عبدالله قاسم دامي - مزيد من الفيضان..

هبَّت ريح خفيفة وظلت غيمة معلقة في السماء. كانت الدنيا وقت العصر، والجو جميل حلَّ فيه الربيع دون حسبان. كان أهل القرية ينتظرون حلول الليل ليقيموا زفاف أحد أبنائهم، فهم يطلقون على شباب القرية "أبناءهم"، لكن السماء كان لها رأي آخر.

فاحت نسمة ونادت امرأة لابنتها الصغيرة: "رجعي الغنيمات وخشي الحوش". من بعيد رجل يهرع مع حماره وكأنهما يتسابقان، وشابان، أحدهما العريس والآخر صاحبه، يجريان تفاديًا لأن تبتل ثيابهما.

أطفال يركضون هنا وهناك يضيفون إلى المشهد مزيجًا من الفوضى والجمال. عجائز عُدنَ من الزراعة يحملن القش فوق رؤوسهن. أشجار تهتز، وجو بارد، وريحة الدعاش، وتساقط رذاذ المطر.

ركضت الصغيرة تجمع الغنم قبل أن يشتدّ المطر ثم دخلت الحوش مع أمها. اختفت العجائز والأطفال، أصبحت القرية خالية تحت تحكم السماء.

ثم انقلب كل شيء، اشتدّ المطر، كانت السحب تبدو غاضبة لأحدهم. كانت ليلة مظلمة بلا زغاريد وبلا زفاف، البعض نام دون عشاء، وآخرون كانوا بلا غطاء يرتجفون.

في منتصف الليل ارتفعت السيول وجرفت الزرائب وبعض بيوت القش حتى تحول الأمر إلى فيضان لا يرحم إلا من آوى إلى قطية قوية تعصمه من الماء. كانت أصوات انهيار القطاط تختلط بنهيق الحمير، واستغاثات العالقين، ولا أحد يجرؤ على الخروج.

عند صباح اليوم التالي توقف المطر قليلًا، وكأن السماء منحتهم استراحة قصيرة. خرج بعض من أهل القرية وشكلوا غفيرًا من عشرين شخصًا، بحثًا عن أحوال القرية وما آلت إليه الفيضانات.

توجه الغفير إلى قطية مصطفى علي، الرجل النحيل الحكَّاء الشهير بالنكات والسهرات وتنسيق الأعراس. كان من المفترض أن ينسق الليلة البارحة حفلة الزفاف، إلا أنهم وجدوا زوجته السمينة الملقبة بـ"السفيهة"، التي يقال إنها مختلة عقليًا. وجدوها وهي تجلس وحدها وسط ركام القطية.

نظروا إليها في دهشة، ثم سألها أحدهم

"وين مصطفى؟"

ردت بلا مبالاة: "شالته الموية".

ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول بفخر:

"هاهاهاه، الموية ما قدرت علي أنا"

وواصلت كلامها وكأن شيئا لم يحدث: "ماشين وين؟".

صمت الغفير، تمتمت امرأة: "يا للهبلة". ثم واصل الغفير سيره.

وصلوا إلى المسجد، فإذا بالمياه تحيط به من كل الجهات، لكنها لم تدخل إليه، ومن خلال الباب المفتوح رأوا نورا يسطع ورجلا يقرأ مصحفا، إنه المؤذن أبّكر الشيخ، الرجل المتواضع المحبوب لدى الجميع. ناداه أحدهم:

"يا مولانا"

أشر لهم، دون كلام، أنه بخير.

استغرب الغفير هذا المشهد وقال أحدهم "القرية دي فيها عجائب خلاص"

بقرتان نافقتان، كلب يعوي وحده وهدوء لا يبشر بخير.

وصل الغفير إلى قطية محمود الفكي "ود الفكي"، الرجل الذي ينادونه أيضا "المفتري" رجل عابس الوجه لم يبتسم يومًا في حياته. كان عضوًا سابقًا في الحزب الشيوعي، وتتناقل الألسن عنه شائعات كثيرة، منها أنه مشعوذ دجال، كان ينتقد كل شيء في القرية، حتى مشية الناس.

وجدوه جالسًا داخل قطيته، وقد أوقد نارًا صغيرة، ووضع إبريق الشاي فوقها وبين يديه رواية يقرأها في هدوء. كان شغوفًا في قراءة الروايات والجلوس وحيدًا بعيدا عن زحام الناس.

نادوه، فخرج إليهم بابتسامته الساخرة وقال:

"إنتو ما عارفين الطبيعة ممكن تتغير في أي لحظة، لقد أخبرتكم مرارًا ولكنكم لا تفقهون شيئًا". قالها على عادته في ازدراء أهل القرية. ثم أشار إلى نادية ود أحمد، إحدى نساء الغفير:

"يا مثقفة، يا بتاعة البخور، شوفي لينا الجو الليلة".

اشتعل الغضب في وجه نادية ود أحمد وردت وهي زهجانة:

"والله أنا ما عارفة ليه الفيضان دا جرف مصطفى علي وخلاك أنت".

ضحك بعض الغفير وحزن بعضهم على مصطفى علي، رعدت السماء وبدأت تهطل بقوة وكأنها تأبى أن تقلع، نظر الناس إلى السماء بالشفقة، وقال أحدهم:

"شكلنا حنغرق كلنا".

إلا أن نادية ود أحمد قالت وهي تحدق في محمود الفكي:

"خلينا نغرق مادام فينا القرف دا".

همّ الجميع بالعودة إلى قطاطهم وبيوتهم قبل أن يشتدّ المطر مرّة أخرى، تحرك الجميع، وفجأة سمعوا صوتًا ينادي خلفهم.

"أنا حأذهب وين؟"

كانت امرأة مصطفى علي، المختلة عقليا، التي لم تجد مكانا تلجأ إليه بعد أن تهدمت قطيتها. نظر الجميع إليها بعاطفة خليطة بالحقد ثم قالت لها نادية ود أحمد:

"أقعدي عند ود الفكي دا"

وأضافت في صوت خافت "يشيلكم مع بعض يا رب"

ولهذه المرّة اتفق غفير القرية مع نادية ود أحمد بأن القرية في حاجة ماسة إلى مزيد من الفيضان.

وفي تلك اللحظة انهمر المطر من جديد، كأن السماء أرادت هذه المرّة أن تغسل ما هو أبعد من الطين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى