عبدالجبار الحمدي - عودة المجهول...

لم يكن في الحسبان أنه سيعود لقد كان غائبا!! سبعة عشر عاما وهو في طي النسيان، عاش في دائرة خارج الوجود إلا أنه لم يكن غائبا عن نفسي كثيرا ما راودتني الاحلام انه يتلمسني يداعب خصلات شعري الذي كان يشاركه الهواء في مداعبتها... كنت الى الجنون أسير دون وعي قادتني مشاعري الى الضرب بعرض الجدار كل من خالفني برأيه أنه سيتركني بل سيركل كل احلام كنت قد وطئاها معا بميثاق و عهد لتكون ترياق بيت سعيد يجمعني و إياه... حتى ذات صباح كنت قد وقعت على ورقة صغيرة جاءت بها فتاة إلي لقد كنت مدرسة في احدى مدارس الابتدائية للفتيات أعطتني أرسالة وهي تقول لقد قال لي الرجل ان اسلمك هذه الورقة بل قال الى الست هيفاء خاصة.. كان الاستغراب!!! يدفع بي الى حد الانعزال حين فضضت الورقة وقرأت عبارة واحدة فيها أرجو أن تعذريني برحيلي ... فراس...
لم تحملني ساقاي .. ترنحت غير ان جدار أمسك بي وهو يهمس كنت اعلم انه سيفعل ذلك، ألم أقل لك حين كنت تنظرين إليه من هذا الشباك الذي انت بجانبه تنتظرين رؤيته كما جرت العادة؟ لا ضير اسكبي دمعك حيث حجرات قلبك النازف ... أو هيا اخرجي و ابحثي عنه ذات اليمين و ذات الشمال... يا إلهي ماذا ستقولين لم سيقف أمامك يسخر منك يواجهك بسخرية؟ وهو يقول لك.. ألم أخبرك انه سيرحل بلا موعد مسبق؟؟
ها انت ستتبضعين الحزن و تمتصيق رحيق العذاب مواساة لهجره لك.. ستقول لك الايام ان الغائب المجهول لا يعود ... رحل الى عوالم لا توجد فيها هيفاء او صور تشبهها سيمكت اليأس في حفل تأبين رحيله يوزع كؤوس الحرمان ليتجرعها جنونك المفرط به... على أية حال أراك اليوم تنتعلين كل أوجاعك تحاولين أن تنثيرها حيث ساحة الطيور الواسعة لتلتقط بقايا صور و شظايا كنت تحسبين أنها ستحكي أنين سنين خلت ستخبرك كما اخبرتني فجأة خاطبني الريح عنك وهو يدغدغ نفس خصلات شعرك بأن المجهول قد يعود... صدقيني أنا نفسي لم أصدق هذا من الريح الذي حمل مع طياته خبر بطعم الحنظل أظنك قد إستسغته مرهما لأوجاعك... قد أكون هاجس مأبون لا يعي ماذا يهمس لكن صدقيني و للمرة الثانية لم أشهد يوما منذ ان وضعوا أساس لتلك المدرسة حكاية مثل حكايتك التي كنت شاهد على لقاءاكما و الانصات في بعض الاحيان لهمس الحب و احلام المستقبل... سأتركك الآن كي تستعدي لإستقباله خاصة وأنا أرى أن معالمك بدلأت تنبض بالحياة كما نبضات قلبك التي تتسارع.. فقد خذي حذرك و لا تخطأي مثل سابقتك إحرص أن تكوني قوية لا تبيعي قبل ان يُباع لك و إن كنت أحسبها صفقة خاسرة... على اية حال سأذهب و أدع مصيرك هو الذي يقودك الى ما تودين سماعه و الى من تحبين لقاءه..
كانت تنتظر على أحر من الجمر طرق بابها كي ترى وجهه الذي غاب حيث المجهول سبعة عشر عاما .. انتظرت و أنتظرت... و أنتظرت لكن لا فائدة تُرجة من غائب حيث المجهول دخل المساء مقطبا جابيه وهو تتطلع الى عمود النور الذي في اول مدخل منزلها... تحسست أن هناك شخص قادم ازاحت الستارة قليلا كي تخفي لهفتها في حال ربما ينظر إلى تصرفاتها ليعلم هل لازالت تنتظره كما تعودها؟... كان الظل يسبق صاحبه الى الجد في المسير .. تصببت عرقا شعرت ان قطرات اللهفة تتدلى بين نهديها تسارع الى السباق كما هي باقي قطرات العرق التي فاضت من مسامات جسدها .. حاولت ان تضفي الضبابية على ما ما كانت تشعر به حين يُقَبِلها وهي تلثم أنفاسه في جميع مساحات وجهها وباقي مساحات ما كان تفرضه اللهفة والرغبة.. شعرت بوقع أقدام تسير و تتوقف.. تتقدم و تتأخر .. تراجعت هي الى الوراء قليلا لم تسعفها تنهداتها من الوقوف أكثر فالانتظار لاشك يدمر أعصابها تريد ان ترى وجهه للمرة الأخيرة .. لكنها تباطأت، رمت بنفسها على الاريكة وقد ضمت نفسها الى بعضها البعض... ثم صمت آذنيها حتى لا تسمع وقع الاقدام... و اغمضت عيناها بشدة وراحت تردد في نفسها... لا لا يمكن أن اعود الى حضنك لم أعد احبك .. إني أكرهك يا فراس أكرهك... كم تمنيت ان تكون ميتا حتى أمزق ثياب الحزن التي ارتديت بعد رحيلك .. اللعنة عليك اتمنى أن لا تطرق بابي حتى لا أضطر الى مشاهدة وجهك الى الجحيم بكل ايامك الى الجحيم بكل سنينك والغربة و لحظات السعادة التي حظيت بها.. بينما كانت تردد مع نفسها اللعنات كان الطرق على الباب قد اشتد كثيرا .. جعلها تفيق من هاجسها متسارعة الى الباب وهي تقول من الطارق... من الطارق اللعنة عليك هل أكلت القطة لسانك؟؟؟
لكن الصمت خيم لم يكن هناك رد على زجرها للطارق.. اسندت ظهرها و هي تهمس هل أنت فعلا يا فراس من يطرق باب؟؟ هل عدت من أجلي أرجوك لا تصمت رد عليّ لقد كنت أعيش في جحيم هجرك رحيلك الى المجهول ألبسني السقم... حتى لو طرقت مرات و مرات لا افتح لك الباب، ليس لأني لست مشتاقة إليك او الى حضنك لكن ملامحي تغيرت فراقك ترك أخاديد من كثرة نحيب عليك.. إرحل و لا تعد عد من حيث أتيت شكوتك الى الله كثيرا و تمنيت ان أرك ميتا و احضر حفل مأتمك ... صدقني سأرتدي فستاني الذي تحب سأروي للناس أني سعيدة برحيلك الى عالمك المجهول و الى الابد... لا .. لا اريد تلك الامنية سأفتح الباب و لكن أوعدني أنك لا تتفاجأ حين تراني و خذني الى عالمك حيث المجهول يا حبيبي...
فتحت الباب فكانت المفاجأة لقد كان ملك الموت ينتظرها وقد حمل أمنية كانا قد تعاهدا عليها إن مات أحدهم لا يتمنى الثاني ان يبقى في الحياة... وهاهو ملك الموت أخذهما معا في رحلة الى العالم المجهول.
القاص و الكاتب
عبد الجبار الحمدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى