صابر رشدي

دأب على الاعتقاد بأن هناك ثمة أشياء شاذة، وغير طبيعية، ولا تتفق مع المنطق الصارم الذي يحسم كثيرًا من الأمور فى هذا العالم، أشياء لم يألفها من قبل، بات يستشعرها الآن، دون أن يراها رؤية مؤكدة، لها قوة وسطوع الحقيقة، ارتعاشات جسده الكثيرة، المتلاحقة، فى بعض النهارات والليالي، ارتعاش الأسِّرة...
- إنه الخوف. - لكنه يزول مع مرور الوقت. - إنه الفقر. - لا يهم مادام مصحوبا بالستر. - إنه الطاعون. - لا داء بلا دواء. -إنه القهر. - رحمته وسعت كل شيء. - لن أدعه يتجرع كل هذه العذابات وحده. - أنت لا تقرأ الغيب. كان الحوار يتنامى حول هذه المعاني بين رجل وامرأة، يتدثران بملابس عادية، ملامحهما...
نظر إلىَّ، ثم أشار إلى فمه، كانت الورقة النقدية الكبيرة معلقة فى يده، يطوِّح بها فى الهواء يمينًا ويسارًا فيما يشبه الرفض وعدم الحاجة إليها، كانت تبدو فى اهتزازها شيئًا لا قيمة له. فى البداية، ظننت أنه طامع فى ورقة أخرى، وأن هذه لا تكفى، فبدأت أشعر بالغيظ والندم، وأود استرداد ما أعطيته. كان يجلس...
قبل الحادثة بأسبوع تقريبًا، كنت هناك، أمرُّ مصادفة. أنظر من نافذة الباص على بروفات العرض العسكري، الذي يجري بهمة، وثمة خاطر يغزوني عند رؤيتي للآليات العسكرية، وطوابير الجيوش، أمام النصب التذكاري للجندي المجهول، هاجس ملح وتشاؤمي. لا أدري ما الذي جعلني أتخيل وقوف دبابة تحديدًا، واستدارة برجها...
المقهى مزدحم، الكراسي الموجودة بالشارع تغص بالزبائن، بينما هو يجلس بعيدأ، منزويا في أبعد نقطة، وحيدا، ومندمجا في متابعة العالم حوله بنظرات ساخرة. عندما رآني قادما، أشار لى حتى آراه، دائما ما يكون بجواره مكانا فارغا. إنه يوفر على حيرة البحث عنه بين البشر المتواجدين هناك. كان يطالع رواية...
نحن جيل محظوظ، وحسن الطالع، فنيا وإبداعيا على الأقل، هكذا أتصور، وحاسدا هؤلاء الذين سبقونا، وأدركوا الحقبة الليبرالية، المتقدمة في كل شيء، الفن، العمارة، التعليم، ثم مرحلة التوهج الثوري، ومكانة مصر الناصرية، بنجاحاتها الكبرى، وإخفاقاتها الكبرى. أتذكر بأسى، عندما كانت أجهزة الراديو في كل مكان،...
مساء هادئ، لكنه شديد البرودة، جعلنا ننخرط في اللعب والحركة حتى نستطيع التغلب على لسعاته القارسة. على بعد عدة أمتار امرأة وحيدة تقف متكئة على سور الكورنيش، مستغرقة في تفكير عميق، غير منتبهة لشيء. على فترات متقطعة كنت أختلس النظر إليها، معتقدًا أنها إحدى موظفات التلفزيون. حيث المبنى الشهير على...
تمهيد: «شوكولاتة نيتشه»، للكاتب المصري المبدع صابر رشدي، نصّ سردي- حكائي يتضمن في جوهره مجموعة قصصٍ قصيرة عذبة مرحة وعميقة، تنحو في اتجاهها إلى استثمار عناصر الواقعية السحرية التي تنفصل طبعا عن واقعية ماركيز وخصائص عالمه الروائي الأمريكو- لاتيني، رغم أنها تتقاطع معها على نحو من الأنحاء، ما يحمل...
زحام وصخب وتفاهات يومية تمتصّ من العمر، وتجعل مرور الزمن أمراً مقضيًّاً، تتشابه فيه الساعات و تتضافر بكل ما هو سخيف وسطحي. هي أشياء كابية، إحباطات لا حصر لها، جعلته يبحث عن ركن يأوي إليه، يعيش داخله لحظات من التأمُّل والنظر إلى الداخل، يريد أن ينجو من هذا الجو الذي لا يدع له فرصة لالتقاط أنفاسه،...
منذ إسبوعين تقريبا، نشرت علي صفحتي صورة قديمة مر عليها أكثر من عام ، لزيارة قمنا بها للعم سعيد الكفراوي الكاتب الكبير والصديق العزيز، بمنزله بهضبة المقطم: الشاعر الكبير عبد المنعم رمضان. والصديق العزيز. رؤوف عبدالحميد وانا. حينها، ظن الكثيرون أنها صورة التقطت حديثا. عندما تقابلنا بعدها قال لي...
"بدون أشياء مأخوذة من ذكريات الطفولة المقدسة و الفانية و المنقولة إلى الحياة لايستطيع الإنسان أن يعيش“ . هكذا يحدثنا ديستويفسكى فى مذكراته ، ومع هذه المقولة ، تتصاعد من الفور مجموعة أفلام أبيض و أسود ، كنا ننتظرها، ونشعر بنشوة فارقة أثناء مشاهدتها، اسماء ظلت تحفر طيلة الوقت صورا سعيدة فى حياتنا،...
البنت الجميلة، التي لا يزيد عمرها عن تسعة عشر ربيعا، قوامها مخفي عن عمد مدروس، تحت زي يحاول طمس ملامح تكوين سحري، ويطمر أنوثتها. كانت تحمل حقيبة متوسطة، وبين يديها ألعاب صينية. وقفت قبالتنا. - مساء الخير. - مساء الخير. قمت بالرد، فهذه عادتي مع مندوبي المبيعات. بادرتنا بالحديث عن بضاعتها، روبوت...
ثمة مزاج رائق، ونداء لحوح، يتصاعد وينمو، إثر تناول سِنة الأفيون، الممزوجة بالشوكولاتة والمذوبة فوق نار هادئة بأناة وتمهل، إنه التخدر الذي يواجه به زوجته الجديدة، الساعية إليه بشغف، بعدما تناهت إليها أصداء شهرته. إنها الآن تقوم بصقل بشرة مهجورة منذ زمن بعيد، عسى أن تدب الحياة فيها مرة أخرى. عم...
الكمالية، Perfectionism اصطلاحًا، هي الرغبة في الوصول إلى الكمال في أي شيء؛ إنها الحاجة إلى أن تكون كاملًا بالفعل في عملك وفي سلوكك وفي حياتك، وكذلك أن تعتقد، أو تبدو، على أنك كذلك. وذلك لأن الكمالية نوعان: نوع إيجابي، جيد التكيف، ينشد الكمال على نحو طبيعي من خلال المثابرة والدأب واحترام الذات...
في عتمة الغرفة الغارقة في صمت عميق، وعند استيقاظه المفاجئ ، استمع إلى صوت أنفاس غريبة، تتوالى بين لحظة وأخرى، أنفاس لم يستمع إلى مثيل لها من قبل، عندما أجال بصره فيما حوله لم يلحظ شىء. ربما كانت توهمات تجترح السكون، سحابة تمر في الأعالي، ويتردد صداها هنا. هكذا فكر. حتى لا يجد خياله النازف فرصة...

هذا الملف

نصوص
71
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى