" أيام سِنمار الأخيرة "

نعم ونؤكد أن..

الدَفْعَة كانت قوية، وهو لا يعرف من أين أتته أو من دفعه هكذا. لكنه – على العموم – هوى من أعلى نقطة في سطح القصر، والقابع بدوره في أعلى جبل صخري يكاد يلمس السماء بقمته الحادة.

وقع "سنمار"؛ وراح يتدحرج بعنف على الصخور. فكان طبيعيًّا أن يُعلن عن موته بمجرد أن أوقعه خصومه في حركة تحمل من الدهاء والخسّة الكثير.

مات سنمار..

هكذا انتشر الخبر في بساطة. لكن لم يرَ أحد جثته. لم يبحث عنها الحرس. أو لم يهتم بذلك أحد؛ لا الأمير ولا الحاشية ولا الناس من العوام.

وفيما بعد.. تأسف لحاله من تأسف. أصبح عبرةً للجهد غير المردود، وعلامة إنسانية أصيلة على مقابلة المعروف بآخر أشد بؤسًا ونذالة.

ذلك ما نعرفه، ما عَلِمَه الناس، لكن أُقتل "سنمار" فعلًا؟

أقصد أن فعل القتل عليه وقع عمدًا، لكن هل حانت نهايته ككل كائن حي يقع من شاهق؟

الصخور لا تزال باقية. لكن القصر تهدّم، وما منه غير آثار بائدة. تقول صخرة شاهدة على الحدث من آلاف السنين:
– هنا وقع سنمار، يتخبط في دمائه، يتلوى من الألم، مذهولًا من الصدمة؛ صدمة مقابلة جهده وتعبه.

رأيته يهوي، تتلقفه صخرة ناتئة، لترميه برفق إلى جذع شجرة نابتة لم تورق أوراقها بعد، فتلتقطه ثالثة ورابعة ومئة ألف في حنوّ ولين حتى هبط بقليل من كدمات وإصابات في جسده؛ لكن تصدّعت روحه ولم ترجع حتى مات إلى سيرتها الأولى.

أبدًا لم يمت سنمار..

لقد سقط هنا.. هكذا أوحت لي الصخرة؛ فتتبعت بعيني حيث اضطرب طرفها ومالت قليلًا، بالفعل وجدت بقايا دماء عتيقة، وآثار أقدام انطبعت عليها.

ثم راودني سؤال وأنا أفحص المكان بعينيّ:
– أحقًا ذلك؟

جاءت الإجابة في صخب وصمت وحفيف ريح لفّني لفًّا:
– هنا عاش، بيننا طالت إقامته. سنة أو عقدًا أو قرنًا أو ألف سنة أو تزيد.

هو نوح بعدما فرّ من الطوفان ومسؤوليته.

يونس، وهو يعض بنانه من الندم على ما فعل.

ولقد عاش " سنمار" حتى تهدّلت لحيته، وظل يجرجرها من بين أقدامه ومن خلفه. وكذلك استطال شعر رأسه حتى وصل إلى ما دون خصره بقليل.

هو إنسان الغاب الذي هرب من الغابة.

ولا تزال الصخرة قائمة، شاهدة. بجوارها قليلًا بقايا سفينة نوح، وما تبقّى من حوت يونس، وجدران بالية وهياكل لقصر منيف، وكوخ فقير تخفّى فيه سنمار في أيامه الأخيرة من الأمير وبطشه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى