إبراهيم محمود - الكلاب!!!... قصة

1781121602146.png


لا أدري منذ متى تعرفتُ على هذه الكلاب.
الصحيح أنها هي التي دفعت بي لأن أتعرف عليها، وعن قرب.
لكن ذلك ليس بالأمر اليسير. فهي ليست متشابهة، لا بأصواتها، ولا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولا حتى بطريقة تقرّبها من الآخرين، أو تمسّحها بهم، وأنا من بينهم. ولي ميزة، إن كانت ميزة، جعلتني مختلفاً عنهم، لهذا ظهرتْ أكثر تنوعاً، أكثر تبايناً، واختلاف أسلوب في الاقتراب مني، أو النظر إلي عن قرب وعن بعد، ميزة أنني كاتب، أن لدي مكتبة.
ماذا يعني أن أكون كاتباً، وأن تكون لدي مكتبة؟ إذ لا أكثر من الكتّاب في هذه الأيام، لا أكثر من المكتبات الديكورية هذه الأيام، مكتبات للفرجة، مثلما كتّاب للعراضة.
لماذا أنا إذاً؟
إنها لا تكف عن متابعتي واقتفاء أثري بوبرها الطويل وشمشماتها المعهودة.
لا تدعني أتنفس أحياناً، كما لو أنها خلِقت لتكون من هذا النوع، وفي مدينة كبيرة.
أحياناً أشعر وكأنها تراقبني ما وراء زجاج نافذتي السميك.
أتعرف على آثار أرجلها على عتبة بيتي الصغير والمتواضع جداً.
لا أخفي استغرابي جهة هذا النوع من العلاقات الكلبية.
كيف تسنّى لها أن تتشارك في العلاقة هذه؟
كيف لها أن تعرفني في زمن قصير، وأنا رجل كتوم، مقتصد جداً في علاقاتي؟
أجدها في سلوكها وكأن بينها سباقاً: مِن بينها الأقدر على لفت نظر، وعلى إظهار جوانب من حياتي الشخصية، في حركاتي وأقوالي.
إنها كلاب ودودة حقاً!
لا تزعج وهي تمرر وبرها الناعم الطويل على يدي، خاصرتي، وتحاول بلوغ رأسي ، تمرره على رقبتي، وتضغط على أذني، تنسيني أحياناً أنها كلاب.
علي أن أبقي مسافة فاصلة بيننا.
مهما قيل ويقال في كونها أهلية، ويمكن كسْب ودها وهي تهز ذيلها، لكن اليقظة ضرورة، فثمة عدوى كلبية تظهر بغة أحياناً، من الملمس إلى الصوت والرائحة والسلوك، وفي حالة كهذه، يكون خطر الإيذاء قائماً.
لا أخفي قلقي منها، من هذه المدينة التي يخونني التعبير أحياناً كثيرة في وصفها.
للعلْم، هي مدينتي التي أبصرت النور فيها.
طبعاً النور نور الحياة، ولا أدري أي حياة ليكون النور مثلها!
قلقي من هذه الكلاب التي لا تستوعبها هذي المدينة التي أعرفها حياً حياً، شارعاً شارعاً، ساحة ساحة، حديقة حديقة، سوقاً سوقاً،بلياليها ونهاراتها، حتى بمراحيضها المتناثرة في جهاتها، وأزقتها الملتوية والمتربة، ومقاهيها ومطاعمها وفنادقها المقبولة ، أي بمداخلها ومخارجها.
سأكون جاحداً، إن قلت عن أنني لا أعرفها، أو معرفتي بها قليلة.
ذلك من باب الوفاء للمكان، مهما كان الموقف.
حين أتحدث عن الكلاب، فليس لكراهية منها. بالعكس... أظنني، كما يعلم القريبون مني، ربما من أكثر الذين يضفون على الكلاب بأنواعها المختلفة أنّى كانت، علامة فارقة في الاعتبار، أكثر من بقية الحيوانات التي ألفها أجدادنا ونألفها نحن، وهكذا سيكون حفدتنا، وما كتبت عنها دليل دامغ كما أعتقد على تقديري الاستثنائي هنا.
حديثي عن هذا الوجود والانتشار لها في المدينة، ليلاً نهاراً، وبشكل متفاوت، تبعاً للحي، وموقع الحي، ومن يسكنون فيه، وأماكن العمل وغيرها.
إنها ذكية إلى درجة أنها تتعامل مع الساكنين فيها ومن يأتون إليها في أول دخول لهم إليها، وآخر خروج منها، بأشكال مختلفة.
لكن ظهور التدافع فيما بينها، في صمت، وأحياناً في صخب، حيث تحتك فيما بينها، وأنا أرى بالعين المجردة، كيف تزداد محاجرها احمراراً، ويهر وبرها جرّاء الاحتكاك الدال على حدة التنافس والنزاع، واستغرابي من هذا المشهد المتكرر والمتنقل والمتغير .
استغرابي من انتشارها وتقبّلها من جهة المدينة، كما لو أن كل ذلك غريزة ثانية فيها.
هذه الكلاب، كصاحب خبرة في الكلاب نسبياً، أعرفها كلباً كلباً.
أتساءل كثيراً: ماالذي يجعلها أكثر اهتماماً بي، وأنا أقرب إلى الإنسان النباتي في أكله ؟!
أخبرتُ صديقاً لي في بلد بعيد مختلف تماماً في عاداته وتقاليده، عما يحدث. كتب إلي بضعة أسطر، يعلِمني أن من النادر رؤية كلاب كهذه التي أتحدث عنها في مدينتي.
لي بعض العلاقات مع من أتشارك وإياهم في العمر الواحد أو المتقارب والقراءة والكتابة، في هذه المدينة، صارحوني على أنهم يعرفون الكلاب، إنما ليس كما ذكرت.
أكثر من صديق أجنبي، أبدى استغراباً وأنا أحدّثه عما يجري، وجه الاستغراب، لأن بلده بالكاد يضم كلاباً على هذه الكلاب. هناك كلاب بيتوتية، ما عدا ذلك ، الحضور محدود جداً وبالطريقة هذه.
احتكاك الكلاب بي، زاد في الأونة الأخيرة ، بحيث كنت أضطر إلى النظر في عيونها. النظر في عيون الكلاب أكسبني خبرة عميقة بحقيقتها.
كنت أتعرف على جوانب من سلوكاتها من خلال حركاتها . لكن قلقي لم يفارقني.
ذات يوم، تمسّح بي كلب كبير، حفَّزني على النظر في عينيه.
لعله أدرك بسلوكه الكلبي، أن هناك أمراً ما.
لا بد أنك تستغرب مما يجري.
هكذا أسمعني صوته.
قلت: همممم.
لم أزد على ذلك.
كأنه استوعب معنى " همممم " ودلالته.
أشار بحركة رأسية إلى حركة المشاة من حولنا:
انظر كم هم كثرٌ، هل ترى كلباً يتعقبهم أو يحتك بأي منهم؟
استدرك قائلاً:
لا بد أن تقدّر ذلك.
ثم: هكذا فرِض علينا أن نهتم بأمرك.
تعالت نبرة صوته حين تهجى مفردة" بأمرك ".
ثم:
لا تنقصك الفطنة لمعرفة السبب. ما أنت عليه زاد في عدد هذا النوع من الكلاب التي يقلقك وجودها واحتكاكها بك، وحتى إزعاجك . أليس كذلك؟
وبصيغة سؤال:
ألديك استعداد أن تتنكر لمَا أنت عليه، حينها ستكون حياتك كهؤلاء الذين يمرون أمام ناظريك.
تنفست بعمق، وبقلق باد ٍ:
إنما ليس إلى هذا الحد، وفي هذه المدينة!
تنهد الكلب الكبير وأطلق عبارته التي صدمتني قبل أن يبتعد عني وكأنه لا يعبأ بقلقي:
جانب مما يجري سببه نحن بهذه الكثافة وهذا التنوع، وجانب يخص ما أنت عليه، وجانب ثالث له صلة بهذي المدينة أساساً، هل أشير إلى جانب رابع، أم أتركه لنباهتك ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى