فتحت ليلى عينيها.
اقتربت منها ممرضة المستشفى، وانحنت فوقها مبتسمة.
ـ حمدًا لله على السلامة.
استدعت الممرضة الطبيب على عجل.
حاولت ليلى أن تتكلم، فخرج صوتها ضعيفًا:
ـ ماذا حدث؟
قالت الممرضة:
ـ صدمتك سيارة أثناء عبورك الطريق.
حدقت فيها ليلى بدهشة، ثم سألت:
ـ أين زوجي؟
تبادلت الممرضة والطبيب نظرة سريعة.
اقترب الطبيب منها.
ـ هل تتذكرين أين كنتِ قبل أن تأتي إلى المستشفى؟
ـ في بيتي.
ـ ومن كان معك؟
ـ ممدوح... زوجي.
قال الطبيب بجدية:
ـ لا تجهدي عقلك الآن. إن شاء الله ستنتظم ذاكرتك.
قالت الممرضة:
ـ والداكِ في الخارج.
تجمّد وجهها.
حدقت فيها كأنها لم تفهم.
ـ لا... لا يمكن.
ثم ارتفع صوتها:
ـ أبي مات على يدي هنا في هذه المستشفى!!
لم تستطع ليلى أن تستوعب كيف يمكن لأبيها، الذي تتذكر جنازته وموته، أن يكون موجودًا خلف باب الغرفة.
انفتح الباب.
كان أبوها يقف أمامها.
الوجه نفسه.
العينان نفسيهما.
اقترب منها ببطء، ومد يده إليها.
حدقت فيها لحظة، ثم لمستها.
كانت دافئة.
سحبت يدها بسرعة.
ـ أنت ميت!
قال الأب، وهو يبكي:
ـ أنا حي يا ليلى... لم أمت.
ثم ظهرت أمها عند الباب.
وحين التقت عيناها بعينيها، انهارت تمامًا.
دفنت وجهها في صدرها، وراحت تبكي.
هدأت قليلًا، لكنها لم تتوقف عن السؤال عن زوجها وابنيها.
قالت للممرضة:
ـ اتصلي به.
وأملت عليها رقم الهاتف المحمول من ذاكرتها.
ـ قولي لممدوح إنني استيقظت.
ترددت الممرضة، ونظرت إلى الطبيب.
همس الطبيب وكأنه يجاري ليلى :
ـ لن نخسر شيئًا إذا حاولنا.
مرت برهة قصيرة، ثم عادت وهي مصدومة،قالت :
الرقم الذي اتصلتِ به... صاحبه فعلا اسمه ممدوح!!
نظر الطبيب إليها في دهشة، وقبل أن ينبس بكلمة أردفت الممرضة ؛
هو في الطريق الآن إلى المستشفى.
---
دخل ممدوح الغرفة، وإلى جواره طفلان.
ما إن رأته حتى أشرقت ملامحها، ومدت ذراعيها نحوهما:
ـ تامر... عمر...
توقف الطفلان، والتصقا بأبيهما.
ظلت ذراعاها ممدودتين.
ـ تعاليا... أمكما هنا.
لم يتحركا.
بدأت ابتسامتها تنطفئ.
نظرت إلى ممدوح:
ـ لماذا يخافان مني؟
ظل صامتًا.
ـ قرّبهما مني.
لم يتحرك.
رفعت عينيها إليه:
ـ ممدوح... ماذا بك؟
ثم عادت تنادي الطفلين:
ـ عمر... تامر... تعاليا.
ازداد التصاقهما بأبيهما.
قالت في ألم:
ـ كنتما دائمًا تركضان إليّ.
ظل ممدوح ينظر إليها، مرتبكًا.
ثم سأل:
ـ كيف تعرفين اسميهما؟
حدقت فيه غير مصدقة، صاحت به :
ـ أنا أمّهما... وأنت زوجي!
ارتجف صوته:
ـ زوجتي ماتت منذ شهر.
توقفت أنفاسها لحظة.
ـ ماذا تقول؟!
نظرت إليه كأنها تنتظر أن يبتسم وينهي هذه المزحة الثقيلة.
لكن وجهه ظل جامدًا.
قال أبوها، وقد اقترب منها:
ـ ليلى... أنت لم تتزوجي بعد.
هزت رأسها بعنف.
ـ لا.
ـ ولم تنجبي هذين الطفلين.
قال ممدوح:
ـ أنا لا أعرفك.
حدقت فيه طويلًا.
ـ كيف لا تعرفني؟
خفض عينيه، وبدا عليه هو الآخر أنه عاجز عن تفسير ما يحدث.
نظرت إلى الطفلين، همست:
ـ أنتما ابناي
أعرفكما أكثر مما اعرف نفسي ... أعرف ضحكاتكما، وخوفكما، والأشياء التي كنتما تفعلانها قبل النوم.
ثم التفتت إلى ممدوح:
ـ وأعرفك أنت أيضًا... أعرف بيتنا، وأيامنا، وأشياء لا يعرفها عنك أحد.
صمتت لحظة.
ـ أتذكر ثماني سنوات كاملة.
لم تستطع أمها أن تحبس دموعها.
التفتت إليها ليلى:
ـ كيف يمكن يا أمي أن يخافا مني... وأنا لم أحب أحدًا قط مثلهما؟
اقتربت أمها واحتضنتها بقوة، وانفجرت في البكاء.
تشبثت ليلى بها.
ـ قولي لهم إنني أمّهما يا أمي...
ازداد بكاء أمها.
---
اقترب الطبيب منها.
ـ حاولي أن تهدئي.
ـ لا أريد أن أهدأ... أريد أن أفهم.
ـ لا تزالين تخضعين للعلاج.
ـ أين كنت طوال الفترة الماضية؟
ـ كنتِ هنا... في هذا المستشفى.
صمت قليلًا، ثم قال:
ـ كنتِ في غيبوبة لمدة شهر.
أغمضت عينيها.
وللحظة، عادت إليها صور البيت الآخر:
المطبخ.
النافذة.
سرير الطفلين.
صوت ممدوح.
ضحكة أحدهما.
بكاء الآخر.
ثماني سنوات كاملة.
وضعت يدها على رأسها.
ـ مستحيل أن يكون كل هذا وهما.
قال الطبيب:
ـ ما تشعرين به هو حقيقي بالنسبة إليك.
فتحت عينيها ونظرت إليه
ـ أنت تعرف ما حدث لجسدي خلال الشهر، لكنك لا تعرف ما حدث هنا.
وأشارت إلى رأسها.
ـ إذا كان عقلي قادرًا على أن يمنحني زوجًا وطفلين وبيتًا وثماني سنوات كاملة... فما الذي يضمن لي أن هذه الغرفة حقيقية؟ وأنكم أنتم حقيقيون؟ وأنني أنا... الشخص نفسه الذي كان قبل الغيبوبة؟
لم يجبها.
نظرت إلى الطبيب طويلًا.
ـ هل أنا فعلًا أنا؟
ساد الصمت.
قالت:
ـ إذن أنا عشت أكثر من عمري الحقيقي.
قال الطبيب:
ـ في إحساسك بالزمن، نعم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
ـ وهل هناك فرق؟
ظل السؤال معلقًا في الغرفة.
ثم خطر لها سؤال آخر، لم تستطع طرده.
إذا كان العقل قد استطاع أن يمنحني حياة كاملة لمدة ثماني سنوات خلال شهر واحد، فماذا لو كانت اللحظة التي نعيشها الآن هي الأخرى مجرد غيبوبة؟
أغمضت ليلى عينيها، وهي في الحقيقة لا تعرف، هل كانت تغفو أم تستيقظ؟
اقتربت منها ممرضة المستشفى، وانحنت فوقها مبتسمة.
ـ حمدًا لله على السلامة.
استدعت الممرضة الطبيب على عجل.
حاولت ليلى أن تتكلم، فخرج صوتها ضعيفًا:
ـ ماذا حدث؟
قالت الممرضة:
ـ صدمتك سيارة أثناء عبورك الطريق.
حدقت فيها ليلى بدهشة، ثم سألت:
ـ أين زوجي؟
تبادلت الممرضة والطبيب نظرة سريعة.
اقترب الطبيب منها.
ـ هل تتذكرين أين كنتِ قبل أن تأتي إلى المستشفى؟
ـ في بيتي.
ـ ومن كان معك؟
ـ ممدوح... زوجي.
قال الطبيب بجدية:
ـ لا تجهدي عقلك الآن. إن شاء الله ستنتظم ذاكرتك.
قالت الممرضة:
ـ والداكِ في الخارج.
تجمّد وجهها.
حدقت فيها كأنها لم تفهم.
ـ لا... لا يمكن.
ثم ارتفع صوتها:
ـ أبي مات على يدي هنا في هذه المستشفى!!
لم تستطع ليلى أن تستوعب كيف يمكن لأبيها، الذي تتذكر جنازته وموته، أن يكون موجودًا خلف باب الغرفة.
انفتح الباب.
كان أبوها يقف أمامها.
الوجه نفسه.
العينان نفسيهما.
اقترب منها ببطء، ومد يده إليها.
حدقت فيها لحظة، ثم لمستها.
كانت دافئة.
سحبت يدها بسرعة.
ـ أنت ميت!
قال الأب، وهو يبكي:
ـ أنا حي يا ليلى... لم أمت.
ثم ظهرت أمها عند الباب.
وحين التقت عيناها بعينيها، انهارت تمامًا.
دفنت وجهها في صدرها، وراحت تبكي.
هدأت قليلًا، لكنها لم تتوقف عن السؤال عن زوجها وابنيها.
قالت للممرضة:
ـ اتصلي به.
وأملت عليها رقم الهاتف المحمول من ذاكرتها.
ـ قولي لممدوح إنني استيقظت.
ترددت الممرضة، ونظرت إلى الطبيب.
همس الطبيب وكأنه يجاري ليلى :
ـ لن نخسر شيئًا إذا حاولنا.
مرت برهة قصيرة، ثم عادت وهي مصدومة،قالت :
الرقم الذي اتصلتِ به... صاحبه فعلا اسمه ممدوح!!
نظر الطبيب إليها في دهشة، وقبل أن ينبس بكلمة أردفت الممرضة ؛
هو في الطريق الآن إلى المستشفى.
---
دخل ممدوح الغرفة، وإلى جواره طفلان.
ما إن رأته حتى أشرقت ملامحها، ومدت ذراعيها نحوهما:
ـ تامر... عمر...
توقف الطفلان، والتصقا بأبيهما.
ظلت ذراعاها ممدودتين.
ـ تعاليا... أمكما هنا.
لم يتحركا.
بدأت ابتسامتها تنطفئ.
نظرت إلى ممدوح:
ـ لماذا يخافان مني؟
ظل صامتًا.
ـ قرّبهما مني.
لم يتحرك.
رفعت عينيها إليه:
ـ ممدوح... ماذا بك؟
ثم عادت تنادي الطفلين:
ـ عمر... تامر... تعاليا.
ازداد التصاقهما بأبيهما.
قالت في ألم:
ـ كنتما دائمًا تركضان إليّ.
ظل ممدوح ينظر إليها، مرتبكًا.
ثم سأل:
ـ كيف تعرفين اسميهما؟
حدقت فيه غير مصدقة، صاحت به :
ـ أنا أمّهما... وأنت زوجي!
ارتجف صوته:
ـ زوجتي ماتت منذ شهر.
توقفت أنفاسها لحظة.
ـ ماذا تقول؟!
نظرت إليه كأنها تنتظر أن يبتسم وينهي هذه المزحة الثقيلة.
لكن وجهه ظل جامدًا.
قال أبوها، وقد اقترب منها:
ـ ليلى... أنت لم تتزوجي بعد.
هزت رأسها بعنف.
ـ لا.
ـ ولم تنجبي هذين الطفلين.
قال ممدوح:
ـ أنا لا أعرفك.
حدقت فيه طويلًا.
ـ كيف لا تعرفني؟
خفض عينيه، وبدا عليه هو الآخر أنه عاجز عن تفسير ما يحدث.
نظرت إلى الطفلين، همست:
ـ أنتما ابناي
أعرفكما أكثر مما اعرف نفسي ... أعرف ضحكاتكما، وخوفكما، والأشياء التي كنتما تفعلانها قبل النوم.
ثم التفتت إلى ممدوح:
ـ وأعرفك أنت أيضًا... أعرف بيتنا، وأيامنا، وأشياء لا يعرفها عنك أحد.
صمتت لحظة.
ـ أتذكر ثماني سنوات كاملة.
لم تستطع أمها أن تحبس دموعها.
التفتت إليها ليلى:
ـ كيف يمكن يا أمي أن يخافا مني... وأنا لم أحب أحدًا قط مثلهما؟
اقتربت أمها واحتضنتها بقوة، وانفجرت في البكاء.
تشبثت ليلى بها.
ـ قولي لهم إنني أمّهما يا أمي...
ازداد بكاء أمها.
---
اقترب الطبيب منها.
ـ حاولي أن تهدئي.
ـ لا أريد أن أهدأ... أريد أن أفهم.
ـ لا تزالين تخضعين للعلاج.
ـ أين كنت طوال الفترة الماضية؟
ـ كنتِ هنا... في هذا المستشفى.
صمت قليلًا، ثم قال:
ـ كنتِ في غيبوبة لمدة شهر.
أغمضت عينيها.
وللحظة، عادت إليها صور البيت الآخر:
المطبخ.
النافذة.
سرير الطفلين.
صوت ممدوح.
ضحكة أحدهما.
بكاء الآخر.
ثماني سنوات كاملة.
وضعت يدها على رأسها.
ـ مستحيل أن يكون كل هذا وهما.
قال الطبيب:
ـ ما تشعرين به هو حقيقي بالنسبة إليك.
فتحت عينيها ونظرت إليه
ـ أنت تعرف ما حدث لجسدي خلال الشهر، لكنك لا تعرف ما حدث هنا.
وأشارت إلى رأسها.
ـ إذا كان عقلي قادرًا على أن يمنحني زوجًا وطفلين وبيتًا وثماني سنوات كاملة... فما الذي يضمن لي أن هذه الغرفة حقيقية؟ وأنكم أنتم حقيقيون؟ وأنني أنا... الشخص نفسه الذي كان قبل الغيبوبة؟
لم يجبها.
نظرت إلى الطبيب طويلًا.
ـ هل أنا فعلًا أنا؟
ساد الصمت.
قالت:
ـ إذن أنا عشت أكثر من عمري الحقيقي.
قال الطبيب:
ـ في إحساسك بالزمن، نعم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
ـ وهل هناك فرق؟
ظل السؤال معلقًا في الغرفة.
ثم خطر لها سؤال آخر، لم تستطع طرده.
إذا كان العقل قد استطاع أن يمنحني حياة كاملة لمدة ثماني سنوات خلال شهر واحد، فماذا لو كانت اللحظة التي نعيشها الآن هي الأخرى مجرد غيبوبة؟
أغمضت ليلى عينيها، وهي في الحقيقة لا تعرف، هل كانت تغفو أم تستيقظ؟