يَرشف حمزة مِن كأس الشّاي بأناة، وحين يُحاوِل أنْ يبدأ في التّرنّم ببداية قصيدة يحفظها منذ أيّام الدّراسة الثّانويّة، يعابث نفسه، ساخِراً : "ترغب في التّمويه على نفسك؟ كنْ واقِعِيّاً، إنّك قلق، متوجّس مِن أنْ ينفتح الباب فيطِلّ عليك الوجه الذي لا ترغب في رؤيته - وجه محسن - عِوَض الوجه الآخر". يُنصت حمزة لهذا الصّوت الدّاخليّ. يُوافق على كلامه. إنّه على حقّ، فماذا لو انفتح الباب إِثْر طَرْقي إِيّاه، وأطلّ منه محسن بِعينيه شِبه المغمضتين على الدّوام، والنّدب المحفور على جبينه، وشَعره الذي يَنفشه دائماً إلى الأعلى؟ بالطّبع، يبقى مُتوَقَّعا أكثر أن تفتح أمّه شامة... لم يُنهِ حمزة جملته، ولم يشأ الاستمرار في هذا الجدال الغريب مع نفسه، بل التقط هاتفه المحمول، المعطوب، ودسّه في جيب جاكتته. على أيّ حال، إذا فتح هو، فها هي ذريعتي، وبِلطف، ربّت على هاتفه مَرّتين، ثمّ مضى نحو الباب.
أَخرج من البيت. أنزل طريقاً منحدرة لدقيقتين وأنعرج يساراً. أصِل إلى باب مُقَوَّس كبير وأمرق منه إلى خارج حيّنا، "دْيورْ لَحجَرْ". ثمّ إلى اليسار مُجَدّداً. أسير في منبسط مِن الأرض، تتجاور فيه بُقَع مُتربة وأُخرى مُعشوشبة. أسير تحت أشجار كاليتوس. إلى يساري الآن، بيوت، أبوابُ بعضِها مفتوحة، وأمام واحد منها أطفال، منهم مَن يلعب ومنهم مَن يبكي. خلف شجرات كاليتوس إلى يميني، هنالك صخرة كبيرة، فوقها سأجلس لِلحظات، وأَنْعَم بلحظات تأمّل، مُغَلِّباً خلالها التّفاؤل : شامة هي التي ستفتح الباب، وسننعم بلحظات طويل من التّحابّ العجيب. أمّا إذا... فسأنتكس، وألجأ إلى ذريعة الهاتف المعطوب... فمحسن مُصلح هواتف محمولة.
أنا في وَهدة بالقياس إلى الباب الكبير المُقوّس وإلى الحيّ كلّه. أُدَخّن وأنتظر حلول الغروب، وهو ليس بِبعيد. أَرفع عينيّ صوب طيور تُحلّق في الأعلى. أسرّحُ بصري فيما حولي. كأنّ هنالك موسيقى خافتة تُعْزَف في ذهني. يمرّ كلبٌ على مبعدة منّي. لا يُدير رأسه نحوي. يستمرّ في سيره، هادئاً، مُفكِّراً في شؤونه الخاصّة. ألتفت صوب الباب المُقَوَّس الكبير، فأرى نفسي فتىً يُهرول نحوه، وقدمُه تُدحرج كرةً بركلات متتالية. ثمّ يَدخل الفتى ويختفي هو وكرته.
أرغب في أن أعرف كم هي السّاعة الآن. لكنْ لَن يُطالعني على شاشة الهاتف سِوى السّواد. أحرّك رأسي يميناً، فأرى الكلب الذي كان قد مضى، قبل وقت قصير، صاعداً العقبة، عائداً من حيث كان، اً هذه المرّة. وها هو يخبّ على الأرض المنبسطة قبالتي ويُحرّك أذنيه، ملتفتاً نحوي. كأنّه بدوره تذكّرني ويريد أن يقول لي شيئاً ما. والشّمس التي بدأتْ تغرب تكرّمت بوافر من حُزَم الأشعّة المحمرّة على الأشجار والعُشب القصير، وحتّى على رأس الكلب الذي يبدو الآن معتمراً طاقية حمراء غريبة شيئاً ما. يُفكِّر حمزة، ممازحاً نَفسَه: "طواقي الكلاب لا بُدّ أنْ تكون غريبة".
أنا الآن أتهيّأ، وبعد لحظات، سأتّجه صوب بيت شامة، وهو في "حيّ النّور" القريب. ابنُها مُحسن يسكن معها بالطّبع، لكنْ "يُفترَض" أنه قد سافر اليوم إلى القصر الكبير. كنتُ قد قصدتُ محلّه - وهو ملاصق للبيت الذي يسكن به مع أمّه- يوم الأحد، لكنّ أمّه، التي كانت عائدة إلى البيت، رأتني قبل أن أطرق نافذة محلّ مُحسن أو باب بيتهما، بمجرّد وصولي، فجاءت إليّ واقترحت عليّ أن أعود الثلاثاء، أي اليوم، مُضيفة أنّ ابنها سيكون قد غادر برديشة لأيّام معدودة يَقضيها في القصر الكبير.
بالطّبع، فمحسن ليس على علم بقصّة الغرام السّرّي التي تجمعني - من بعيد - بِأُمّه شامة. وفيما يخصّني، فهذه القصّة لا تُفسِد للودّ قضيّة بيني وبينه. أعرفُ محسن مُذْ كان طفلاً، وهو أصغر منّي ببضع سنوات. أمّا أمّه، فتعرفني وأعرفها منذ أن كنتُ في نحو العاشرة.
بالفعل، فقد كنتُ في نَحو العاشرة حين انطبعتْ لشامة صورة خاصّة في مُخيِّلتي، لم تَدم إلّا لِلحظات. ففي تلك الأيّام، كنتُ كثيراً ما أذْرَع أزقّة حيّ النّور، وأتوقّف عند الفرن مثلاً، أو قُرب المستشفى أو بجانب السّقّاية، التي كانتْ نِسوة عديدات يملأن سطولهنّ من مائها. كانت شامة طويلة وجميلة، منبسطة الأسارير ورشيقة. وكانت ساقاها تُعجبانني بِشكل خاصّ، وأكثر مِن مرّة لمحتني وأنا مع أطفال آخرين، أُنْعم فيهما النّظر، وكان ذلك يَستثير منها ابتسامة خفيفة جِدّاً، وكنتٌ ألحظ طيف الابتسامة ذاك. ذات مرّة، سمعتُ امرأةً مِن معارفها تُمازحها قائلة: "آه يا شامة، ماذا لو استيقظتِ يوماً واكتشفت أنّكِ قَد نَمَتْ لك خُصْيَتان". قهقهتْ شامة وقالت: "الله ينجّيني آخّيتي". وضحكتُ أنا أيضاً، لكنّ المرأتين لم تنتبها إليّ، فأنا لم أكنْ قريباً جِدّاً منهما. كانت شامة امرأة جميلة ومفعمة أنوثة. وفي مساءٍ مّا، كنّا مجموعة أطفال نَلعب على ناصية حيّ النّور، حول كومة رمل كبيرة، قُرْبها رُكام آجُرّ وأكياسُ خَيْش بها إسمنت، وكان هنالك شخص يحرس موادّ البناء تلك، وكنّا نُغافله فنتدافع على كومة الرّمل، ونُسقِط كُتلاً منها فتتبعثر أو تُفرّقُها الرّيح وتذروها... ويتنبّه الحارس لِما كُنّا نفعل، فيصرخ فينا، ثمّ يشتمنا ويتوعّدنا... كان يومها جالساً تحت شجرة يُدَخّن سيجارة، بعيداً عن الآجرّ وكومة الرّمل وأكياس الإسمنت، وبدأنا نلعب فوق كتلة الرّمل وحواليها، ولمّا رآنا وأدرك أنّنا لا نتأثّر بشتائمه ووعيده، انتفض ووقف، ثمّ انحنى والتقط من الأرض أحجاراً وشَرع في قذفنا بها. فهربنا وتفرّقْنا. وقد شعرتُ بشيء من الزُّهُوّ لكوني حنيتُ رأسي يميناً في الوقت المُلائم، فمرّ حَجر مِن فوق كتفي اليُسرى ولمْ يُصِبني في الجبين. مضيتُ إذنْ في طريقي وأنا أَصْفِر، ووقتَها بدتْ لي شامة قادمة لِوَحْدها، تحمل بضائع في كيس أحمر. بعد أن تجاوزتْني، استدرتُ برأسي نحوها، ثمّ قُلت: "للّا شامة، للّا شامة..."، فتوقّفتْ والتفتتْ إليّ. وبتلقائيّة، قلتُ لها: "للّا شامة، هل نَمَت لك خصيتان؟". بدا لي أنّها انشدهتْ، وبالفعل فهي لم تُحِرْ جواباً. لكنّها لَمْ تشتُمني. أمّا أنا، فأطلقتُ ساقيّ للرّيح. بعد ذلك بسنة وبضعة شهور، رأيتُها عابرةً، إثر وفاة زوجها قَدّور، الذي صدمته حافلة ركّاب وهو على درّاجته النّاريّة. جاءتني فكرة الذّهاب إليها وتعزيتها، لكنّي تراجعت، مخافة أنْ ترى في ذلك تطاوُلاً منّي.
بعد مُضِيِّ زمن طويل على طرحي لذلك السّؤال المثير الذي شُدِهت له شامة، وبعد أنْ دخلتْ تلك الواقعة بالنّسبة إليّ في طيّ النّسيان، فاجأتني هي، ذات صباح، وأنا واقف في أسفل منحدر اعتدتُ أنْ أنزله مُتّجهاً إلى ثانوية شوقي. كنتُ وقتها تلميذاً، في نحو السّابعة عشرة، وفي قسم البكالوريا. في ذلك الصّباح بالتّحديد، لم أكن في طريقي إلى الثّانويّة، بل كنت أدندن بمطلع أغنية لمحمد عبد الوهاب، وأتمشّى قُرب شجرات ليمون. وفجأة شعرتُ بِيد تُمسكني من ياقة قميصي. اليد قويّة لكنّها لا تجتذب الياقة حَدَّ خَنقي. ثمّ أرخت اليد قبضتها عن ياقتي شيئاً فشيئاً. وبقيتْ إصبعان تضغطان عنقي بشكل مباشر، ضغطاً ناعِماً في الواقع. التفتْتُ، فوجدتُ أمامي شامة بقامتها الفارهة. اكتشفتُ لحظتَها أنّي ما أزال منجذباً إلى وجهها، كما كان حالي وأنا أصغر سِنّاً. لذا ابتسمتُ لها، ثمّ وجّهتُ بَصري نحو ساقيها. كانتْ هي قد تجاوزت الثّلاثين بسنوات. ابتسمتْ لي وكانت عيناها تلتمعان. وضعتْ كفّها على عنقي واجتذبتني لأتبعها وقالتْ لي: "تَعال، تعال". أدخلتني بين أشجار متقاربة بحيثُ لا يرانا مَن قد يمرّ بقربنا أو بعيداً عنّا. لامستْ وجهي بكفّها مُداعبةً، وقالت بصوت خافت: "عْقَلْتِ آشْ كُنْتِ ݣُلْتِ لِيّا آ الشِّيطانْ" (تتذكّر ما كنتَ قد قلْتَ لي، يا شيطان). ابتسمتُ وقلت: "كُنْتْ أمزح معك فقط، آ...للّا شامة". ثمّ أمسكتْ بِرُسغ يدي اليمنى. كانت تلبس جَّلّابية برتقالية وتملّت عيناي بثدييها اللذين في حجم نهدي مُراهقة. كان بين ثنيّتيها الفَوقيّتين فَلَجٌ بدا لي لحظتَها أنّه، بِشكلٍ ما، علامة على طِيبة قلبها. أمسكتْ بِرُسغي وبدأت تجذب كفّي نحو فتحة جانبيّة بجلّابيتها، وقالتْ: "أدخِل يدك"، فأدخلتُ يَدي. ومن خارج الجلّابية، دفعَتْ بيدي إلى أسفل ما بين فخذيها، وقالتْ بِصوتٍ تَهدَّج قليلاً: "لامِسْ بِكفّك، لامِسْ، هل تجد خُصيتين ها هنا يا وغد؟"، وضحكَتْ. بسطتُ كفّي ومَرّرْتُها على رابيتِها، مِن فوق ثوب سروالها وتُبّانها. لم أتكلّم، ولم أسحبْ كفّي. قالتْ بِصوتٍ مُرتعشٍ فليلاً: "قُلْ. ماذا هنالك تحت كفّك؟" ابتسمتُ ولم أردّ. وامتدّت كفّي إلى ردفها الأيسر ولامستْه بِسرعة، صعوداً ونزولاً. وإذْ كنتُ أشرئبّ نَحوها لِأمتصّ شفتها العليا - أو السّفلى - سمعنا شخصاً بأعلى الوهدة التي نقف فيها، يُوقِف درّاجته الهوائيّة على قارعة الطّريق المُشْرِف على الأشجار التي نتخفّى بينها، ويُزمجر ويدمدم. كان يلعن المسمار الّذي ثقب إحدى عجلتي درّاجته. وكانت شفتاي قد اقتنصتا مُقدَّم شفة شامة العُليا فجعلتهما الزمجرة القادمة مِن فوق تكتفيان بذلك وتتراجعان دون أن تكتمل القُبلة. ثمّ قالت لي شامة، يِصوت خافت جِدّاً : "بالسّلامة يا حمزة.."، وأضافت، مُوشوِشةً: "أعرف اسْمك مُذْ كنتَ طِفلاً".
بعد ذلك اللقاء، أو تلك المغامرة الصّغيرة، كان حمزة يراها في أحيان قليلة، بِشكل عابر، وحين تلتقي عيونهما يتبادلان نظرات محبّة ورغبة مِن بعيد، ونادراً ما كان أحدهما يشير إلى الآخر مُحَيّياً... ثمّ جاء يوم فَرح فيه حمزة بالحصول على البكالوريا، وبعدها أصبح طالباً في شعبة الفرنسيّة بآداب الرّباط، لا يعود إلى برديشة إلّا خلال العُطَل.
في مستهلّ إحدى العُطَل، حدثَ أنْ كنتُ في محطّة حافلاتٍ بالرّباط، على نِيّة العودة إلى برديشة. وجاءت شامة إلى نفس المحطّة لنفس الهدف، بعد أن قَضَتْ أيّاماً عند أُختٍ لها في العاصمة. سُرِرنا بالمُصادفة غير المُتَوَقّعة. بدا ذلك على ملامح شامة، وشعرتُ أيضاً بِوَجهي يَحْمَرّ، وأساريري تنفرج. وكأنّما باتّفاق مُسبق بيننا، اكتفينا بِمُصافحة سريعة وكلمات قليلة، ثمّ تباعدْنا قليلاً، كي لا نُثير انتباه أيّ كان. وبقينا ننتظر الحافلة التي ستُقلّنا إلى مدينتنا، وقد جاءت بعد الغروب بنحو نصف ساعة. صعدتْ شامة ومعها حقيبة متوسّطة الحجم، وفعلتُ أنا الشّيء نفسه وفي يدي حقيبة أصغر. بعد أن رَكَنَّا الحقيبتين على رفّ طويل مُشبّك تحت سقف الحافلة، دفعتْ بي شامة إلى المقعد الّذي في الرّكن، جنب نافذة مُغلقة، وجلستْ هي بجانبي. أوّل ما قُمتُ به أنا هو إسدال السّتارة على النّافذة. حلّت شامة إلى يساري، وإلى يسارها هي جلستْ امرأة عجوز نحيلة. فكّرتُ: "لِحسن حظّنا أن تكون جارة شامة هي هاته المرأة العجوز، التي لا شكّ أنّها عديمة القدرة على التقاط الأصوات الطّفيفة. بل يبدو لي أنّها سرعان ما ستغطّ في النّوم". ثمّ انطلقتْ بنا الحافلة.
كانت العتمة تُخيّم علينا، واقتربتْ شامة منّي حتّى تلاصق جَنبانا. ثمّ وقفتْ وتناولتْ حقيبتها ووضعتْها على رُكبتيها وفتحتها وأخرجتْ منها فوطة حمّام، طويلة وعريضة، بدا لي أنّها زرقاء، وفكّرتُ أنّه من الممكن أن تكون خضراء غامقة. شعرتُ أنّ شامة تتهيّج قليلاً، بِشكل غير ملموس، وأنا أيضاً. لكنْ كان مِن حولنا رُكّاب.
أعادت الحقيبة إلى الرّفّ الفوقيّ، وبسطت الفُوطة على فخذيها وعلى فخذيّ. انزلقتْ يدي اليُسرى مِن تحت الفوطة وبدأتْ تُلامس فخذها بأناة، جيئة وذهاباً، ونزولاً وصعوداً. ثمّ أدخلتُ يدي من فتحة جلبابها ورفعتُ طرف قميصها الذي تحت الجلّابيّة فوضعتُ كفّي على فخذها، من فوق سروالها. وقد سحبتُ يدِي حين شرعتْ هي في ملامسات سريعة لذراعِي وفخذِي، ثمّ وضعتْ جَماع كفّها اليُمنى على المنطقة الوسطى، مِن فوق بنطالي، ومن تحت الفوطة طبعاً. خلعتُ جاكيتتي وبسطتُها لِتُساعد الفوطة في سَتر الوقائع الإيروسيّة التي كنّا بَطليها، ثمّ فككتُ زرّ بنطالي وفَتحتُ سحّابه، لُأُسَهِّل على شامة ما تضطلع به مِن مَهامّ. بعد لحظات توقَّفَتْْ، ووقفتْ، وجذبتْ حقيبتها من الرّفّ، ثمّ وضعتها على رُكبتيها وأخرجتْ منها عباءة طويلة وعريضة. أعادت الحقيبة إلى مكانها، ودفعتْ جاكيتتي فأزحتُها جانباً. بسطتْ عباءتها مُغطّية بها أسفلَ جِذعي وفَخذيّ، وإثر ذلك، انحنتْ هي جانبيّاً، ووضعتْ رأسَها على فخذِي كأنّها تٌزمع أن تَنعم بِغفوة قصيرة، فيما كانت العباءة تُغَطّي رأسَها وجذعَها. بسطتُ أنا الفوطة الزّرقاء فوق العباءة مُوَفِّراً لِشامة غطاءً أكثر سُمْكاً، وانعطفتْ هي بِوجهها رُويداً رُوَيْداً، فباعدتُ أنا ما بين رُكبتيّ، وأدخلتْ يدها وبدأت شفتاها تمنحانني لذّة مُسْكِرة. كرّرتْ مرّاتٍ ذلك الهبوط والطّلوع اللذين يترواحان بين التّأنّي والإسراع، وتوجّستُ من أن تحين لحظة تستبدّ بي خلالها اهتزازة مباغتة ويختضّ جِذعي، وقد يصدر عنّي صوتٌ فاضح فينكشفَ أمرنا. لكنّ الّذِي باغتنا كان شِبه انتفاضة وَجيزة مِن العجوز المُجاورة لِشامة، فقد اهتزّ منكباها إلى الأمام قليلاَ، وتحرّك رأسُها بِسرعة وسمّرتْ عينيها على المكان الّذي كان قد استقرّ فيه رأس شامة، وكانت هذه الأخيرة مُولِيَةً وجهها إلى أسفل. وسرعان ما عادت العجوز لِتنظر نحو ظَهر الكرسيّ الذي أمامها، ثمّ تنحْنحت مِراراً، وشعرتُ أنّ صوتها لم يَكن يَشي بامتعاض حَقيقيّ، وقلتُ في نفسي: "لربّما هي تَتمنّى، في قَرارة نَفسِها، أن يستمرّ الفيلم "الغراميّ" الّذي بدأت مشاهدُه الأولى بالقُربِ منها. أمّا شامة فقد سارعت إلى الاستقامة بِجذعها. وبعد دقائق، وَقفتِ الحافلة وأشعلتْ أَنوارها الدّاخليّة، وبدأ مُساعد سائقها يُرَدّد بصوت جَهير: "يالْله آمّالينْ برّشيد". فشرع قاصدو مدينة برّشيد في النّزول. وصعد أشخاص يُريدون الذّهاب إلى برديشة...
ثمّ انطلقت الحافلة مِن جَديد… وخلال ما تبقّى من الطّريق، كنتُ أتساءل: هل يُمكن أن آخذ معي شامة إلى البيت المنعزل والخاصّ بي في مسكننا العائليّ (الفسيح إلى حدّ ما). سأقترح عليها ذلك حين ننزل، وهي بالطّبع ستتبعني حتّى ندلف معاً إلى... سريري !
بقينا، شامة وأنا، على رصانتنا خلال ماتبقّى من الطّريق. كنتُ أحلم صامتاً بتتمّة سعيدة لِلمغامرة التي ابتدأناها في هذه الحافلة. وحين وصلنا إلى برديشة، ونهضنا - نحن الرّكّاب - لِننزل، كانت شامة تتقدّمني، يفصل بيني وبينها رجلان وامرأة. في الخارج، كان هنالك ظلام، لكنّ سَوادَه لم يكن كثيفاً. نَزلتُ، وفي نيّتي أنْ ألحق بِشامة وأمسك بساعدها وأوضّح لها المشروع بِسرعة، ولكنّي حين نزلت، رأيتها تبتعد، يُرافقها ابنها محسن الذي كان ينتظر وصول الحافلة التي تُقِلّها. فمحسن - الذي غادر الدّراسة منذ سنتين - كان له الآن مَحلّ صغير، لَصيق بمسكنهما هو والأمّ، يبيع فيه الهواتف المحمولة ويُصلحها. كان ذلك المحلّ عبارة عن غرفة من بيت الأسرة، جُعلت لها نافذة كبيرة تُطِلّ على الزّقاق، من خلالها يتعامل محسن مع زبنائه.
بعد مرور خمسة أيّام على مجيئي إلى برديشة وشامة بِجانبي، وانتكاس مشروعي المعلوم بِسبب حضور ابنها لاستقبالها، كنتُ جالساً لِوَحدي في مقهى، أرفع عينيّ مِن حين لِآخر وأنظر إلى أعلى أو إلى العابرين وغالباً إلى يافطات المحلّات التّجاريّة الّتي على الجانب الآخر من الشّارع، ثمّ أخفضهما وأوجّههما إلى شاشة هاتفي المحمول، فقد كنتُ ألعب مباراة ضَامة مع نفسي. ثمّ حدث أمر تضايقتُ منه حَقّاً، إذ انزلق الهاتف مِن يدي وسقط على الأرضية الرّخاميّة، ونطّ والتفّ حول نفسه كخذروف وسرعان ما انكفأ على وجهه في هدوء. نهضتُ والتقطتُه، وتبيّنتُ أنّه لم يعد ممكناً أنْ أقْرأَ على شاشته الأسماء والأرقام المُدْرَجة في قائمة الاتّصال أو أيّ شيء آخر. مباراة الضّامة كانت شيّقة، وللأسف لم تَكتمل. لا بُدّ من أن أصلح شاشة الهاتف، فهو يختزن أرقام هواتف ورسائلَ قصيرة وصُوَراً... وعلى غير انتظار، تراءى على شاشة ذهني وجهُ شامة، ثمّ استعدتُ آخر مشهد جمعنا قبل أيّام: هي تتقدّمني في الممرّ الممتدّ بين صفّي مجموعات الكراسيّ في الحافلة، وأنا خلفَها، يفصلني عنها أشخاص وفي ذهني يتشكّل مشروع أخذها معي، هذا المشروع الذي سيتبخّر إثْر نزولي. هكذا عقدتُ العَزم على أن آخذ هاتفي المعطوب إلى محسن نفسه لِيُصلحه. لِماذا اتَّخذتُ هذا القرار؟ لا أدري بالضّبط. المهمّ أنّني اتّخذتُه. وبعد ساعات ثلاث، طبّقتُه. كانت الزّنقة التي يقطن بها محسن وأمه شبه فارغة حين دلفتُ إليها، وقبل أن أطرق السّتارة المعدنيّة لنافذة محلّ محسن، شعرتُ بِيد تَلمس مرفقي. التفتّ، فوجدتُها قبالتي. إنّها شامة، عائدة مِن محلّ البقّال. أقول لها بِصوت خافت إنّي كنت سأطرق على محسن وأطلب منه إصلاح هاتفي المحمول. تقول هي : "إذهب الآن وعد بعد غد - الثّلاثاء - فسيكون قد سافر إلى القصر الكبير". لا تُطيل معي الكلام طبعاً، وبدوري، فإنّي أسارع إلى الانصراف، قائلاً في نفسي : "سَفرته هاته أحسن ما سيقوم به في حياته".
يَضغط حمزة بكفّه المبسوطة على طرف من الصّخرة التي يجلس فوقها: إنّه يتهيّأ لِلنّهوض. سيتوجّه نحو بيت شامة، فقد حلّ مساء الثّلاثاء، ويُفترَض أنّ مُحسن هو الآن في القصر الكبير. على أيّ حال، يُفكّر حمزة، سأطرق باب بيتها وفي يدي هاتفي المحمول المعطوب. فإذا فتحت هي، فيا للمسرّة التي ستفعم قلبي وحواسّي، وإن فتح هُو، أُقَدِّم له الهاتف وأقول : "اعذرني يا محسن على الإزعاج، فأنا في أمسّ الحاجة إلى هاتفي الآن، وأنتَ قادر على إصلاحه فأَسْعِفني...". وشرع حمزة في صعود منحدَر، ورَمق نفس الكلب مِن جديد، أي ذاك الذي بدا له قبل لحظات مُعتمِراً طربوشاً أحمر شكّلته فوق رأسه كتلة هلاميّة من أشعة الشّمس الغاربة. كان وحده الذي يتمشّى الآن، وكانت مجموعة من الكلاب منتشرة تحت إحدى الأشجار القريبة من باب الحيّ العُلويّ.
يمرّ حمزة بالقرب من السّقّاية الفاصلة بين الحيّ الذي يقطن به، وحيّ النّور، حيثُ مسكن شامة وابنها. يُفكّر حمزة: "هذه السّقّاية تتدهور يوماً بعد يوم. والفسيفساء التي كانت تُزيّنها انقلع العديد من مربّعاتها". أثناء سيره، يرى جماعة يلعبون الضّامة أمام الفرن، المغلق منذ وقت طويل. يقترب منهم. يقول: السّلام عليكم، بِصوت خافت. يردّ بعضهم بغمغمات دون أن يرفع أحد رأسه. يُفكّر حمزة: "هذه علامة إيجابيّة، لا أحد يهتمّ بي أو ينظر إليّ". يتابع طريقه، يقترب من المستشفى الذي كان مِن معالم حيّ النّور. لقد تدهورت أحواله، بِدوره. في أيّام عِزّه كان يحلّ به طبيب عِدّة مرّات في الأسبوع، وكان يشتغل فيه عدد من الممرّضين. أمّا الآن فلن تجد فيه سوى ممرّضاً أو ممرّضَين. آخر طبيب كان يستقبل فيه المرضى هو الكونغولي أنطونيو ݣوميس. كان مقتدراً ومُستقيماً وكان النّاس يُقدّرونه. أكثرهم كانوا يُسَمّونه الݣُونْݣُو... يتساءل أحمد : "قلبي يُحَدّثني بِأنّها هي التي ستفتح... وهو؟" ويُجيب نفسه: "إنّه في القَصر الكبير". ثُمّ ينقص مستوى تفاؤله، فيُفَكِّر: "إمّا وإمّا". يتذكّر الأستاذ الذي درّسه الفلسفة في سنة البكالوريا، وكيف ردَّد أكثر مِن مرّة، ذات حِصّة، عنوان كتاب لكيركغارد : إمّا... أو، إمّا... أوْ، إمّا أوْ...
أتجاوز المستشفى وأتقدّم إلى أن أبلغ الزّنقة التي يُوجَد بها مسكن شامة ومحسن، وجنبه محلّ هذا الأخير. السّتار المعدني مُسدَل على نافذة المحلّ، ومشدود بِقفل إلى عروة حديدية بحافة النافذة. منطقيّ جِدّاً أن أطرق باب البيت، فهذا هاتفي المحمول في يُسْراي. أقف أمام الباب، طارداً إلى البعيد أيّ هاجس يُمكن أن يُعكِّر صَفوي. أَنقر بِأصابع يُمناي نقراً خفيفاً. هنالك مَن يتحرّك خلف الباب. الهاتف في يمناي. يَنشقّ الباب رُويداً وتظهر هي مِن خلفه، واضعةً سبّابتها أمام شفتيها كيْ لا أتكلّم. تُشير إليّ بحركة متسارعة من يدها أَنْ أدخل. ألتفتُ يمنة ويسرة بِشكل سريع. ما من أحد يراني. أَنْْفُذ إلى داخل البيت.
21 ـــ 10 ـــ 2026
أَخرج من البيت. أنزل طريقاً منحدرة لدقيقتين وأنعرج يساراً. أصِل إلى باب مُقَوَّس كبير وأمرق منه إلى خارج حيّنا، "دْيورْ لَحجَرْ". ثمّ إلى اليسار مُجَدّداً. أسير في منبسط مِن الأرض، تتجاور فيه بُقَع مُتربة وأُخرى مُعشوشبة. أسير تحت أشجار كاليتوس. إلى يساري الآن، بيوت، أبوابُ بعضِها مفتوحة، وأمام واحد منها أطفال، منهم مَن يلعب ومنهم مَن يبكي. خلف شجرات كاليتوس إلى يميني، هنالك صخرة كبيرة، فوقها سأجلس لِلحظات، وأَنْعَم بلحظات تأمّل، مُغَلِّباً خلالها التّفاؤل : شامة هي التي ستفتح الباب، وسننعم بلحظات طويل من التّحابّ العجيب. أمّا إذا... فسأنتكس، وألجأ إلى ذريعة الهاتف المعطوب... فمحسن مُصلح هواتف محمولة.
أنا في وَهدة بالقياس إلى الباب الكبير المُقوّس وإلى الحيّ كلّه. أُدَخّن وأنتظر حلول الغروب، وهو ليس بِبعيد. أَرفع عينيّ صوب طيور تُحلّق في الأعلى. أسرّحُ بصري فيما حولي. كأنّ هنالك موسيقى خافتة تُعْزَف في ذهني. يمرّ كلبٌ على مبعدة منّي. لا يُدير رأسه نحوي. يستمرّ في سيره، هادئاً، مُفكِّراً في شؤونه الخاصّة. ألتفت صوب الباب المُقَوَّس الكبير، فأرى نفسي فتىً يُهرول نحوه، وقدمُه تُدحرج كرةً بركلات متتالية. ثمّ يَدخل الفتى ويختفي هو وكرته.
أرغب في أن أعرف كم هي السّاعة الآن. لكنْ لَن يُطالعني على شاشة الهاتف سِوى السّواد. أحرّك رأسي يميناً، فأرى الكلب الذي كان قد مضى، قبل وقت قصير، صاعداً العقبة، عائداً من حيث كان، اً هذه المرّة. وها هو يخبّ على الأرض المنبسطة قبالتي ويُحرّك أذنيه، ملتفتاً نحوي. كأنّه بدوره تذكّرني ويريد أن يقول لي شيئاً ما. والشّمس التي بدأتْ تغرب تكرّمت بوافر من حُزَم الأشعّة المحمرّة على الأشجار والعُشب القصير، وحتّى على رأس الكلب الذي يبدو الآن معتمراً طاقية حمراء غريبة شيئاً ما. يُفكِّر حمزة، ممازحاً نَفسَه: "طواقي الكلاب لا بُدّ أنْ تكون غريبة".
أنا الآن أتهيّأ، وبعد لحظات، سأتّجه صوب بيت شامة، وهو في "حيّ النّور" القريب. ابنُها مُحسن يسكن معها بالطّبع، لكنْ "يُفترَض" أنه قد سافر اليوم إلى القصر الكبير. كنتُ قد قصدتُ محلّه - وهو ملاصق للبيت الذي يسكن به مع أمّه- يوم الأحد، لكنّ أمّه، التي كانت عائدة إلى البيت، رأتني قبل أن أطرق نافذة محلّ مُحسن أو باب بيتهما، بمجرّد وصولي، فجاءت إليّ واقترحت عليّ أن أعود الثلاثاء، أي اليوم، مُضيفة أنّ ابنها سيكون قد غادر برديشة لأيّام معدودة يَقضيها في القصر الكبير.
بالطّبع، فمحسن ليس على علم بقصّة الغرام السّرّي التي تجمعني - من بعيد - بِأُمّه شامة. وفيما يخصّني، فهذه القصّة لا تُفسِد للودّ قضيّة بيني وبينه. أعرفُ محسن مُذْ كان طفلاً، وهو أصغر منّي ببضع سنوات. أمّا أمّه، فتعرفني وأعرفها منذ أن كنتُ في نحو العاشرة.
بالفعل، فقد كنتُ في نَحو العاشرة حين انطبعتْ لشامة صورة خاصّة في مُخيِّلتي، لم تَدم إلّا لِلحظات. ففي تلك الأيّام، كنتُ كثيراً ما أذْرَع أزقّة حيّ النّور، وأتوقّف عند الفرن مثلاً، أو قُرب المستشفى أو بجانب السّقّاية، التي كانتْ نِسوة عديدات يملأن سطولهنّ من مائها. كانت شامة طويلة وجميلة، منبسطة الأسارير ورشيقة. وكانت ساقاها تُعجبانني بِشكل خاصّ، وأكثر مِن مرّة لمحتني وأنا مع أطفال آخرين، أُنْعم فيهما النّظر، وكان ذلك يَستثير منها ابتسامة خفيفة جِدّاً، وكنتٌ ألحظ طيف الابتسامة ذاك. ذات مرّة، سمعتُ امرأةً مِن معارفها تُمازحها قائلة: "آه يا شامة، ماذا لو استيقظتِ يوماً واكتشفت أنّكِ قَد نَمَتْ لك خُصْيَتان". قهقهتْ شامة وقالت: "الله ينجّيني آخّيتي". وضحكتُ أنا أيضاً، لكنّ المرأتين لم تنتبها إليّ، فأنا لم أكنْ قريباً جِدّاً منهما. كانت شامة امرأة جميلة ومفعمة أنوثة. وفي مساءٍ مّا، كنّا مجموعة أطفال نَلعب على ناصية حيّ النّور، حول كومة رمل كبيرة، قُرْبها رُكام آجُرّ وأكياسُ خَيْش بها إسمنت، وكان هنالك شخص يحرس موادّ البناء تلك، وكنّا نُغافله فنتدافع على كومة الرّمل، ونُسقِط كُتلاً منها فتتبعثر أو تُفرّقُها الرّيح وتذروها... ويتنبّه الحارس لِما كُنّا نفعل، فيصرخ فينا، ثمّ يشتمنا ويتوعّدنا... كان يومها جالساً تحت شجرة يُدَخّن سيجارة، بعيداً عن الآجرّ وكومة الرّمل وأكياس الإسمنت، وبدأنا نلعب فوق كتلة الرّمل وحواليها، ولمّا رآنا وأدرك أنّنا لا نتأثّر بشتائمه ووعيده، انتفض ووقف، ثمّ انحنى والتقط من الأرض أحجاراً وشَرع في قذفنا بها. فهربنا وتفرّقْنا. وقد شعرتُ بشيء من الزُّهُوّ لكوني حنيتُ رأسي يميناً في الوقت المُلائم، فمرّ حَجر مِن فوق كتفي اليُسرى ولمْ يُصِبني في الجبين. مضيتُ إذنْ في طريقي وأنا أَصْفِر، ووقتَها بدتْ لي شامة قادمة لِوَحْدها، تحمل بضائع في كيس أحمر. بعد أن تجاوزتْني، استدرتُ برأسي نحوها، ثمّ قُلت: "للّا شامة، للّا شامة..."، فتوقّفتْ والتفتتْ إليّ. وبتلقائيّة، قلتُ لها: "للّا شامة، هل نَمَت لك خصيتان؟". بدا لي أنّها انشدهتْ، وبالفعل فهي لم تُحِرْ جواباً. لكنّها لَمْ تشتُمني. أمّا أنا، فأطلقتُ ساقيّ للرّيح. بعد ذلك بسنة وبضعة شهور، رأيتُها عابرةً، إثر وفاة زوجها قَدّور، الذي صدمته حافلة ركّاب وهو على درّاجته النّاريّة. جاءتني فكرة الذّهاب إليها وتعزيتها، لكنّي تراجعت، مخافة أنْ ترى في ذلك تطاوُلاً منّي.
بعد مُضِيِّ زمن طويل على طرحي لذلك السّؤال المثير الذي شُدِهت له شامة، وبعد أنْ دخلتْ تلك الواقعة بالنّسبة إليّ في طيّ النّسيان، فاجأتني هي، ذات صباح، وأنا واقف في أسفل منحدر اعتدتُ أنْ أنزله مُتّجهاً إلى ثانوية شوقي. كنتُ وقتها تلميذاً، في نحو السّابعة عشرة، وفي قسم البكالوريا. في ذلك الصّباح بالتّحديد، لم أكن في طريقي إلى الثّانويّة، بل كنت أدندن بمطلع أغنية لمحمد عبد الوهاب، وأتمشّى قُرب شجرات ليمون. وفجأة شعرتُ بِيد تُمسكني من ياقة قميصي. اليد قويّة لكنّها لا تجتذب الياقة حَدَّ خَنقي. ثمّ أرخت اليد قبضتها عن ياقتي شيئاً فشيئاً. وبقيتْ إصبعان تضغطان عنقي بشكل مباشر، ضغطاً ناعِماً في الواقع. التفتْتُ، فوجدتُ أمامي شامة بقامتها الفارهة. اكتشفتُ لحظتَها أنّي ما أزال منجذباً إلى وجهها، كما كان حالي وأنا أصغر سِنّاً. لذا ابتسمتُ لها، ثمّ وجّهتُ بَصري نحو ساقيها. كانتْ هي قد تجاوزت الثّلاثين بسنوات. ابتسمتْ لي وكانت عيناها تلتمعان. وضعتْ كفّها على عنقي واجتذبتني لأتبعها وقالتْ لي: "تَعال، تعال". أدخلتني بين أشجار متقاربة بحيثُ لا يرانا مَن قد يمرّ بقربنا أو بعيداً عنّا. لامستْ وجهي بكفّها مُداعبةً، وقالت بصوت خافت: "عْقَلْتِ آشْ كُنْتِ ݣُلْتِ لِيّا آ الشِّيطانْ" (تتذكّر ما كنتَ قد قلْتَ لي، يا شيطان). ابتسمتُ وقلت: "كُنْتْ أمزح معك فقط، آ...للّا شامة". ثمّ أمسكتْ بِرُسغ يدي اليمنى. كانت تلبس جَّلّابية برتقالية وتملّت عيناي بثدييها اللذين في حجم نهدي مُراهقة. كان بين ثنيّتيها الفَوقيّتين فَلَجٌ بدا لي لحظتَها أنّه، بِشكلٍ ما، علامة على طِيبة قلبها. أمسكتْ بِرُسغي وبدأت تجذب كفّي نحو فتحة جانبيّة بجلّابيتها، وقالتْ: "أدخِل يدك"، فأدخلتُ يَدي. ومن خارج الجلّابية، دفعَتْ بيدي إلى أسفل ما بين فخذيها، وقالتْ بِصوتٍ تَهدَّج قليلاً: "لامِسْ بِكفّك، لامِسْ، هل تجد خُصيتين ها هنا يا وغد؟"، وضحكَتْ. بسطتُ كفّي ومَرّرْتُها على رابيتِها، مِن فوق ثوب سروالها وتُبّانها. لم أتكلّم، ولم أسحبْ كفّي. قالتْ بِصوتٍ مُرتعشٍ فليلاً: "قُلْ. ماذا هنالك تحت كفّك؟" ابتسمتُ ولم أردّ. وامتدّت كفّي إلى ردفها الأيسر ولامستْه بِسرعة، صعوداً ونزولاً. وإذْ كنتُ أشرئبّ نَحوها لِأمتصّ شفتها العليا - أو السّفلى - سمعنا شخصاً بأعلى الوهدة التي نقف فيها، يُوقِف درّاجته الهوائيّة على قارعة الطّريق المُشْرِف على الأشجار التي نتخفّى بينها، ويُزمجر ويدمدم. كان يلعن المسمار الّذي ثقب إحدى عجلتي درّاجته. وكانت شفتاي قد اقتنصتا مُقدَّم شفة شامة العُليا فجعلتهما الزمجرة القادمة مِن فوق تكتفيان بذلك وتتراجعان دون أن تكتمل القُبلة. ثمّ قالت لي شامة، يِصوت خافت جِدّاً : "بالسّلامة يا حمزة.."، وأضافت، مُوشوِشةً: "أعرف اسْمك مُذْ كنتَ طِفلاً".
بعد ذلك اللقاء، أو تلك المغامرة الصّغيرة، كان حمزة يراها في أحيان قليلة، بِشكل عابر، وحين تلتقي عيونهما يتبادلان نظرات محبّة ورغبة مِن بعيد، ونادراً ما كان أحدهما يشير إلى الآخر مُحَيّياً... ثمّ جاء يوم فَرح فيه حمزة بالحصول على البكالوريا، وبعدها أصبح طالباً في شعبة الفرنسيّة بآداب الرّباط، لا يعود إلى برديشة إلّا خلال العُطَل.
في مستهلّ إحدى العُطَل، حدثَ أنْ كنتُ في محطّة حافلاتٍ بالرّباط، على نِيّة العودة إلى برديشة. وجاءت شامة إلى نفس المحطّة لنفس الهدف، بعد أن قَضَتْ أيّاماً عند أُختٍ لها في العاصمة. سُرِرنا بالمُصادفة غير المُتَوَقّعة. بدا ذلك على ملامح شامة، وشعرتُ أيضاً بِوَجهي يَحْمَرّ، وأساريري تنفرج. وكأنّما باتّفاق مُسبق بيننا، اكتفينا بِمُصافحة سريعة وكلمات قليلة، ثمّ تباعدْنا قليلاً، كي لا نُثير انتباه أيّ كان. وبقينا ننتظر الحافلة التي ستُقلّنا إلى مدينتنا، وقد جاءت بعد الغروب بنحو نصف ساعة. صعدتْ شامة ومعها حقيبة متوسّطة الحجم، وفعلتُ أنا الشّيء نفسه وفي يدي حقيبة أصغر. بعد أن رَكَنَّا الحقيبتين على رفّ طويل مُشبّك تحت سقف الحافلة، دفعتْ بي شامة إلى المقعد الّذي في الرّكن، جنب نافذة مُغلقة، وجلستْ هي بجانبي. أوّل ما قُمتُ به أنا هو إسدال السّتارة على النّافذة. حلّت شامة إلى يساري، وإلى يسارها هي جلستْ امرأة عجوز نحيلة. فكّرتُ: "لِحسن حظّنا أن تكون جارة شامة هي هاته المرأة العجوز، التي لا شكّ أنّها عديمة القدرة على التقاط الأصوات الطّفيفة. بل يبدو لي أنّها سرعان ما ستغطّ في النّوم". ثمّ انطلقتْ بنا الحافلة.
كانت العتمة تُخيّم علينا، واقتربتْ شامة منّي حتّى تلاصق جَنبانا. ثمّ وقفتْ وتناولتْ حقيبتها ووضعتْها على رُكبتيها وفتحتها وأخرجتْ منها فوطة حمّام، طويلة وعريضة، بدا لي أنّها زرقاء، وفكّرتُ أنّه من الممكن أن تكون خضراء غامقة. شعرتُ أنّ شامة تتهيّج قليلاً، بِشكل غير ملموس، وأنا أيضاً. لكنْ كان مِن حولنا رُكّاب.
أعادت الحقيبة إلى الرّفّ الفوقيّ، وبسطت الفُوطة على فخذيها وعلى فخذيّ. انزلقتْ يدي اليُسرى مِن تحت الفوطة وبدأتْ تُلامس فخذها بأناة، جيئة وذهاباً، ونزولاً وصعوداً. ثمّ أدخلتُ يدي من فتحة جلبابها ورفعتُ طرف قميصها الذي تحت الجلّابيّة فوضعتُ كفّي على فخذها، من فوق سروالها. وقد سحبتُ يدِي حين شرعتْ هي في ملامسات سريعة لذراعِي وفخذِي، ثمّ وضعتْ جَماع كفّها اليُمنى على المنطقة الوسطى، مِن فوق بنطالي، ومن تحت الفوطة طبعاً. خلعتُ جاكيتتي وبسطتُها لِتُساعد الفوطة في سَتر الوقائع الإيروسيّة التي كنّا بَطليها، ثمّ فككتُ زرّ بنطالي وفَتحتُ سحّابه، لُأُسَهِّل على شامة ما تضطلع به مِن مَهامّ. بعد لحظات توقَّفَتْْ، ووقفتْ، وجذبتْ حقيبتها من الرّفّ، ثمّ وضعتها على رُكبتيها وأخرجتْ منها عباءة طويلة وعريضة. أعادت الحقيبة إلى مكانها، ودفعتْ جاكيتتي فأزحتُها جانباً. بسطتْ عباءتها مُغطّية بها أسفلَ جِذعي وفَخذيّ، وإثر ذلك، انحنتْ هي جانبيّاً، ووضعتْ رأسَها على فخذِي كأنّها تٌزمع أن تَنعم بِغفوة قصيرة، فيما كانت العباءة تُغَطّي رأسَها وجذعَها. بسطتُ أنا الفوطة الزّرقاء فوق العباءة مُوَفِّراً لِشامة غطاءً أكثر سُمْكاً، وانعطفتْ هي بِوجهها رُويداً رُوَيْداً، فباعدتُ أنا ما بين رُكبتيّ، وأدخلتْ يدها وبدأت شفتاها تمنحانني لذّة مُسْكِرة. كرّرتْ مرّاتٍ ذلك الهبوط والطّلوع اللذين يترواحان بين التّأنّي والإسراع، وتوجّستُ من أن تحين لحظة تستبدّ بي خلالها اهتزازة مباغتة ويختضّ جِذعي، وقد يصدر عنّي صوتٌ فاضح فينكشفَ أمرنا. لكنّ الّذِي باغتنا كان شِبه انتفاضة وَجيزة مِن العجوز المُجاورة لِشامة، فقد اهتزّ منكباها إلى الأمام قليلاَ، وتحرّك رأسُها بِسرعة وسمّرتْ عينيها على المكان الّذي كان قد استقرّ فيه رأس شامة، وكانت هذه الأخيرة مُولِيَةً وجهها إلى أسفل. وسرعان ما عادت العجوز لِتنظر نحو ظَهر الكرسيّ الذي أمامها، ثمّ تنحْنحت مِراراً، وشعرتُ أنّ صوتها لم يَكن يَشي بامتعاض حَقيقيّ، وقلتُ في نفسي: "لربّما هي تَتمنّى، في قَرارة نَفسِها، أن يستمرّ الفيلم "الغراميّ" الّذي بدأت مشاهدُه الأولى بالقُربِ منها. أمّا شامة فقد سارعت إلى الاستقامة بِجذعها. وبعد دقائق، وَقفتِ الحافلة وأشعلتْ أَنوارها الدّاخليّة، وبدأ مُساعد سائقها يُرَدّد بصوت جَهير: "يالْله آمّالينْ برّشيد". فشرع قاصدو مدينة برّشيد في النّزول. وصعد أشخاص يُريدون الذّهاب إلى برديشة...
ثمّ انطلقت الحافلة مِن جَديد… وخلال ما تبقّى من الطّريق، كنتُ أتساءل: هل يُمكن أن آخذ معي شامة إلى البيت المنعزل والخاصّ بي في مسكننا العائليّ (الفسيح إلى حدّ ما). سأقترح عليها ذلك حين ننزل، وهي بالطّبع ستتبعني حتّى ندلف معاً إلى... سريري !
بقينا، شامة وأنا، على رصانتنا خلال ماتبقّى من الطّريق. كنتُ أحلم صامتاً بتتمّة سعيدة لِلمغامرة التي ابتدأناها في هذه الحافلة. وحين وصلنا إلى برديشة، ونهضنا - نحن الرّكّاب - لِننزل، كانت شامة تتقدّمني، يفصل بيني وبينها رجلان وامرأة. في الخارج، كان هنالك ظلام، لكنّ سَوادَه لم يكن كثيفاً. نَزلتُ، وفي نيّتي أنْ ألحق بِشامة وأمسك بساعدها وأوضّح لها المشروع بِسرعة، ولكنّي حين نزلت، رأيتها تبتعد، يُرافقها ابنها محسن الذي كان ينتظر وصول الحافلة التي تُقِلّها. فمحسن - الذي غادر الدّراسة منذ سنتين - كان له الآن مَحلّ صغير، لَصيق بمسكنهما هو والأمّ، يبيع فيه الهواتف المحمولة ويُصلحها. كان ذلك المحلّ عبارة عن غرفة من بيت الأسرة، جُعلت لها نافذة كبيرة تُطِلّ على الزّقاق، من خلالها يتعامل محسن مع زبنائه.
بعد مرور خمسة أيّام على مجيئي إلى برديشة وشامة بِجانبي، وانتكاس مشروعي المعلوم بِسبب حضور ابنها لاستقبالها، كنتُ جالساً لِوَحدي في مقهى، أرفع عينيّ مِن حين لِآخر وأنظر إلى أعلى أو إلى العابرين وغالباً إلى يافطات المحلّات التّجاريّة الّتي على الجانب الآخر من الشّارع، ثمّ أخفضهما وأوجّههما إلى شاشة هاتفي المحمول، فقد كنتُ ألعب مباراة ضَامة مع نفسي. ثمّ حدث أمر تضايقتُ منه حَقّاً، إذ انزلق الهاتف مِن يدي وسقط على الأرضية الرّخاميّة، ونطّ والتفّ حول نفسه كخذروف وسرعان ما انكفأ على وجهه في هدوء. نهضتُ والتقطتُه، وتبيّنتُ أنّه لم يعد ممكناً أنْ أقْرأَ على شاشته الأسماء والأرقام المُدْرَجة في قائمة الاتّصال أو أيّ شيء آخر. مباراة الضّامة كانت شيّقة، وللأسف لم تَكتمل. لا بُدّ من أن أصلح شاشة الهاتف، فهو يختزن أرقام هواتف ورسائلَ قصيرة وصُوَراً... وعلى غير انتظار، تراءى على شاشة ذهني وجهُ شامة، ثمّ استعدتُ آخر مشهد جمعنا قبل أيّام: هي تتقدّمني في الممرّ الممتدّ بين صفّي مجموعات الكراسيّ في الحافلة، وأنا خلفَها، يفصلني عنها أشخاص وفي ذهني يتشكّل مشروع أخذها معي، هذا المشروع الذي سيتبخّر إثْر نزولي. هكذا عقدتُ العَزم على أن آخذ هاتفي المعطوب إلى محسن نفسه لِيُصلحه. لِماذا اتَّخذتُ هذا القرار؟ لا أدري بالضّبط. المهمّ أنّني اتّخذتُه. وبعد ساعات ثلاث، طبّقتُه. كانت الزّنقة التي يقطن بها محسن وأمه شبه فارغة حين دلفتُ إليها، وقبل أن أطرق السّتارة المعدنيّة لنافذة محلّ محسن، شعرتُ بِيد تَلمس مرفقي. التفتّ، فوجدتُها قبالتي. إنّها شامة، عائدة مِن محلّ البقّال. أقول لها بِصوت خافت إنّي كنت سأطرق على محسن وأطلب منه إصلاح هاتفي المحمول. تقول هي : "إذهب الآن وعد بعد غد - الثّلاثاء - فسيكون قد سافر إلى القصر الكبير". لا تُطيل معي الكلام طبعاً، وبدوري، فإنّي أسارع إلى الانصراف، قائلاً في نفسي : "سَفرته هاته أحسن ما سيقوم به في حياته".
يَضغط حمزة بكفّه المبسوطة على طرف من الصّخرة التي يجلس فوقها: إنّه يتهيّأ لِلنّهوض. سيتوجّه نحو بيت شامة، فقد حلّ مساء الثّلاثاء، ويُفترَض أنّ مُحسن هو الآن في القصر الكبير. على أيّ حال، يُفكّر حمزة، سأطرق باب بيتها وفي يدي هاتفي المحمول المعطوب. فإذا فتحت هي، فيا للمسرّة التي ستفعم قلبي وحواسّي، وإن فتح هُو، أُقَدِّم له الهاتف وأقول : "اعذرني يا محسن على الإزعاج، فأنا في أمسّ الحاجة إلى هاتفي الآن، وأنتَ قادر على إصلاحه فأَسْعِفني...". وشرع حمزة في صعود منحدَر، ورَمق نفس الكلب مِن جديد، أي ذاك الذي بدا له قبل لحظات مُعتمِراً طربوشاً أحمر شكّلته فوق رأسه كتلة هلاميّة من أشعة الشّمس الغاربة. كان وحده الذي يتمشّى الآن، وكانت مجموعة من الكلاب منتشرة تحت إحدى الأشجار القريبة من باب الحيّ العُلويّ.
يمرّ حمزة بالقرب من السّقّاية الفاصلة بين الحيّ الذي يقطن به، وحيّ النّور، حيثُ مسكن شامة وابنها. يُفكّر حمزة: "هذه السّقّاية تتدهور يوماً بعد يوم. والفسيفساء التي كانت تُزيّنها انقلع العديد من مربّعاتها". أثناء سيره، يرى جماعة يلعبون الضّامة أمام الفرن، المغلق منذ وقت طويل. يقترب منهم. يقول: السّلام عليكم، بِصوت خافت. يردّ بعضهم بغمغمات دون أن يرفع أحد رأسه. يُفكّر حمزة: "هذه علامة إيجابيّة، لا أحد يهتمّ بي أو ينظر إليّ". يتابع طريقه، يقترب من المستشفى الذي كان مِن معالم حيّ النّور. لقد تدهورت أحواله، بِدوره. في أيّام عِزّه كان يحلّ به طبيب عِدّة مرّات في الأسبوع، وكان يشتغل فيه عدد من الممرّضين. أمّا الآن فلن تجد فيه سوى ممرّضاً أو ممرّضَين. آخر طبيب كان يستقبل فيه المرضى هو الكونغولي أنطونيو ݣوميس. كان مقتدراً ومُستقيماً وكان النّاس يُقدّرونه. أكثرهم كانوا يُسَمّونه الݣُونْݣُو... يتساءل أحمد : "قلبي يُحَدّثني بِأنّها هي التي ستفتح... وهو؟" ويُجيب نفسه: "إنّه في القَصر الكبير". ثُمّ ينقص مستوى تفاؤله، فيُفَكِّر: "إمّا وإمّا". يتذكّر الأستاذ الذي درّسه الفلسفة في سنة البكالوريا، وكيف ردَّد أكثر مِن مرّة، ذات حِصّة، عنوان كتاب لكيركغارد : إمّا... أو، إمّا... أوْ، إمّا أوْ...
أتجاوز المستشفى وأتقدّم إلى أن أبلغ الزّنقة التي يُوجَد بها مسكن شامة ومحسن، وجنبه محلّ هذا الأخير. السّتار المعدني مُسدَل على نافذة المحلّ، ومشدود بِقفل إلى عروة حديدية بحافة النافذة. منطقيّ جِدّاً أن أطرق باب البيت، فهذا هاتفي المحمول في يُسْراي. أقف أمام الباب، طارداً إلى البعيد أيّ هاجس يُمكن أن يُعكِّر صَفوي. أَنقر بِأصابع يُمناي نقراً خفيفاً. هنالك مَن يتحرّك خلف الباب. الهاتف في يمناي. يَنشقّ الباب رُويداً وتظهر هي مِن خلفه، واضعةً سبّابتها أمام شفتيها كيْ لا أتكلّم. تُشير إليّ بحركة متسارعة من يدها أَنْ أدخل. ألتفتُ يمنة ويسرة بِشكل سريع. ما من أحد يراني. أَنْْفُذ إلى داخل البيت.
21 ـــ 10 ـــ 2026