شريف محي الدين إبراهيم - لحم العيد

رنَّ هاتفي صباح العيد...
كان صوت صديقي، الذي يعيش وحيدًا منذ طلاق زوجته، يحمل رجاءً لم أعتده منه.

ـ عايز منك خدمة لوجه الله... أنا مسافر وبره البلد. في بنت غلبانة، أنا بساعدها من وقت للتاني. هي دلوقتي في ورطة وملهاش حد. ممكن تديها ألف جنيه لحد ما أقابلك؟ أنا ادّيتها عنوانك ورقم تليفونك.
لم أتردد.
قلت على الفور:
ـ لا... مش لازم تتعبها في الجو النار ده... ادّيني عنوانها، وأنا أوصل لها بعربيتي بنفسي. خليني آخد أنا كمان نصيبي من الثواب.

أغلقت الهاتف، وطلبت من زوجتي أن ترافقني حتى لا تشعر الفتاة بأي حرج. كنا قد فرغنا لتوِّنا من ذبح الأضحية. نظرت إلى اللحم، ثم قالت:

ـ ما دمنا رايحين بالفلوس، ناخد لها كمان اتنين كيلو لحمة... كله من خير ربنا.

ابتسمت، وحملت الكيس.

كانت في أقصى المدينة... منطقةٌ بيوتها متهالكة، وحواريها عتيقة، وسلالمها طويلة يغشاها الغبار.

طرقت الباب.
فتحت لنا فتاة في مقتبل العمر.
تناولت المال وكيس اللحم، وقالت في خجل:
ـ ربنا يجزيكم خيرًا.
ابتسمت لها زوجتي، وقالت برقة:
ـ لو احتجتِ أي حاجة، كلمينا.

في المساء، جاءني صديقي، ومد يده بالمال.
دفعت يده برفق.
ـ خليني أنا آخد الثواب.
قال بإلحاح:
ـ مش كفاية عليك اللحمة؟
ضحكت، وقلت:
ـ معقول؟ دي حاجة بسيطة.

***

مضت أسابيع.

وبينما كنت أجلس معه في أحد المقاهي، مرَّ اسم الفتاة عرضًا في الحديث.

ابتسم ابتسامةً خبيثة، ثم قال:
ـ دي؟... دي بتروح لأي حد يدفع.
حدقت فيه طويلًا، ثم خرجت الكلمات من فمي بطيئة، كأنها تُنتزع من أعماقي:
ـ دي قد بنتك!!
هز كتفيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، كأن شيئًا لم يكن.

أما أنا...
فلم أعد أرَ فيه الرجل الذي عرفته.
لم يبقَ أمام عينيَّ سوى السلالم الطويلة، وزوجتي تحمل كيس اللحم، والفتاة تهمس في خجل:
"ربنا يجزيكم خيرًا."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى