عبدالله قاسم دامي - ورشة العذاب.. قصة قصيرة

بعد وفاة جَدِّه الضرير، لم يكن أمام فارح سوى خيارين، التشرّد أو العمل في ورشة العربات. التشرّد في هذه المدينة اللعينة ليس أمرا سهلا، هنا تقوم المليشيات بتجنيد الأطفال قهرا لذا لم يكن أمام فارح سوى العمل في الورشة التي كان يديرُها رجلٌ خمسيني مستدير الوجه، يبدو رأسه تماما كَكُرّة السلّة، طويل الأنف والقامة، بلا شارب ولا دقن، كريها جدّا، حاقدا إلى حدٍّ لا يُصدّق، يقال أنه قتل صهره بعد أن تشاجرا في أمر بسيط، كومة موز.

يعمل في الورشة ستة أطفال وإمرأة وكلب أسود يحرس المكنات، بيئة العمل متدنّية جدا، يا إلهي كم هي نَتنة، تبدو وكأنها مكبٌّ للنفايات. بدأ فارح عمله بعد وساطة جاره العجوز الذي كان صديقا لجدِّه. بدأ يتقاضى خمسة ألاف شلن مقابل إثنا عشر ساعة من العمل المتعب، تقوم الورشة بتفكيك العربات المنهوبة وبيعها كقطع غيار. كانت وجبة الورشة كوبا من الشاي وخبزا عند الصباح والمساء، ماعدا الكلب الذي كان يتناول لحماً كُل يوم.

يغدو فارح ويروح بلا حذاء، كراقصة أوروبية، كجثة في قبرها، إذ لا حاجة للحذاء في القبر والرقص وورشة العذاب. ما أصعب أن يمشي الإنسان حافيا، فقط من أجل البقاء، البقاء في حيٍّ قذرٍ داخل مدينة كالجحيم.

يتناول فارح الشاي والخبز مع صديقه أدم، طفل جميل في الثانية عشر من عمره، أسمر اللون، مفلفل الشعر، نحيفا كسائر زملائه، يتيما مثلهم. يشتمان يومياً صاحب الورشة، ذو الرائحة الكريهة، ويلعنان المدينة والشاي "أه كم أكره هذا الشاي المُرّ، لم يضيفوا فيه حتى ملعقة واحدة من السُكر".

"أنت تتحدث عن السُكر. إنه البول ياصديقي، شاهدتُ البارحة عندما بال ذالك الكلب اللعين في قِدر الشاي"

"يا إلهي، يبدوا مالحا في بعض الشيء، لعلّها البول كما قُلتَ، اللعنة على هؤلاء الأبالسة".

بعد أسبوع من العمل الشّاق، تحقق حلم فارح أخيرا فاشترى نعالا، أه كم كان غاليا، خمسة عشر ألف شلن، لقد تعب كثيرا كي يشتري نعالا، فما بال مستقبله. كيف سيُحقِقُ حلمه المستحيل، الهجرة بعيدا عن هذا الوطن البائس الذي تفوح منه رائحة الدّم. قد يحتاج الأمر سنينا او عقدا كاملا لكي يجني مالا كافيا للهجرة. وحدها السرقة قد تنجوه من طول العذاب، لكن من يسرِق ؟ السرقة ذاتها محتكرة لزعيم قطاع الطرق. عليه فقط أن يتعب ويعمل، لستُ متأكدا بأن الأطفال العاملون سيصبحون غداً رجالا أقوياء، الشيء الوحيد الذي بمقدوري أن أؤكده لكم يا سادتي هو أنهم ضحايا اليوم، والضحية ستبقى ضحيةً للأبد ما لم تتحرر. كل أحد في هذه الورشة، حتى الكلب، كان بحاجة إلى تحرير، فاللحم الذي أخبرتكم عنه والذي كان يتناوله الكلب كلّ يوم، كان لحم الغُراب، لقد تعَوَّد عليه هذا الكلب المسكين.

في كل صباح يذهب صاحب الورشة حاملا بندقية الكلاشنكوف إلى السلخانة التي لو وُزعت جائزة النتانة لفازت بها. يطلق رصاصة أو اثنتين ليصطاد غُرابا، ثم يحمله إلى الورشة، ليُطعم كلبه. لا أحد يكترث لحقوق الغُراب في وطن أصبح فيه الإنسان بلا حقوق. يا للغرابة، كيف لرجلٍ أن يطلق رصاصة كي يقتل غُرابا مسكينا من أجل أن يُطعم كلبا لا يطيق بلحم الغُراب، وبعد هذا كله يُجَوِّعُ إنسانا بريئا. يبدو أن كل شيء أصبح مؤلوفا في هذه المدينة.

بعد ستة أشهر من العمل الشاق، تحولت يدا فارح إلى كعبي حذاء، أصبح جلده قويا كالضّب تماما. إنها الحياة تجعل الغزالة عبر المحن ذئبا. ازداد مرتبه قليلا، ستة ألاف شلن، بدا يُدخر نقوده في كيس صغير بعيدا عن أعين الناس، كيسا خيّطَه بعناية، عساه أن يبلغ مقصده، كما وصاه جدّه، الفرار بعيدا عن الوطن، نحو وطنٍ أفضل.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى