محسن خزيم - الملك مازال حيًا...

كنت في عمر صغير، عندما سمعت الجملة الاولى من ابي، وهو يصلح راديو قديم. قال : ياولدي اقرا ما بين السطور فالكلام الظاهر ليس للأذكياءَ. ضحكت يومها ولم افهم. بعد مرور عشرين سنة ادركت ان ابي لم يكن يصلح الراديو بل كان يصلح طريقة رؤيتنا للعالم.

المدينة كلها تعلم ان الملك مات. الجنازة نقلها التلفاز بالصوت والصورة. التوابيت والمدافع والبكاء الرسمي على الهواء مباشرة. لكن في المقاهي وتحت السلالم وفي طوابير الخبز كان الناس يتهامسون بجملة واحدة الملك مازال حيا.

لم يقصدوا الملك نفسه. الملك هنا فكرة. فكرة وجود سلطة عليا لا تسال ولا تحاسب. اسم يعلق على الجدران فيختفي الخوف من القلوب. فكرة ان الخلاص لا ياتي من الناس بل ينزل من الاعلى.

بعد ثلاث سنوات من الجنازة الرسمية ظهر البرتقالي. ضاع اسمه الحقيقيَ وسط الضجيج وصار الناس ينادونه البرتقالي بسبب بدلته البرتقالية التي لا يخلعها حتى في اشد ايام الصيف حرا. صوته اعلى من مكبرات الميدان... وضحكته تسبق كلماته بخطوتين. كل خطاب يبدا بايها الشعب العظيم وينتهي سننتصر سننتصر.

كان يبيع انتصارا مزيفا بالتقسيط. كل يوم عدو جديد وكل يوم وعد جديد وكل يوم نصر جديد. يصفق الناس لان التصفيق اسهل من التفكير. ومن لا يصفق يساله احدهم لماذا لا تفرح بنصرك العظيم.

كنت من الذين يقرؤون ما بين السطور. اعمل ماسح احذية امام القصر القديم الذي تحول الى متحف بعد موت الملك. كل يوم تمر عربة البرتقالي المصفحة ويلوح من النافذة ويفتح له العسكر الطريق. وكل يوم ارى من نافذة القصر ظلا جالسا على العرش.

كرسي فارغ وتاج من ذهب باهت وستارة ثقيلة تتحرك كأن احدا يتنفس خلفها. لا احد يرى هذا الظل غيري او هكذا كنت اظن.

سالت مرة العجوز، التي تبيع صكوك الوهم، امام بوابة القصر. قلت لها يا خالتيَ الملك ميت صحيح. نظرت الي وضحكت باسنان خاوية وقالت يا ولدي الموت للجسد . اما الافكار فلا تموت. الملك فكرة والفكرة ان صدقها الناس تعيش اطول من الف ملك.

فهمت الامر متاخرا. الاذكياء والامهر انتصروا فعلا لكن ليس في المعركة التي يتحدث عنها البرتقالي. انتصروا يوم ادركوا ان السلطة ليست في التاج وانما في اقناع الناس ان التاج ما زال فوق الراس حتى لو كان الراس مقطوعا.

البرتقالي كان اغبى من ان يفهم اللعبة. صدق كذبته وصدق انه صوت الملك ويده. كان يصرخ كل ليلة في الميكروفون انا صوت الملك انا يد الملك من يمسني فقد مس التاج. ومع الايام بح صوته وتحول كلامه الى هذيان. يريد نصرا مزيفا ليثبت انه موجود. لكن النصر المزيف مثل الملح في الماء يظهر اولا ثم يذوب.

في ليلة قررت ان اجرب بنفسي. انتظرت حتى الفجر ودخلت القصر من باب الخدم الخلفي . كان الهواء ثقيلا برائحة التراب ورماد الفرن القديم. مشيت على البلاط البارد حتى وصلت قاعة العرش. الكرسي فارغ والتاج يعلوه الغبار والستارة ساكنة لا تتحرك.

اقتربت ولمست الكرسي فكان باردا. لا ملك ولا ظل ولا سر مخفي. السر كله كان في رؤوسنا نحن. نحن الجالسون على العرش ونحن اللابسون للتاج ونحن الخائفون من القيام لان الملك مازال حيا.

وانا خارج سمعت صوت البرتقالي من بعيد في السماعة الخارجية يقول: سننتصر. وقفت ونظرت الى الكرسي الفارغ وقلت بصوت منخفض لم يسمعه احد غيري انتصر الاذكياء والامهر بالفعل ولكنك ما زلت تهذي ايها البرتقالي.

منذ ذلك اليوم فقدت عملي أمام القصر . فتحت حانوتا صغيرا ابيع فيه الأفكار القديمة . علقت على باب الحانوتي ورقة كتبت عليها بخط يدي اقرا ما بين السطور. الملك مات والعرش محجوزَ. ابحث عن تاجك انت.

يمر بعض الناس ويضحكون. يقف البعض ويسألون ماذا تعني. اجيبهم بنفس ماسمعته من أبي الكلام االظاهر ليس الأذكياء .

المدينة ما زالت تسمع خطابات البرتقالي كل يوم. ما زال هناك من يصفق. ما زال هناك من يخاف ان يقول ان الكرسي فارغ.

لكنني صرت متيقنا من شيء واحد. الملك يبقى حيا ما دمنا نصدق انه حي. وفي اليوم الذي نتوقف فيه عن التصديق سيصبح التاج ترابا ويعود العرش كرسيا خشبيا قديما ويتحول البرتقالي الى رجل عادي صوته ضاع من كثرة الصراخ.

وحينها فقط سننتصر نحن.



محسن خزيم روائي وقاص وناقد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى