ابراهيم الديب - الفتوة...

عم مصطفى رجل : يميل للبدانة غير المفرطة ، متوسط القامة بين القصر والطول، تخبر نظرته عن سذاجة وغفلة ،أكثر منها نظرة رجل حاضر البديهة شديد الذكاء متوقد الذهن ؛ خبر الحياة جيداً وعركها ونفذ لسرها ، عم مصطفى شخص ارزقي يعمل يوماً، ينتظر مقابله عدة أيام ليحظى بفرصة عمل اخرى لكسب قوت يومه، الرجل ثقيل الظل بالفطرة يفتقد للجاذبية : غير مرحبا به في المجالس؛ ولهذا السبب تمله مجموعة المقهى التي يفرض نفسه عليها يحكي لهم من خياله الواسع عما يفتقده من صفات يعيشها سردا بعد فشله حياتها واقعا على الأرض.

قصصه تدور اغلبها حول: مغامراته وبطولاته ضد اشقياء من أبناء الليل تقتحم منطقته ليلاً والناس نيام حكايات ملت المجموعة وسئمت الانصات لها : منها قصة يرددها دائماً وهو ما زال فتا صغيرا ضد مشاغبي حي: صلاح الدين بدمياط عندما ساقهم حظهم التعس بدخول منطقته ليلا ظنا منهم بأن النعاس يغيبه كبقية الخلق؛ فكانت المفاجأة في انتظارهم بعد أن اطمئنانهم بأن الحي أصبح لهم ،وعند بدأهم في عملية السلب والنهب : وجدوا عم مصطفى يبرز لمتصديا لهم بمفرده يضرب ينال احدهم منه روسية تفقده وعيه ،وآخر رفسة تلقيه أرضا، ومن يحظى من لكمة لابد من ان تسقط له اسنانا ،وبعد اشباعه لهم ضربا نجح بعضهم بالفرار منه، وقيد البقية بوثاق غليظ في جذع شجرة الحارة العتيقة، التي إذا حدثت معجزة وانطقها الله لم تزد حرفاً واحد عما ذكره مصطفى .
ليهرع اليه شيخ حارة صلاح الدين وكبيرها و هو من عتاة المجرمين و من شهد الليل الكثير من اغارته على خصومه فقد ورث الفتونة كابر عن كابر، لتبدأ المقارنة على رؤوس الاشهاد ببن اشقياء صلاح الدين من دخلوا حارته للعبث بها رغم تحذير عم مصطفى السابق لهم ،وبين فتوة حارة البلابلة بعد مثول كبير اشقياء صلاح الدين بين يده الذي: نال من عم مصطفى توبيخا ولقنه درسا في الرجولة ، وهو ينظر للأرض لا ينطق بكلمة واحدة كطفل صغير مذنب يتلقى عقاباً من والده ، ولكن الرجل الذي ما زال رأسه منكسة لأسفل :أخذ في خجل وتضاؤل يطلب العفو والسماح من عم مصطفى راجياً منه فك وثاق المقيدين في الشجرة ؛مذكرا له بطرف قرابة من بعيد يصله بالمرحومة والدته: قبل خروج النهار من الليل وتكون الفضيحة على مستوى المدينة بأكملها فوافق عم مصطفى عند ذكر الرجل لأمه بنت الاصول والحسب والنسب رحمها الله ،ولكنه اقسم بأغلظ الأيمان اذا شاهد أحدهم في الحارة مرة أخرى فلا يلومن إلا نفسه ..
من قام بسرد هذه القصة لم يكن بطلها وصاحب المغامرة "عم مصطفى" ولكنه احد افراد مجموعة المقهى عندما وجد من الفتوة ميلا للحكاية بعد وصوله للمقهى مباشرة ، ولا رغبة من الجميع في الانصات ولا حتى وجود الرجل بينهم لتصل رسالة السارد لعم مصطفى : أننا نحفظ قصصه من كثرة ترديدها ،ثم أردف الشاب موجهاً إليه حديثاً مفاجئ يحمل في طياته كما من الاستخفاف به، رغبة في حدوث قطعية بينهم و وبين الفتوة قائلاً: ونحن أيضاً لم ننسى يوماً معكرتك الشهيرة التي نشبت في: حي الشرباصي وقمت بإصابة فتوتها زعتر الجابري بجرح عميق كاد أن يودي: بحياته بعد إغارتك على الحي بمفردك بعد اعتداء احدهم عليك فجأة في: مولد السيد أبو المعاطي :لكونهم يجهلون من انت فدفعوا بعدها ثمنا غالياً، ومن قبلها حارة البركة التي لا يستطيع احد اشقيائها السير في تتواجد فيه ،ويهابك سكان شارع أبو الوفا، فاسمك اشهر من النار على العلم بين سكان المدينة، ولعل سمعتك في عالم الفتونة تخطت مدينة : دمياط للمنصورة وبورسعيد كما ذكرت لنا يوما ما على المقهى، كان هناك اتفاق شبه صامت بين الجميع في عدم اعتراض أيا منهم على الشاب في مهاجمته الفتوى : لعله ينجح في قطع بينهم وبين الرجل: حتى لا يطاردهم ببطولاته الوهمية ومغامراته وصولاته جولاته المستمرة ولا يلوح في الأفق أنها ستنتهي قريباً؟!
غضب الفتوة كما توقعوا ،واسقط في يده ،واضطربت حركته ولم يعد حديثه يبين ماذا يقول فبدا أقرب للغمغمة، وكأنه يسبح في بحر من الحيرة والخجل، بعد فترة استجمع وبعض قواه مرة أخرى: متهما الشاب بالكذب وقلة الأدب ،وعدم التربية قائلا له: أن كل تفوهت به لن يمر دون عقاب، أخبره أنه يغار من شهرته المدوية ؛ فقد سطر وحقق في عالم الفتونة ما يعجز هو عن تحقيقه أمثاله حتى لو عاش ألف عام، وأن الشاب من جنى على نفسه بتحديه له, فقال شاب آخر صديق الاول: إذا كنت تريد الجلوس معنا بعد اليوم فعليك أن تكف عن سرد هذا الهراء، فجميعنا يعلم حقيقتك منذ فترة طويلة ،ويستحي مصارحتك علك تنتهي من تلقاء نفسك ، فقال الفتوة الذي خبط على الترابيزة بكلية يده أي: حقيقة تكلم فالتقط منه الشاب خيط الحديث قائلا :
لقد دخل المنطقة أول أمس مجموعة شباب غرباء وتجولوا في حارتنا هذه: ودخلوا بيتك, وسحبوا خروفك قبل مغادرة الحي: ولم تعترض منهم احد أين كنت يا بطل فقال الفتوة ووجه في الأرض : كنت في فرح في سوق الحسبة منه متأخراً ولكن بعد علمي ما حدث قمت بمطاردتهم حتى القنطرة ولم ينقذهم مني الا بعبور كوبري البحر لضفته الغربية فقال الشاب ومن حوله بين ماط لفشتيه، وساخر يصفر مستخفا به : أنت لم تصدقنا في حكاية من التي نحفظها عنك يا عم مصطفى فنحن الأربعة وأشار بذراعيه لاثنان عن يمينه والثالث على يساره من: سحبنا خروفك لنلقنك درسا وأنت تغط في نوم عميق على حصيرة امام بيتك ليس هذا فقط : بل حملناك بعد أن امسك كل منا بطرف الحصيرة ووضعناك تحت طلمبة المياه وفتحنا صنبورها عليك وانطلقنا ثم نادى الشاب الذي يتحدث على اخية الصغير وطلب منه أن يذهب بخروف عم مصطفى الفتوة لبيته..

ابراهيم الديب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى