عبدالله قاسم دامي

كل الذين أدركوا حقيقة هذه الحياة ماتوا قهرًا. في أحد شوارع تورونتو، أمام مقهى يرتاده الصوماليون، وفي منتصف ليلة شتوية باردة، حين بسط الظلام هدوءَه المهيب على الدنيا، لاحظت أمرًا غريبًا، فيلسوف صومالي معروف أوصله العمر إلى عقده الثامن دون أن يرحمه. ذكرني بياض شعره بأيام وطني فما أن أبصرته حتى...
"لماذا لم يعد للسنين طعم؟ أتذكّر كلّ ما فعلتُه عام 1986، لكنني لا أذكر شيئًا عمّا جرى بين 2018 و2025. كيف يحدث هذا؟" هكذا صاح سبعينيّ إفريقيّ بصوت مسموع، في جوٍّ تملؤه الضحكات مع أصدقائه. جلّهم من كبار السنّ الذين عاشوا شبابهم إبّان السوفييت. ويبدو أنّه محقّ؛ فالإنسان يتذكّر دائمًا تلك السنين...
انتصف الليل في مدينة إدمنتون، أضاءت إشارة المرور باللون الأحمر، نسيم بارد ينذر بقدوم الشتاء. توقفت بجانبي سيارة سوداء قديمة الطراز، ينبعث من نافذتها طرب السلم الخماسي وصوت يحمل ذكرياته وعبق الزمن الجميل، عزفٌ ليس على وتر بل على الأحاسيس والوجدان. "وكل الأشواق ... آهاه ... بتجرح قلب المشتاق"...
قبل عامين تمامًا املت شمسُ الجمعة أجنحتها عن الدنيا في أمسيةٍ لم يشرق صباحُها التالي حتى الآن، فذلك السبت لم يأتِ بعد. كان المقهى المجاور للكنيسة في الشارع رقم ثمانية، في حي إيستلي وسط نيروبي، مكتظًا كالعادة. المقهى يرتاده تقريبًا الأشخاص أنفسهم في كل صباح ومساء، يمنيان لاجئان، بضعة سودانيين...
كان جالساً على المقعد الخشبي المقابل للشاطئ، لم ينعم باله بالهدوء منذ الحرب الأهلية الصومالية حيث كانت القذائف تُوزع جدوليا كالدواء. كان يتنفس ببطء وهو يحدّق في المارّة والسفن والسحاب، ينظر شرقاً وغرباً ثم يرفع عينيه نحو الأفق حيث يلامس البحر السماء. هناك، على تلك الحافة البعيدة، يتراءى له طيف...
صمتٌ رهيب. أصبح رجال القرية مذعورين من سماع الخبر الصادم الذي فاجأهم به "ود حليمة"، الشاب الثرثار الملقب بـ"صاحب الشمارات"، الذي يعرف كل أسرار القرية وحكاياتها المندسة وماضيها الأليم. – "عليك الله يا ود حليمة، إبليس ذاته ما حيصدق الكلام دا!" هكذا صاح عمدة القرية غاضباً، قبل أن يغادر المجلس...
كان الشفق يا صديقي يغيب مثل أملي في تلك الأمسية الشتوية القارسة البرودة، تمشيتُ فيها قليلا لعلّي أمسح عن جبيني بعضاً من تعب السنين، لعلّي أستريح من كآبة الغربة، ربما لعلّي أفيق. تمشّيتُ وحيداً بلا رفيق، فلا رفقاء هنا، تمشيتُ غريب الملمح واللون، فلا أحد يشبهني هنا وكأنهم كتبوا على جبهتي...
إنها السماء تمطر كالعادة ولكن في هذه البلاد لا تمطر ماء بل تقذف ثلوجاً، تظنُّ وكأنها اللعنات اختارت تلك البقعة بعناية. عجوزٌ بغيضة تمعنني بنظراتها الشريرة، هنا الهدوء في كل شيء حتى في الكراهية، طفلة تداعب كلبها وأنا أخشى الكلاب والشرطة، بضع أفارقة يتونسون هناك يعتقد الجميع أنهم رجال مخدرات...
هنا الجميع صامتون لا ثرثرة لا جدال، هنا الشوارع خالية لا جواسيس يتجولون كباعة، هنا الجدران نظيفة لا وجوه حُكام لا لافتات أحزاب، لا بَأس هنا ولا بُؤس. كلّ شيء هنا ملفت للنظر وغريبٌ في آن واحد ... تخيلوا رسالةً للشرطة ملصّقةً في إحدى الساحات وعليها صورة كلبٍ صغير والرسالة أيها الشرقيون عنوانها...
لقد تنازلتُ يا سادتي عن إنتمائي الوطني وقدّمتُ برقية شكوى لإحدى المحاكم الدُّولية أُقاضي فيها وطني السابق أن يُقدِّمَ لي ثمناً بخساً، تعويضاً على أحلامي المسروقة، لعلِّي أشتري رغيفاً وكفناً. وَكَّلَ الوطن محامياً محترفاً، قَلَّب الأمور عليَّ، فقد قدَّم للمحكمة طلباً غريباً وهو أن أُعِيد للوطن...
أن تكون بريئاً في هذا الزمن ... جريمة أيضا. صامتة دوما، لم أراها تبتسم إلا ذالك اليوم عندما حيَيتها بلُغتِها، إبتسمت لي وعيونها البُنيّة تكاد تبكي، كانت أجمل إبتسامة رأيتها بعد التي على وجنات أمي. ذهبَتْ بخطى ثابتة إلى خارج المقهى، إستنشقَت هواءاً طلقاً وكأني أحرجت صدرها ثم رجَعَتْ حزينة إلى...
إنخفض منسوب النيل، لم يُحصد محصولٌ في ذالك الموسم المشؤوم، تجمع رجال القرية للتشاور في إحدى أمسيات الصيف أمام راكوبة حاج عبدالله الرحالة، الرّجل الستيني النحيف مستطيل الوجه بارز الإبتسامة رغم فقره، الودود رغم غربته، عُرف بالسخاء عند أزمنة الشدّة والصلح عند الفتن والرأي عند المحن، قدّم لهم الجبنة...
إنها السابعة والنصف صباحا، هدوء يعم شواطئ البحر الكاريبي وكأن أمواجه في نوم عميق، ثمة نسائم تداعب أوراق الغابة المطلة على شمال المطار، وفي الشرق ما وراء سلاسل الجبال لم تبرز الشمس أنيابها بعد. برودة ساحرة ترحّب الضيوف وتودّع المغادرين، أجنحة طائرة تقارب ملامسة المياه ثم تنحدر نحو المدرج في...
آثار سكّة قديمة، قرية إستراتيجية تعبرها الإمدادات الأيطالية المتوغلة نحو الشمال، بادرة شتاءاً حارّة صيفاً، تجذب بحيراتها العذبة وأتربتها الحمراء مجاميع البعوض وتراحيل الأبالة التائهين. تتمركز فرقتان من بقايا جبهة تحرير شعوب الجنوب مدخلها الجنوبي، إنهم عبارة عن لصوص في وطن لم يعد اسمه مسَجلا...
أحزن فأكتب، أتكئ على مقعد مهترئ كوطني، تزعجني ثرثرات بعض اللاجئين، إنهم يتفاخرون بقبيلتهم، بإحدى حروبهم في أدغال بلادنا، أقصد بلادهم فلم يعد لي بلد بعد الآن، لقد يئست من تلك المُسميات. ألعن دوما قبيلتي التي ولدتني في قاع الحجيم حيث السفاهة والتخلف والتفاخر بالرذائل. يا سادتي لقد قامت قيامتنا قبل...

هذا الملف

نصوص
19
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى