في المخيم، لم يعد النسيان عارضًا عابرًا، بل صار جارًا قديمًا يشارك الناس خبزهم، ويجلس معهم أمام الخيام، ويزاحم أسماءهم في الذاكرة.
كان أبو العبد يسير بمحاذاة بسطات السوق، حتى لمح أبا سالم.
ابتسم، وربت على كتفه بحماس.
قال: تعال... بدي أعرّفك على زلمة محترم. من أحسن الناس بالمخيم.
تقدما نحو البسطة.
رفع البائع رأسه، وما إن وقع بصره على أبي العبد حتى ابتسم قائلًا: أهلًا وسهلًا... أبو العبد.
التفت أبو العبد إلى صاحبه، وقال بثقة المنتصر: شفت؟ حافظني من أول مرة.
ضحك البائع وهو يهز رأسه.
أول مرة؟! يا رجل، مبارح أخدت مني دين، وقبلها بأسبوع شحنت تلفونك عندي، وكل يوم بتوقف هان.
ساد صمت قصير، ثم لوّح أبو العبد بيده وكأن الأمر لا يستحق التوقف عنده.
المهم... تعرف على صاحبي.
ثم توقف.
نظر إلى أبي سالم.
ثم إلى البائع.
ثم عاد ينظر إلى أبي سالم مرة أخرى.
ظل فمه مفتوحًا لحظة، قبل أن يقول بخجل: لحظة ... الاسم طار.
ابتسم أبو سالم.
أنا أبو سالم.
هز أبو العبد رأسه بسرعة.
لا... اسمه هو.
وأشار إلى البائع.
تنهد البائع.
يا رجل... كل يوم بتناديني: "أبو محمود".
أشرق وجه أبي العبد فجأة.
آه... صحيح... كان واقف على طرف لساني .
ثم انطفأت ملامحه من جديد.
بس... مين أبو محمود؟
ضحك الثلاثة، وكانت الضحكة أقرب إلى محاولة للتغلب على شيء أثقل منها.
قال البائع: خير... شو بدكم اليوم؟
قال أبو سالم بثقة: كيلو خيار.
مد البائع يده نحو صندوق الخيار.
لكن أبا سالم رفع كفه مستوقفًا إياه.
استنى...
خير؟
حك رأسه طويلًا، ثم قال وهو يبتسم بحرج: أنا ... شو كنت جاي أشتري أصلًا؟
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
ثم قال أبو العبد ضاحكًا: يبدو العدوى انتقلت إلي... أنا كمان نسيت ليش إجيت.
ضحكوا مرة أخرى، لكن السوق ظل مزدحمًا كأن شيئًا لم يحدث.
مرت امرأة، ألقت السلام وهي تتابع سيرها.
ردوا جميعًا: وعليكم السلام.
وحين ابتعدت خطواتها، سأل أبو سالم بصوت منخفض: مين هاي؟
قال البائع: والله كنت مستني واحد فيكم يعرفها.
ابتسم أبو العبد وقال: المهم إنها بتعرفنا.
وفي تلك اللحظة، جاء طفل يركض بين البسطات.
وقف أمام أبي العبد وهو يلهث.
يابا... ماما بتحكي لك وين تأخرت؟
نظر إليه أبو العبد طويلًا، ثم تنفس بارتياح.
قال: الحمد لله.
استغرب أبو سالم.
على شو الحمد لله؟
ابتسم أبو العبد وربت على رأس الصغير.
الحمد لله إنه لقاني... لولا الولد، كان ضليت أدور على أبوه.
انفجر الثلاثة بالضحك، بينما ظل الطفل ينظر إليهم دون أن يفهم ما الذي يضحكهم.
وفي تلك اللحظة، دوّى انفجار بعيد.
سكت السوق كله.
لم يكن الصمت خوفًا، بل عادةً قديمة فرضتها الحرب.
قال البائع وهو يعيد ترتيب حبات الخيار: زمان كنا ننسى لأننا مستعجلين... اليوم صرنا ننسى لأن الرأس امتلأ بأصوات الانفجارات، والهموم، والأخبار التي لا تنتهي.
تنهد أبو سالم.
بس الحمد لله... لسه إذا نسينا، بنلاقي حد يذكّرنا.
أطرق أبو العبد برأسه، ثم قال بهدوء: الذاكرة ممكن تتعب... لكن الناس، إذا ظلوا يسندوا بعض، ما بضيعوش.
عاد السوق إلى ضجيجه المعتاد.
وبقيت الضحكات تتسلل بين البسطات، لا لأنها تنكر الوجع، بل لأنها كانت آخر ما بقي للناس كي يتذكروا أنهم ما زالوا أحياء.
تمت
كان أبو العبد يسير بمحاذاة بسطات السوق، حتى لمح أبا سالم.
ابتسم، وربت على كتفه بحماس.
قال: تعال... بدي أعرّفك على زلمة محترم. من أحسن الناس بالمخيم.
تقدما نحو البسطة.
رفع البائع رأسه، وما إن وقع بصره على أبي العبد حتى ابتسم قائلًا: أهلًا وسهلًا... أبو العبد.
التفت أبو العبد إلى صاحبه، وقال بثقة المنتصر: شفت؟ حافظني من أول مرة.
ضحك البائع وهو يهز رأسه.
أول مرة؟! يا رجل، مبارح أخدت مني دين، وقبلها بأسبوع شحنت تلفونك عندي، وكل يوم بتوقف هان.
ساد صمت قصير، ثم لوّح أبو العبد بيده وكأن الأمر لا يستحق التوقف عنده.
المهم... تعرف على صاحبي.
ثم توقف.
نظر إلى أبي سالم.
ثم إلى البائع.
ثم عاد ينظر إلى أبي سالم مرة أخرى.
ظل فمه مفتوحًا لحظة، قبل أن يقول بخجل: لحظة ... الاسم طار.
ابتسم أبو سالم.
أنا أبو سالم.
هز أبو العبد رأسه بسرعة.
لا... اسمه هو.
وأشار إلى البائع.
تنهد البائع.
يا رجل... كل يوم بتناديني: "أبو محمود".
أشرق وجه أبي العبد فجأة.
آه... صحيح... كان واقف على طرف لساني .
ثم انطفأت ملامحه من جديد.
بس... مين أبو محمود؟
ضحك الثلاثة، وكانت الضحكة أقرب إلى محاولة للتغلب على شيء أثقل منها.
قال البائع: خير... شو بدكم اليوم؟
قال أبو سالم بثقة: كيلو خيار.
مد البائع يده نحو صندوق الخيار.
لكن أبا سالم رفع كفه مستوقفًا إياه.
استنى...
خير؟
حك رأسه طويلًا، ثم قال وهو يبتسم بحرج: أنا ... شو كنت جاي أشتري أصلًا؟
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
ثم قال أبو العبد ضاحكًا: يبدو العدوى انتقلت إلي... أنا كمان نسيت ليش إجيت.
ضحكوا مرة أخرى، لكن السوق ظل مزدحمًا كأن شيئًا لم يحدث.
مرت امرأة، ألقت السلام وهي تتابع سيرها.
ردوا جميعًا: وعليكم السلام.
وحين ابتعدت خطواتها، سأل أبو سالم بصوت منخفض: مين هاي؟
قال البائع: والله كنت مستني واحد فيكم يعرفها.
ابتسم أبو العبد وقال: المهم إنها بتعرفنا.
وفي تلك اللحظة، جاء طفل يركض بين البسطات.
وقف أمام أبي العبد وهو يلهث.
يابا... ماما بتحكي لك وين تأخرت؟
نظر إليه أبو العبد طويلًا، ثم تنفس بارتياح.
قال: الحمد لله.
استغرب أبو سالم.
على شو الحمد لله؟
ابتسم أبو العبد وربت على رأس الصغير.
الحمد لله إنه لقاني... لولا الولد، كان ضليت أدور على أبوه.
انفجر الثلاثة بالضحك، بينما ظل الطفل ينظر إليهم دون أن يفهم ما الذي يضحكهم.
وفي تلك اللحظة، دوّى انفجار بعيد.
سكت السوق كله.
لم يكن الصمت خوفًا، بل عادةً قديمة فرضتها الحرب.
قال البائع وهو يعيد ترتيب حبات الخيار: زمان كنا ننسى لأننا مستعجلين... اليوم صرنا ننسى لأن الرأس امتلأ بأصوات الانفجارات، والهموم، والأخبار التي لا تنتهي.
تنهد أبو سالم.
بس الحمد لله... لسه إذا نسينا، بنلاقي حد يذكّرنا.
أطرق أبو العبد برأسه، ثم قال بهدوء: الذاكرة ممكن تتعب... لكن الناس، إذا ظلوا يسندوا بعض، ما بضيعوش.
عاد السوق إلى ضجيجه المعتاد.
وبقيت الضحكات تتسلل بين البسطات، لا لأنها تنكر الوجع، بل لأنها كانت آخر ما بقي للناس كي يتذكروا أنهم ما زالوا أحياء.
تمت