ليال الحربي - زوجة غير شرعية... قصة قصيرة

طفلان يتناولان فطورهما من الخبز والشاي، والماما تحثّ الولد الأصغر على تناول طعامه سريعا بدل التلكؤ الصباحي المعتاد للنهار المدرسي.
الأب غائب عن المنزل بشكل شبه دائم، فهو رجلٌ عسكري، وواجب الحدود الشرقية الحربية يناديه كل ثمانية وعشرين يوما.

تأخذ أطفالها الصغار إلى المدرسة الصباحية، توصلهما دون قبلة الوداع وتعود إلى وظيفتها المنزلية.هكذا كانت.لغة الحب لديها أن تطالعك وأنت نظيف وتتحول إلى غول بشريّ إن دخلت دارها بنعالك. ترشّ الأرض ماءً، تملأ حبل الغسيل ثيابا نظيفة وتعدّ وجبة الغداء قبل مجيء طفليها

هكذا كانت قبل عشرة أعوام، مع رعاية طفلها الثالث، زوجها الأكثر تطلبا وإزعاجا من طفلها الصغير المدلل، لكن منذ بثّ نبأ الحرب، خَلت الدار من عبثية وصياح طفلها الكبير.
يغيب الزوج، فيغدو المنزل أكثر رتابة، ويتحوّل من ساحة كرنفالٍ إلى بيت صامت بلا احتفال.

في يوم كرنفالي من أيام الإجازة جاءها زوجها والنار تجدح من عينيه، كمن يعيش على أمل آخر، وهو قرار وقف الحرب. وقف أمامها ندّا لندّ، الكتفان متقابلان والعينان كذلك.
سألته باستغرابٍ واضح:
ـ ما الأمر؟!
أجابها:
ـ سأطلقكِ.

أطبق الصمتُ فاهها ولم تدرِ ما تجاوبه. جلست على الأرض ووضعت يدها اليسرى على يدها اليمنى، دون أن تنبس بحرف، دون أن توجه اللوم له بل تلوم ذاتها فهي لم تخنه، هي مخلصة له، فما الخطأ؟

قرفص على قدميه وقال:
ـ هناك قانونٌ صدر، في حال تطليق الزوجة الكردية الفيلية للعسكري ٤٠٠٠ دينار، ولغير العسكري ٢٥٠ دينار.

طالعته وهي لا تزال جالسة على الأرض:
ـ ولهذا، نويتَ طلاقي؟ مقابل ٤٠٠٠ دينار!
ـ لن أطلقكِ، أعطيني الفرصة لأفهمك.

خفض صوته وكأنه يخبرها سرّا، لزمها من كتفيها وأوقفها معه، ووضع ذراعه على كتفها. بذلك تحوّل الحوار من الضد إلى الأخاة. عيناه تطالعان في فراغٍ بعيد، وعيناها تفترسانه.

ـ سأطلقكِ طلاقَ محكمة فقط. نذهب إلى المحكمة وأرمي الطلقات الثلاث في وجهك، هكذا تزوّجنا على المذهب الحنفي ونتطلّق عليه أيضا. ثلاث طلقات صوتية، ستتقبلين هذا بحزنٍ مصطنع أمام القاضي ونعود إلى منزلنا وكأنه لم يحدث شيء.
ـ لا أفهمك! كيف أعود إلى المنزل وكيف سأعيش معك ونحن مطلقان؟! بالحرام؟ أبلهٌ أنت؟!
ـ طلاق محكمةٍ فقط، لا طلاق شيخ. في المقابل سنحصل على مال الطلاق ومن خلاله نشتري منزلا خاصا بنا، منزلًا لنا وحدنا، الحلم الوحيد الذي لطالما رغبتِ به.
ـ وحين يتحقق، يتحقق بطلاقي منك؟! يبدو أنني أنا البلهاء التي تنفذ ما تقوله.
ـ صدقيني، طلاق محكمةٍ فحسب، لا شيخ، وستبقين زوجتي ولن أجعلك تغادرين حياتي. ستتسفرين قريبا، ستُهجَرين ستُنفَين إلى الحدود الشرقية والمنزل خلاصكِ من العيش مع عائلتي الكبيرة.

كان تفكير الزوج استغلاليا اقتصاديا كحال الكثيرين.
في هذا الزمان البائس، صار ثمن الابن الميت خمسة آلاف دينار، بسعر سيارة ( كرونة أم التبريد )التي تردح بها الأم، رغبة حالمة في أن يموت الابن في الحرب لتحصل على التعويض وثمن الزوجة الفيلية المطلقة أربعة آلاف دينار للعسكري ومئتان وخمسون دينارا لغير العسكري. اقتصادٍ يُحول الأمّ إلى سمسار موت والزوج إلى دلال طلاق. وهكذا يتراءى لنا جحا يتكلم بنفعيّته الانتهازية وها هي شيرين الصبورة على مكائد زوجها.

منزل.
لمعت فكرة المنزل في خاطرها.
المنزل الذي سيحميها من التشرد خارج حدود البلاد.
ولو حياة جرذ فحياة جرذ أفضل من حياة جرذ الشارع.

ها هي منذ عشرة أعوام تعيش مع أسرة زوجها التي لا تهضمها فيسلوجيا، كانوا قد رموا الحلوى لدى سماعهم خبر تسفيرها في الهواء الطلق ثم هناك المشاكل التي تحدث ولا تنتهي، ونبرة الصوت العالي هي التي تجعل الآخر يربح النقاش.

مثل قطّ يتبع مالكه، تبعته.سأله القاضي:
ـ ما سبب الطلاق؟
فأجابه الزوج:
ـ سيادة القاضي، أَمرت الحكومة ومجلس قيادة الثورة بأن أطلق زوجتي الكردية الفيليّة والواجب أنفِّذ أمر قائد الضرورة

تم الطلاق في المحكمة وأمام القاضي بثلاث طلقاتٍ، تتردد الطلقات في قاعة المحكمة (طالق، طالق، طالق) انتهت حياتهما معا.
خرج الرجل من المحكمة كمن اكتشف مغارة علي بابا، يحمل في جيبه مفاتيح الغنيمة فيما خرجت هي كجنديّ مشاة هُزم في معركة يجرّ وراءه ظلّ الهزيمة.

لم تحصِ خساراتها بعد، بيت العائلة الذي ستغادره.عادت تحمل في يدها ورقة الطلاق، وفي ذهنها صورة المنزل الذي سيجمعهم لكنه حين أخرج مفتاح البيت الجديد، أخرج معه مفتاح قلبٍ آخر، لا يفتح بابه إلا لامرأة آخرى

الزوج الذي انقسم بين امرأتين، والهوية التي صارت ورقةً في درج موظف.أما هو، فقد حسبها صفقةً ناجحة: أربعة آلاف دينار، منزلٌ جديد وزوجة عربية جديدة

ـ من هذهِ!
ـ نسيتُ أن أخبركِ، المال مقابل تطليقكِ والزواج بعقد محكمةٍ من عربية لا كرديةٍ.
ـ غنيمتك منزلٌ وزوجتان وخسارتي نسيتَ أن تحصيها؟!
ـ هم من اشترطوا.
ـ نعم؟ وبشرط عقدٍ موثقٍ في المحكمة؟
ـ بكلا الحالين يا ابنة الناس سوف يُسفّرونكِ إلى إيران دون الأولاد، وهذا الحلّ الوحيد لبقائكِ. منزلٌ خاصٌّ لكِ.
ـ ذنبك أنك لم تخبرني بالشرط الوحيد.

عاشت أيّاما من التفكير فيما ستفعله تجاه فعل زوجها.
كلّ من عرفتهم هُجّروا وتركوا منازلهم على حالها والمنزل الأفضل حالا سكنه آخر في ذات ليلة التهجير. هل ستبلغ أقرب فرقة حزبية بتهمة التلاعب في القانون وتزجه في السجن ثم أي تلاعب هي قادت نفسها كالماعز وراء فلاح . حينها ستعيش حياة حدودية بعيدة عن طفليها بلا سقفٍ ومأوى، أم ترضخ لخطة زوجها ولكن مع زوجةٍ أخرى؟

رضخت في نهاية الأمر وعاشت المرأة مع نصف رجل.
تبعها القانون؛ فقد وشى الزوج، بشكل مباشر عن هويتها الحقيقية وكشف عقدُ الطلاق وأثبت أنها كردية، فجُرّدت من منزلها وطفليها.

لم تلبث كثيرا حتى تحول ذلك النصف إلى جثةٍ في نعشٍ يلفه علم العراق، تاركا لزوجته في المحكمة عشرين ألف دينارٍ سعرَ منزلٍ وراتبا تقاعديا في زمن الحصار الذي تلا سنين الحرب، زمنٍ بات فيه المبلغ لا يساوي ثمن فردة حذاء.

عند سقوط النظام، أي بعد اثنين وعشرين عاما، عادت الزوجة _ غير الشرعية_ إلى حضن ولديها، وتسلّمت من الحكومة راتبا تقاعديا عوّضها حرمان السنين وخيبة الفعل الذي أورثه الزوج. وظلّت، وهي الزوجة "خارج المحكمة"، تؤدي دورها في رعاية أحفادها في منزلهم الذي ورثوه عن الجد، والشرطُ الأساسيُّ لدخوله ( ألاّ تدخل المنزل بنعالك.)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى