علي سيف الرعيني -| بقاء الباب مواربا !!

في آخر الممر كان بابٌ خشبي قديم، لا يُغلق تماما ولا يُفتح تماما. ظل مواربا سنوات طويلة حتى صار جزء من البيت وجزء من صاحبه أيضا
كان زياد يمر أمامه كل صباح يلمسه بطرف أصابعه ثم يمضي. لم يكن وراء الباب سوى غرفة صغيرة، تضم صندوقا عتيقا امتلأ بصورٍ باهتة، ورسائل صفراء وساعة توقفت عقاربها عند لحظة لا يعرف إن كانت نهاية شيء أم بداية شيء آخر
كان يقول لنفسه:
سأرتبها غدا لكن الغد كان يؤجل نفسه، كما تؤجل الجراح اعترافها بالألم
لم يكن زياد يعيش الماضي بل كان الماضي هو الذي يعيش فيه. كان يبتسم للناس، بينما يحمل في داخله مدينةً كاملةً هجرها سكانها منذ زمن، ولم يبقَ فيها إلا صدى الخطوات
كلما حاول أن يبدأ حياة جديدة، امتدت يدٌ خفية من داخل الصندوق تشده إلى الوراء. لم تكن يدًا حقيقية، بل كانت الذكريات حين تتحول إلى قيود ناعمة؛ لا تؤلم الجسد، لكنها تُرهق الروح.
وذات مساء، انقطعت الكهرباء، وغرق البيت في الظلام
أشعل شمعة، فتراقص ضوءها على الجدران، حتى بدا الباب القديم كأنه يناديه للمرة الأخيرة
اقترب فتح الصندوق
لم يقرأ الرسائل، ولم يُقلِّب الصور، بل نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً شاحبة.
أدرك فجأة أن الأشياء لا تحتفظ بنا، نحن من نتمسك بها خوفا من مواجهة الفراغ الذي يليها.
أخذ الصور، ووضعها في ظرف واحد، وأغلق الصندوق بهدوء.
لم يُحرق الذكريات، ولم يتبرأ منها، لأنه فهم أن النسيان ليس انتصارًا، وأن الوفاء للماضي لا يعني السكن فيه إلى الأبد
خرج إلى الباب الخشبي
وللمرة الأولى منذ سنوات فتحه على مصراعيه
دخل هواءٌ بارد يحمل رائحة المطر، فتسللت إلى قلبه رغبة غامضة في الحياة، كأن الفصول التي تأخرت طويلًا جاءت دفعة واحدة
وفي تلك اللحظة، لم يتغير العالم
لكن الرجل الذي كان يقف عند العتبة لم يعد هو الرجل نفسه
لقد اكتشف أن البداية الجديدة لا تولد حين نمحو الماضي، بل حين نمنحه مكانه الصحيح؛ ذكرى تُضيء الطريق، لا سلسلةً تُقيد الخطى
ومنذ ذلك اليوم، بقي الباب مفتوحا
أما الصندوق، فلم يعد قبرا للحنين، بل شاهدا على أن الإنسان لا يقاس بما فقد وإنما بما امتلك من شجاعة ليواصل السير رغم كل ما فقد!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى