذلك اليوم، امتلأت العربة أكثر من المعتاد.
نساء ، منهم من يحملن أكياسًا، أطفال متعبون، رجال، من ضمنهم رجل يحتضن كرتونة دواء، وفتاة تمسك بطرف العربة بخوف كلما مالت فوق حفرة.
وقف كاظم في المقدمة، شدّ اللجام بقوة، ثم صاح: "جييي... حررر يا عنتر!"... وانطلقت العربة تهتز فوق الطريق تعبر المطبات.
تطايرت ضحكات الأطفال الممزوجة بالخوف، بينما كان الركاب يتشبثون ببعضهم كلما قفزت عربة الكارو فوق مطب أو حفرة.
صرخ أحد الركاب: "خفف شوي يا زلمة! مش طيارة هادي!"
فرد كاظم دون أن يلتفت: "اللي مستعجل على قدره مع السلامة ينزل يمشي يمكن يوصل اسرع من عنتر!"
كلما اقتربوا من مقبرة السوارحة، صار الطريق أكثر هدوءًا.
حتى عنتر خفف سرعته وحده، كأنه يعرف المكان.
وفجأة...
توقف البغل.
حاول كاظم شده بعصبية: "امشِ يا عنتر!"
لكن الحيوان بقي ثابتًا، يضرب الأرض بحافره بتوتر.
نظر الركاب إلى بعضهم باستغراب.
وفي اللحظة التالية، دوّى انفجار قريب هزّ المكان بعنف.
اختلط الغبار بالصراخ، وتوقفت العربة وسط الطريق.
هرب الناس من حولها مذعورين، بينما ركض بعض الشبان لمساعدة الركاب.
وبعد دقائق طويلة من الفوضى، بدأت سيارات الإسعاف والعربات الصغيرة تنقل المصابين والشهداء والأشلاء والناس المذهولين نحو المقبرة القريبة، حيث كان المكان الوحيد المتاح للتجمع والدفن.
مع غروب الشمس، جلس الرجل العجوز نفسه قرب سور المقبرة، ينفض الغبار عن ثوبه بصمت.
مرّ أحد الشبان وسأله: "الحمد لله إنك نجوت يا حاج."
تنهد العجوز وقال: "آه... نجونا اليوم."
ثم سكت قليلًا، قبل أن يرفع عينيه نحو الطريق الذي كانت تأتي منه العربات دائمًا، ويتمتم بنبرة تجمع بين السخرية والحزن:
— "بس الظاهر إن كاظم... كان يحفظ الطريق أكثر منا جميعًا."
وفي صباح اليوم التالي، عاد الموقف مزدحمًا كما كان.
وعادت الأصوات ترتفع من جديد: "على السوارحة... على الزوايدة..."
لكن أحدًا، منذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أن ينادي: "على المقبرة."
إلا كاظم الذي بقي ينادي:" على المقبرة .. على المقبرة !.
تمت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى