نبيل العريني - طائرة غزة الورقية... قصة

في صباحٍ صاخبٍ وغريبٍ، كانَ شيءٌ ما يركلُني في بطني، يدعسُني بقدمِهِ، وعندما قلبتُ جسدي بقصدِ الحمايةِ، بالغَ في الدعسِ والدَّكِّ فوقَ ظهري، لم أتذكرْ لحظتَها أني إنسانٌ، شعرتُ وكأني خنفساءُ، حشرةٌ صغيرةٌ وحقيرةٌ، تلتحفُ أرضَ خيمةٍ.
فتحتُ عينيَّ ونظرتُ في سقفِ الخيمةِ، الذي اختفى ولم يعدْ لهُ أثرٌ في الوجودِ، تحوَّلَ سقفُ الخيمةِ في لحظةٍ، إلى وجهِ زوجِ أمي المليءِ بالندوبِ، والذي كانَ وجهَ الشرِّ والغدرِ بالنسبةِ لي.
كانَ يصرخُ بجنونٍ وهو يركلُ بطني دوساً ويزعقُ بعصبيَّةٍ: "قومْ.. قومْ.. نائمٌ يا ابنَ الكلبِ".
كانَ ذلكَ الكلبُ أخاهُ الذي قُتِلَ في قصفِ منزلِ العائلةِ قبلَ سنتينِ، ولم ينتظرْ سوى أربعةِ شهورٍ وعشرةِ أيامٍ، إلى أن تزوَّجَ من زوجتِهِ، عنوةً وغصباً ومن غيرِ إرادةٍ منها.
وأخذَ يهتفُ: "قومْ يا حقيرُ يا سافلُ، قومْ"..!!
لم أستوعبْ سبباً منطقياً لهذا الحنقِ والزعيقِ، ما الذي جرى "لعمي" لكي يسبَّني ويهتفَ بي وهو يركلُ ظهري بهذا العنفِ..! واستمرَّ في قذفِ الأسئلةِ التي كانَ لا ينقطعُ معها السبابُ والشتمُ..
- : "أنتَ عاملٌ طائرةً ورقيَّةً، مطيِّرُها ورابطُها فوقَ النخلةِ"..؟
= : "طيبْ آهْ، أنا عاملٌ طائرةً ورقيَّةً ورابطُها في النخلةِ، أنتَ شو مزعجُكَ، هو أنا رابطُها في رقبتِكَ"..؟!
- : "ولكْ يا حقيرُ يا تافهُ يا قليلَ القيمةِ والمنفعةِ، ضابطُ المخابراتِ الإسرائيليُّ، اتصلَ على ابنِ الجيرانِ، وبلَّغَهُ انُّو نِخلي المخيمَ كلَّهُ بدُّه يقصفُ النخلةَ، لأنَّ جنابَكَ رابطٌ الطائرةَ الورقيَّةَ فيها، يا حيوانُ، يا عديمَ الفائدةِ"..!
= : "ولْ.. ولْ.. ولْ.. ضابطُ المخابراتِ مرَّةً واحدةً، متصلٌ علشان –الطبقِ- ..! هو أنا مطيِّرُ "F16"، من أوَّلِ الصيفِ وأنا بطيِّرُ "الطبقَ" وبربطُهُ بالنخلةِ"..!
- : "يعني أنا جايٌّ من الصبحِ "أتمسخرُ" معكَ، قومْ "فُزَّ" اطلَعْ على النخلةِ وفُكَّ "الطبقَ" قومْ..!"
= : "وكيفَ بدِّي أقومُ أفكُّ "الطبقَ" من فوقِ النخلةِ وهو بدُّه يقصفُ النخلةَ"..؟!
- : "بتفكُّه مثلَ ما ربطتَهُ، هو ضابطُ المخابراتِ الإسرائيليُّ، قايلٌ لجارِنا معكمْ نصفُ ساعةٍ، تفكُّوهُ، يلا قومْ فُزَّ"..! !!
نظرَ "سامي" في وجوهِ إخوتِهِ الممدَّدينَ فوقَ أرضِ الخيمةِ، يتشبَّثونَ في تلابيبِ ألحفتِهمُ التي تبقَّتْ لهم من منزلِهمُ الكبيرِ، ينظرونَ إليهِ في أسًى وحزنٍ، وخوفٍ يشوبُهُ القلقُ من وجهِ "عمِّهمْ"، فركَ عينيهِ، حكَّ جبهةَ رأسِهِ، ووضعَ قدماً في الفراغِ الذي بينَ النائمينَ، وخطا خطواتٍ متردِّدةً خارجَ الخيمةِ.
تطلَّعَ سحنةَ أُمِّهِ، التي أصبحتْ في لحظةٍ سحنةَ عجوزٍ ثكلى، وتفرَّعَ من بينِ الخيامِ متجهاً للنخلةِ التي رُبِطَتْ فيها الطائرةُ الورقيَّةُ.
صارَ ظهرُهُ للناسِ، ووراءَهُ اصطفَّ الخلقُ يراقبونَ فروسيَّتَهُ، غرزَ قدمَهُ في رملِ المواصي، ولبرهةٍ قصيرةٍ كانتْ قدمُهُ عالقةً في الذاكرةِ، كأنَّها لا تريدُ أن تتركَ آثارَها في الرملِ.
صرخَ زوجُ أُمِّهِ من ورائِهِ: "خلِّصْ شدْ حيلَكَ بسرعةٍ". !!
وضعَ قدمَهُ فوقَ أذرعِ النخلةِ التي كانَ قد قلَّمَها النَّخَّالُ، كأنَّهُ نحَّاتٌ ماهرٌ، تجاوزَ نصفَ الطريقِ صعوداً، صفَّقَ الناسُ وهلَّلوا، زغردتْ نساءُ المخيَّمِ، صاحَ الأطفالُ زهواً لفارسِهمْ، ابتسمتْ فتاةٌ في ركنِ خيمةٍ، سالتْ دمعةٌ فوقَ خدِّ أُمِّهِ، وصلَ عنانَ نخلتِهِ، أمسكَ طائرَتَهُ بحذرٍ شديدٍ.
قصفَ ضابطُ المخابراتِ النخلةَ التي تفتَّتتْ في لحظةٍ ومعها جسدُ "سامي" يلفه خيط طائرتُهُ الورقيَّةُ.

تمت
حرب غزة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى