صابر رشدي - إغواء.. قصة

مستندا إلى ظهـر سريره وممددا ساقيه تحت غطاء رقيق، كان يرى في المساءات أشياء جميلة، حكايات تتشكل وتنساب أمام عينيه وهو مستغرق في حالة من الاسترخاء والسكينة، كانت يد فنان خفي، هادئ النفس، ذو سمت وقور، هـى التـى تلتقط الفرشاة وتقـوم بشـق مسـارات لهـا فـوق الجـدار المواجـه لـه، بالرسـم والخطوط البديعة. مـن الجانب اليمين تكـون البدايات، يكتـب: باسم الله قبل كل شيء، ثـم يظهـر عنوانًـا موحيا لحكاية شائقة تتفوق على سابقتها وعلى كل حكايات العالم، تجيء التصاوير معبرة، لا تحتاج غير كلمات قليلة، تعرب عن نفسها، بالدلالات والرموز، والإيحاءات البليغة، يستشعر معانيهـا، يتآلف مع مفرداتها، لا تسـتغرق الحكاية وقتا، ساعة، أو أكثر، أو أقل قليلا، لكنها تجيء في النهاية مكتملة العناصر، ومحكمة بشكل دقيق، تفاصيل لا يمكن نسيانها، حتى لو مرت عليها سنين، أحيانًا تكون قطعة فريدة، يصاحبها سرد شفيف، بالغ النقاء، مزيج مدهش من لغة منمقة وأنيقة، ومصفاة على نحو شعري كثيف. كان نهرا عذبًا صغيرا يجرى في بيته، متدفقا بالحكايات والأساطير. في بعض الليالي كانت الدموع تنسال من عينيه عندما تكون الحكاية مشحونة بطاقة مــن الشجن والأحزان الجليلة، يحترق ويتألم، يشف بعدها، يصبح طائرا رشيقا يحلق في الأجواء، يتهادى فوق فراش لـين ووثير؛ يجلب نوما هادئًا وأحلاما لا تعرف الضغينة.
في ألأيام الأولى، كان يعود مسرعا إلى بيته، يقف تحت رشاش الماء، يزيل الغبار العالق وإجهاد النهار الثقيل، يدخل في إغفاءة سريعة، يتلقى بعدها حكاية قصيرة تنطبع تفاصيلها في ذهنه بعد الأثر الشاق للمذاكرة ومراجعة المحاضرات، كان يرغب في التفوق، خصوصا وهو في مقتبل الحياة، ولا يريد أن يمضي العمر سدى، لقد تجاوز العشرين دون انفجارات مدوية، لم يفقد براءته الأولى. متحاشيا كل ما يؤدي إلى الإطاحة بتوازنه النفسي وهدوئه العميق، مـا زال على الفطرة، كل الأشياء في أماكنها لم تحركها دوافع الشر والتطلعات المجنونة. بدا ذلك واضحا في وجهه المضيء، والهالة المشعة التي لا يلحظها سوى الناس الطيبـين وهم يرمقونه بحذر، ثـم يقومون بالدعاء له بظاهر الغيب، أن يظل كيانًا بهيا، محافظا على هـذه الطاقة النورانية الجليلة، وأن يذوب في هـذا الورع، ولا يفارقه نقاء الطفولة، يبتهلون إلى الـمولى من أجله، ثم يمضون إلى حال سـبيلهم، دون أن يشعر بـهم، إنهم أهل الباطن الذين لا يتعاملون مع ظواهر الأشياء، ويعرفون أن كل محبوب جميل، ولا يلزم العكس، وأن أمر الدنيا لا يتيسر دون معاناة، وكذلك أمر الآخرة لا يُـدرك دون معانـاة، هـؤلاء الذيـن تـدور بـين روحـه وأرواحهـم حــوارات خفيــة داخــل عالم نـوراني مســتور، تحكمــه قوانين غـير مدركـة، تحـدد كثيرا مـن قواعد وتفاصيل هـذا الجزء اللامرئي مــن الوجود. لم يكن الطريق معبدا على الدوام، كانت هناك بعض الكمائن التي يقوم بهـا البعض عـن عمد، وسوء نية، وكان ينجو ويفر هاربًــا، آخر هذه المحاولات، كانت عن طريق أحد زملائه في الكلية، لقد دعاه إلي منزله بحجة مراجعة بعض المحاضرات التي لم يستطع استيعابها ويعلم تفوقه فيها، كان يلح عليه بشكل متواصل حتى استجاب له، متحرجـا مـن عدم تلبية دعوته.
عند ذهابه استقبله بابتسامة عريضة؛ فهو لم يكن يتوقع حدوث هذه الزيارة، إنها أقرب إلى المستحيل.
- دقيقة واحدة وأعود إليك.
قالها بلهجة مرحة، ثم تركه وحيدا في غرفة الاستقبال. لم يكن أمامه سوى تأمل الغرفة. مع مرور الوقت بدأ يشعر بالضيق، وخطر له أن يهم واقفا ويقوم بالمناداة على صديقــه، يخبره برغبتـه في الانـصراف لأن ذلـك يتنـافى مـع حسن الضيافـة والذوق السليم. ولكن قبل أن يتحرك من مكانه ويقوم بتحويل هذه الفكرة إلى واقع قابل للتنفيذ؛ وجد جسدين فائرين يسدان عليه باب الغرفة، يطلان عليه مع ضحكات ماجنـة. وجهيـن مألوفين رآهما كثيرا. إنهما زميلتان، ويعلـم أنهما لا تمتان بصلة قرابة لمضيفه. ثم ما هذا؟ إنهـما كعاريتين، لايغطي جسديهما سوى قطع صغيرة لاتُخفي شـيئًا. قبـل أن يفيق من هذه الصدمة ويقوم بتركيز أفكاره والسيطرة على الانفعالات المربكة التي طرأت عليه وشوشت أفكاره، ظهر
الشاب أخيرا، تصاحبه ضحكة مجلجلة، كان يقف وراءهما بسروال قصير، لبـث برهـة على هـذا الوضع. ثم أحاطهما بذراعيه قائلا:
- ما رأيك في هذه المفاجأة؟
ثم أضاف متوددا:
- اِختر.
انعقــد لسانه، وبدا ذاهلا وهـو يواجـه اللحم العاري للمرة الأولى في حياته، لم يكن يتصور أن تجرى الأمور بهــذه السهولة.
- أُرشـح لـك هـذه المجنونة؛ فهـى صاحبة الفكرة، وتريد التمكن منك بأية وسيلة.
كان يواصل حديثه المرح ببساطة متناهية.
- أريد الذهاب.
نطق بها بعد أن هب غاضبا.
تجاهل الشاب مطلبه ودفع إليه بالفتاة المعنية.
- إنها ساعة زمن لا أكثر.
اقتربت الفتاة منه بخطوات رشيقة، ثم قالت وهى تتلوى كنمرة مدربة على اصطياد فرائسها:
- هل أنا دميمة إلى هذا الحد؛ حتى تتحاشى النظر إلى؟
- أرجو ِك. لا تقتربي.
قال بنبرة حادة.
لم تعبأ بتحذيراته، بل راحت تقترب منه على نحو لعوب. عند هذه النقطة، أخذت تصدر عنه تصرفات غريبة وغير مترابطة، تراجـع إلى الوراء منزعجا، فاصطدم بالمقعد الـذي نهـض عنـه منـذ لحظـات، سقط عليه مـرة أخرى بوجل شديد، ثم دفن وجهه بـين كفيه وأخذ يبكي بصورة محمومة، بكاء عاصفا أثار في نفوسهم ألًما شديدا، تلاشت معـه تفاصيل المزحة المعدة سلفا، ودار في أذهانهم شيء واحد: كيفية الخروج مــن هذا الـمأزق، بعد أن تحول الأمر برمته إلى ورطة سخيفة تحتاج إلى حل سريع. نظر الصديق إلى الفتاتين نظرة توحى إليهما بالانصراف، ثـم شرع في محاولـة يائسة لتهدئته، والاعتذار إليه عــن هذه المؤامرة التي انجر إليها دون ترو. قـال بصوت متردد يحمل كل معاني التحرج:
-كنت وغدا معك.. ظننـت أنك تتظاهر بالعفة والنقاء، ولكني الآن أثق في هذه الصفات بمقدار ثقتي في وقاحتي.
لقد لاحظ فعلا أنه لم يحاول النظر إلى الفتاتين والتهامهما بعينين نهمتين أو اختلاس النظر من طَرف خفـي، خصوصا وهـو يعلم صعوبة تجاوزهن، أو عبورهن بهذا التجاهل الطبيعي، وراعه تكدر ملامحه وإظلام وجهـه مـن شـدة الغضب؛ فقـد كان يتوقع انهياره السريع، سقوطه أسيرا في قبضة إحداهن. اعتذرت البنتان أيضا وهما في غاية الخجل، بدا عليهما شـعور بالإثم ظل ملاز ًما لهما كلما رأتاه بعدها في قاعـة المحاضرات، أو في أروقــة الجامعة، كانت العينان تنخفضان وتنظران إلى الأرض منكسرتين بشيء مــن الندم رغم عدم اكتراث أيهما بالأقاويل التي تلاحقهما أو تنال من قيمتهما، فهما منطلقتان كمهرتين جامحتين إلى أبعد مدى.
كانت هناك محاولات أخرى، ولكنها أقل خطورة، تفاصيل صغيرة وعابرة، أما هذا الاقتحام الجريء فقـد صدعه بـألألم وأسلمه أياما عديدة للمرض.
كثيرا ما كانت تطل عليه صورة الأنثى، تلح عليــه إلحاحا شديدا بأطيافهــا الثرية، لكنه يقوم بتسكين هذا الهجوم المباغت واللحوح، بالصوم واللجوء إلى كتاب الله، قارئًـا بصوتـه بعـض السور، مجوًدا لهـا كمقـرئ كبير. يلجأ إلى أوراد الصالحين، يستغرق في مزيد من المذاكرة، والرياضة البدنية المرهقة، مرددا في نفسه: لـن يفتح هذا القلـب إلا عن طريق الزواج، ولن تشاركني إحداهـن الفراش إلا بعقد موثق. معتبرا أن القدرة على احتمال هذه الضغوط وتمريرها يعد ادخارا جيدا ليوم الحساب، وما عدا ذلك إعاقة للروح والجسد، إهانة خالصة الأنثى و كينونتها. كان التزامه يعضده، يخفـف عنه ضغط هذه الغرائز القاتلة، يطرد أى فكرة تدفعه للإنزلاق إلى عالم الخطيئة.
لم يكن المسكن بالغ الاتساع ولكنه كان نظيفا جدا، مرتبا، يبدو كاستراحة صغيرة أعدت خصيصاً لتأوي إليها الملائكة، بعد طوافها السرمدي في أرجاء الكون، ثـم تعاود طيرانها. لقد حضر من قريته عند التحاقه بالجامعة، وسكنه في هذه المدينة الصاخبة، آخذا مفاتيحه مـن شقيق والده الذي عاد إلى القرية منذ سنوات بعد أن أحيل إلى التقاعد، وانتهـى مـن تزويج أبنائه. عاد وفي يديه مكافأة مالية كبيرة أنشأ بها مزرعة لتربية العجول، نجح في ذلـك عـلى نحو أذهل كل أقاربه. هـل رأى عمـه أو أحـد أبنائه مـا رآه؟ كان يتساءل. فمـن غير المعقول ترك هذه الجنة اليانعة، والـسرود المستحيلة، وتفضيل الحياة بين الماشية بديلا عن هذا العالم. غالبا لا أحد رأى ما رآه أو شعر بتلك المشاعر وعاين مثل هذه اللحظات طافيا فوق الواقع، ومستغرقًا في المعنى الحقيقي للدهشة، فهـذا كنزه الحقيقي، ومنحة الرب له. كان يمارس حياة عادية تقاس بكم الأشياء التي يستغنى عنهـا، وتلـك الأشياء القليلة التي يحتاج إليهـا، يسير وفـق منهـاج بسيط في الحياة، بخطوات جد مختصرة، لكنها صنعت منه إنسانًا آخر، موجودا بين الجموع، لكن داخل حصن منيع، يمنع عنه امتصاص الشرور المتطايرة، محبا لكل البشر، لا يمتعض من أكثرهم سو ًءا، فهـو يعلم أن الحياة محنة حقيقية واختبار ثقيل، وأن عدد الناجين منها قليل، أما الجوهر الحقيقي للمشكلة فيكمن في عدد الذين لا يعلمون. لم يكن انعكاسا لصورة المتصوف النمطي، أو الزاهد التقليدي القادم مـن بطون الكتب، كان إنسانًا سويًّا يعيش بين الناس، لكنه يتجنب الوقوع في خطاياهم. مزايا قليلة ولكنها مكرسة بصرامة وإصرار لا يعرفان التنازل. يعتقد أن من لم يطلع على مثل هذه الأسرار فهو شقي، لم يعرف طعم السعادة، ويشعر في دخيلة نفسه أن ما لديه يفوق التصور. لذا راحت تراوده بـين حين وآخر فكرة ما، وتلح عليه إلحاحا كبيرا، منخرطا في تفاصيلها وقتا طويلا: لماذا يستأثر بهذا
الكنز وحده؟
كان قلقـا مـن احتمالات الأنانية والاستحواذ، معذبًـا بهما، ما دفع هذه الخواطر إلى التصاعد بقوة وجعلها تسيطر عليــه. كان يختلس نظرات خجلـة وسريعة إلى إحدى الزميلات، فتـاة رقيقـة، يظلل الحياء ملامحها، ويسدل عليها بساطًا جميلا، كانت تمشي وحيدة، منطوية على ذاتها، لا تذوب في هذا الصخب الجامعي، لا صداقات من أى نوع، لا تلكـؤ في الأروقة، خطواتها هادئة، مستريحة واحتشامها بادي الوضوح. انشغل بها كثيرا. إنه الآن أمام نموذجه المفضل وأنثاه المستحيلة، التي قد تجذبه وتستهويه، تجعله يفكر بجدية. كان يبدو أن هناك قوة غامضة تبقيها ماثلة في ذهنه. حتى صارت هاجساً لا ينمحي. بدأ يعرف معه الأرق، وخفقان القلب ويمضي مستسلما لهذه العواطف، مذعناً لطرقها المتواصل.
بمجهود فردي وبسرية تامة، شرع في مراقبة الفتاة عـن بعد، وعلى نحو حذر. كان يريد التأكد من استقامتها، ومن هذا المنحى الجاد: هل هذه الصفات تلازمها في الجامعة فقط، أم أن هناك حياة أخرى تحياها بطريقة مختلفـة؟ حياة مغايرة لا تنتمي إلى هذه الصورة الماثلة أمامه؟
بعد مجهود كبير وصبر يفوق صبر قُفـاة الأثر، وبعد رحلات تتبع متكررة يو ًما بعد يوم، استطاع التأكد مـن الجانب الآخر لحياتها وتكوين صورة شاملة، واضعاً لها درجة الصفر في عـدد الأخطاء التي كان يتوقع حدوثها، وجدها تطابق المثال الرابض في ذهنه. إذن، لم يعد غير خطوة واحدة، وهى محاولة التقرب منها، التعرف إليها، كانت هناك وسائل عديدة بـين الطلبة وأساليب كلاسيكية، أما اليوم فالأمور أكـثر بساطة وأقل تعقيداً، ولكنه فضل الوصول إليهـا عـبر أكـثر الطرق تحضراً، لابد أن يتم كل شيء بصورة مهـذبة، تليق بشخصين دمثين لا يقبلان السقوط في تصرفات مبتذلة، يعرف صعوبة المحاولة مـع فتـاة بهذه الخصال الفريدة، ويعلم أنه غير خبير في هذا المجال، دافعه الأساسي هو اصطفاء من تستحق اقتسام عالمه الثري بعد شعوره بأنه من الغبن الاستئثار بهذا العالم وحده دون بقية البشر، يريد مـن يشاركه السر ويعاين معـه هذه الأشياء، لم تستغرق المسألة وقتا طويلًا، فقـد تم التعارف وإبداء الرغبة في الصداقة بعد حوار قصير جاء خالياً مـن الصدود والمفاجآت، جعله يستغرب ذلك بعض الشيء، فهو لم يكن يتوقع أن تمضي الأمور بهذه البساطة، لكن إفتتانه بالفتاة، وبروعة التجربة التي يخوضها للمرة الأولى قضيا سريعاً على تردده، إنساق إليها بكامل طاقته، مأخوذاً بمشاعر مختلطـة وانفعالات لم يكن يعرف عنها شيئاً. كان يجلس إليها محتفظاً بهدوئه الأصيل، متأملًا في صمت كم هى عميقة العينين وجميلة جداً. مستكشفاً في بطء عوامل أخرى وراء هـذه البحار الفسيحة، ناطقا على استحياء بكلمات رقيقة، دافئة، دفعت الفتاة إلى الإحساس بأنهـا تعيش أحد عصور الحب العذري، شاعرية الأماكن المختارة بعناية، اللقاءات المتكررة،
إنصاتها الحالم وهى ترمقه بنظرات حانية تحثه على المواصلة، آخذة بيديه إلى عالهما الداخلي، لوعة الحب وتوتراته، التفكير المتواصل، بقاء المرء رهينا لشيء وحيد لا يستطيع الفـكاك منه، أشياء جعلته يتذوق هذه التحولات الطارئة، متمنيا ألا تزول. اكتمل الاثنان في كيان واحد بعد دهور مـن الانشـطار، وجد كلاهما المرفأ الهاديء والملاذ المريح، انفتحت آفاق بلا حدود، تغير مظهر الحياة، بدأ سحر جديد. عبر التناغم، لكنهما ظلا واقفين على بعد الآف الأميال من المناطق المحظورة، بعيدين عن ألأذى، ومحصنين ضد مخاطر السقوط. أصبح دخولهـا إلى مملكته أمرا ميسو ًرا، إنها تستحق الوقوف أمام منابع الدهشة وملتقى الأساطير، رؤية ما يتعذر على الآخرين رؤيتـه؛ فهى جديرة بهذه المشاركة، لكن كيف يمكن إقناعها دون الوقوع في دوائر سوء الفهم والظنون.
في إجراء تمهيدى، بدأ يحدثها عن عالمه، مختبرا مدى تقبلها، كان يقص في كل مرة ما لم تكن تتخيل وجوده في الرؤى والأحلام، ثم يفاجئهـا في المرة التي تليها بما هو أكثر إثارة وأشد تشويقا، حتى تحولت إلى عاشقة لهذا الحكي العجيب. مصغية إليه باهتمام، لا يفوتها شيء، تذوب بعدها في غيبوبة حالمة، مستمتعة بصوته العميق، مخدرة، ومستسلمة لما هو خيالي، وغير قابل للحدوث، مأخوذة بحالة اندماج كلي، سعيدة بهذا السرد المبهر. كان ما يجري يمثل صورة مقلوبة لألف ليلة وليلة، فشهريار هو الذى يحكي في هذه المرة، ويفتح أبواب الدهشة على مصراعيها؛ مسيطرا على هذا الفن، أما شهرزاد فهي تصغي باهتمام، مفتونة بما يجري في استحضار خارق للحكي المذهل الذى أسسته ووضعت قواعده كأعظم حكاءة في التاريخ.
عندما لاحظ انبهارها وتآلفها قرر أن الوقت قد حان.
- ما رأيك فيمن يفتح لك خزائن أسراره ويعرض عليك مشاركته في جنة يملكها وحده؟
لم تفهم في البداية ما يرمي إليه، رمقته مستفسرة.
- هذا عرض حقيقي.. واصل بنبرة جادة.
اِنتبهت، وقالت في رد قصير:
- أوافق، ولكن بشرط وحيد.
- لك ما تشائين.
- أن تكون أنت صاحب هذا العرض.
بدت عليه لذة الانتصار إثر معركة سريعة وحاسمة.
سألته:
- أين هذه الجنة؟
رد مسر ًعا وهو يواري قلقا طارئًا:
- في بيتي!
لم تعلق، لكن ملامحها حملت موافقة رقيقة. على استحياء، راح يخفـي سعادته، لقد وجد نفسه يُطلِعهــا على سره دفعة واحدة، بلا تحفظ، صارحها بأن كل ما كان يقصه عليها لم يكن سوى جزء يسير من ثمار هذا الفردوس، وأنه لم يستطع الوصول بعد إلى الوصف الدقيق لما يراه، فهو عاجز عن التعبير عنه، وأن ما يحدث هو محاولات عاجزة لوصف ما لا يوصف، أما الحقيقة فهى شيء آخر معجز ومختلف. كان يحدثها بنبرة صادقة، جعلتهـا لا تسـتطيع كبح جماح رغبة عارمة في الانطلاق معه، كانت خلاياها تنتفض من الفضول القاهر الذى داهمها وسيطر عليها.
قالت متلهفة:
- مستعدة منذ هذه اللحظة.
لم يكن يتوقع هذه الاستجابة السريعة، وشعر أن عنصر الحدس لديه قد أصيب بالعطب، فكثير من الأشياء تأتي على
غير توقعه.
- ليس قبل أن أجهز لك استقبال يليق بملكة.
ابتسمت لهذه المكانة الرفيعة.
قالت في تدلل راق:
- لماذا وقع اختيارك عـلى تحديدا، أ َو ليس هناك أخريات يتفوقن على في كثير من الصفات؟، أ َو ليس هناك مـن هـن أكثر جمالا؟
فاجأه السؤال، ولكنه فتح له بابًا لم يفتح من قبل، فاقتحمه دون تهيب كعاشق متيم لا يشق له غبار، راح يبث أحاديث الهوى، على غير وعي منه، مرددا كلمات متألقة، لها قدرة على اختراق أشد القلاع تحصينا، صال وجال حتى تخيلَتْـه قادما من داخل الحكايات نفسها، أسطورة حية تستحوذ عليها وتنفرد بها أسيرة.
فاجأته مستسلمة:
- نبدأ في صباح الغد إذن.
رد مضطربًا:
- في الصباح لا أرى شيئًا.
- لماذا؟
- لا أدري.
لم تنطق بكلمة واحدة، فّضلت أن تـمضي الأمور بتلقائية دونما اعتراض من جانبهـا، فقـد رأت كل شيء يجرى بلا تعثر.
جاء اليوم التالي. نهارا عاديًّا، مر بطيئًا مثل سلحفاة، لا يوجد حدث يلفت الانتباه أو يستحق التوقف عنده.
أما المساء فقد جاء استثنائيا. وجد أمامه أجمل امرأة يمكن أن تراها عيناه، فستان لامع يُطبق عـلى جسد مكتنز ومدملج، شـعر طويل وفاحم السواد، ينسدل وراء ظهرها في استعراض واضح، فتنـة غير طبيعية كست ملامحها وفاضت على كامل كيانها، جعلته يهتز في مكانه مأخو ًذا برجة غير عادية أمام هذا الانفجار الأنثوي.
- يبدو أنني سأظل بالباب فترة طويلة.
بادرته بنبرة رائعة.
- تفضلي.
خرجت منــه لا إرادية وهو متمسمر في مكانه تحت وطأة التباس غريب. دفعته بيديها دفعا خفيفا إلى الداخل وهى تُثبت نظراتها في عينيه. أين كانت تخفي هذه الجرأة البالغة؟.. مر الخاطر سريعا وعابرا، لكن سرعان مابدأت تسيطر عليه مشاعر غامضة وهو يواجه طغيان هذا الجمال المشحون بعدوانية ملحوظة، شـعر أن حيـاءه في طريقه إلى التبدد وأن أفكاره بدأت توغل في مسارات لم يألفها، وبدأ ارتباكه يزول تدريجيا مع تضاؤل تهيبه السابق، تضاؤل الخجل الذى كان يصاحب لقاءاتهما السابقة.
- أين غابت ملامحها الهادئة ونظراتها المحتشمة؟
- ما هذا؟
- إن لها وجها شهوانيا طافحا بالشبق والرغبة.
- أين أنا؟
كانت التساؤلات تتوالى وهى تدور أمامه في صالةالمنزل؛ كي تعطيه الفرصة للتطلع واختلاس النظرات بتمهل،
كانت تتصرف بمهارة كبغي محترفة. بعد عدة دورات حول نفسها، انسحبت ببطء قاصدة غرفته، ثم ألقت بنفسها فوق السرير مباشرة. بحواس مشوشة غاب عنها الفهم والتفكر، سار وراءها وهو لا يدري أية جاذبية تلك التي تجعله يتعقبها مستسلما. كان يتمنى أن يقودها هو، أن يأخذ زمام المبادرة، ويقوم بتعريفها إلى عالمه، أن يجلس إليها قليلا، يستوعب وجودها في مسكنه، ولكنها قلبت كل شيء رأ ًسا على عقـب، لم تعطه هذه الفرصة، بل تركته فريسة لتردده وأفكاره المبهمـة، كان قد أعد مقعدين للمشاهدة، يفصل بينهما مسافة كافية لبعث الطمأنينة والأمان في نفسها، لكنها اسـتندت إلى ظهر السرير وهى تلفح هواءوالغرفة بأنفاسها اللاهبة. ضائعا في غشاوة هذه الأجواء جلس على أحد المقعدين، محاولا رسم ابتسامة ترحيب، ولكنها خرجت إلى الوجود ابتسامة مصطنعة، باهتة لم يستطع من خلالها مداراة مشاعره المتناقضة، أفعمته رائحة أنوثتها، سيطرت على عواطفه بشكل مزلزل أعاده إلى وضعه الجنيني الأول مختبئًـا في رحم أكثر رحابة، محاطًا بالعناية من كل جانب، انكمش في نفسه وتمنى ألا يخرج من هـذه الظلمة الآمنة الوجود المثقل، تقلصت سعادته إلى درجة الصفر، وتركزت أحاسيسه في نوع من الحسرة المريرة.
- أشعر بالخوف.
قالت وكأنها تستنجد به من خطر وشيك يكاد يدهمها.
استعاده الصوت من بئر عميقة.
قال ليطمئنها:
- هناك مسافة كافية تفصلني عنك.
- هذا ما يخيفني.
- لاتقلقي.
....................-
- أرجوك اقترب مني.
....................-
- أنا وأنت كيان واحد.
....................-
- هات يديك وانظر في عيني جيدا.
....................-
كان مستسلما للصمت، لا ردة فعل، تسربت عزيمته كأن قوة قاهرة تدفع به إلى المجهول، إلى أغوار سحيقة، عالم آخر غير عالمه، كان الهواء ينفد بطيئًـا، والجدار الأبيض يئن، وتشوهه لطخات سوداء عبر محاولات عسيرة لرسم خطوط البداية.
انسحبت اليد الطاهرة أمام زحف يد أخرى ترسم الخطيئة والغوايات بطريقة بارعة، في صراع وجودي بين طرفين متضادين، على طرفي نقيض. قبل أن ينصهر فوق الجمر المتقد ويذوب محترقًا، انتشلته رنات الهاتف القادمة من خارج الغرفة بعدما كان على بعد خطوة واحدة من مركز خطيئته، كلمة السر التي يهبط بها طريدا من جنته، أيقظه الرنين المتواصل، أعاده من غيبوبته وجعله يستعيد وقائع حياة هاربة، ويلملم شظاياه المتناثرة مـن قبضة المجهول، خرج في النهاية مسرعا مـن انخطافـة ذاهلة واستسلام غريب.
- مرحبا.
نطقها بإعياء واضح.
- عن أى موعد تعتذرين؟
قال متحيرا قبل أن ينصت قليلا. على الجانب الآخر لم يكن الصوت غريبا عليه، كان يعرفه جيدا، معتادا على سماعه، إنه صوتها بالغ النقاء، صوت حبيبته، بدا كالغريق لا يدرى ما السبيل لحل هذه التناقضات.
- حضرتك، تطلبني من؟
يستفسر بنبرة مخلوطة بالشك، كان صوتها هادئًــا في البداية كعادتها؛ وإن كان محملا بعتاب حزين، لكنه تحول إلى توبيخ قاس عندما استشعرت صمته المفاجئ.
قالت بسخرية مريرة:
- كنت أعتقد أنك تخفي جناحنين صغيرين تحت ملابسك.
تكاثفت الحيرة إزاء هـذا الغموض وانعقد لسانه وهو يدقق مرة أخرى في صوتها.
نطق بصعوبة:
- أنا لا أفهم شيئًا.
على الجانب الآخر، جاء ردها حاسما وقاسيا، أعلنت إنهاء علاقتهـما؛ متهمة إياه بأنه ذئب كبير يرتدى مسوح القديسين، يوقع ضحاياه بطريقة مبتكرة، خادعـة، تعتمـد على خيــال جامح في القنص ونصب الشباك، وإن كانت تستغرق وقتًــا لتســقط الفريسة بهــدوء، وحيدة ومندفعة بكامل إرادتها.
واصلت بلهجة أشد غضبا:
- لقـد أخطأت الطريق، ولم تستطع اكتشاف الحدود الفاصلة بين الحرائر والساقطات، هناك أخريات شبيهات بك والأمر لايستحق كل هـذا العناء، وابتكار األأساليب المعقدة. كان إحساسها بالخديعة قاهرا، أكدته حشرجتها المتوترة وهى تهدر كشلال صاخب؛ مدافعة عن كبريائها الجريح وصدمتها الهائلة. من جانبه، وفي محاولة يائسة لالتقاط أنفاسه واستعادة ذاته
الشاردة من الجمود الذى طرأ عليه وشل تفكيره؛ اضطر إلى وضع الهاتف جانبا حتى يوقف انسكاب هذه الإهانات المريرة داخل أذنه، وراح يعتصر ذهنه، متخبطًا في فيض من الخواطر المعذبة.
- أى أفعى بالداخل إذن؟ وكيف استطاعت التسلل إلى هذا المكان؟.. قالها في نفسه وهو يعلم استحالة وجود إنسان واحد في مكانين مختلفـين في لحظة واحدة، وأن هذه المعجزة غـير قابلة للحدوث في هذا الزمان؛ فأخذه الوجوم وهو يترنح داخل متاهة من الحيرة، وطوفان لحظات عصيبة ومتوترة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى