سحقاً للكتابة، وتعساًلكل من يُسمّي نفسه كاتباً. هكذا واجه نفسه، وهو يزفر بعمق، ويمارس مسحاً للكتب التي تحتل حائطاً كاملاً في غرفته، وكأنه كان يقرأها بعناوينها.
لا.لا . علي أن أوقف هذه المهزلة. ماذا قدّمت لي هذه الكتب، وتلك النقود التي استهلكتها، وهذه العلاقات التي تصلني بكثيرين، ممَّن أصبحوا" فوق.. فوق "، وأنا لازلت " تحت..تحت ". أين العلة في كل ذلك؟
يسأل نفسه، ولا يجيب، يسأل، ولا يبحث عن الجواب، السؤال يسد طريقه إلى جواب ما.
لا يتوقف عن مساءلة نفسه، هوذا الآن، أكثر من واحد، صاحب مكتبة وكاتب وشاهد بينهما..
نادراً ما يعيش مثل هذه الميلودراما الداخلية، وهو يستمر في مخاطبة مجهول ما يعنيه:
لا بد أن هناك خطأ ما. تُرى، هل سلكتُ طريقاً منحرفاً، وتحدثت خطأ عن كثيرين عشت معهم، وكتبت عنهم خطأ في كتبي السابقة، والمنتشرة هنا وهناك،وهناك من أثنى عليها، لكنها بالكاد يشار إليها؟ أم تراني لم أعد أعرف نفسي، وهي معي، وتعنيني أنا؟
لا أخفي أنني كثير التدقيق قي كلماتي، حتى خيالي نفسه، خيالي الذي أعرفه ويعرفني جيداً، ألطف به، وأراعيه بحنوّ، حين أكتب قصة أو رواية ما.
توتري لا يتوقف، وأنا أقف إزاء مكتبة تعبت في اقتناء عناوينها كثيراً، ما كان مباشرة، وما كان عن طريق المراسلة، وما كان عن طريق أصدقاء ومعارف، كنت أنظر إليها وكأنها كائنات من لحم ودم، أكبّر بها عالمي وأكبر بها بالمقابل. كما هي مكتبتي بواجهتها البلورية، ورفوفها الدقيقة، والنظيفة. لا أذكر يوماً، أنني تركتها دون تنظيف، وكأنها خرجت من المطبعة للتو، ولو صح ذلك لحمَّمتها بيديّ الاثنتين، ونشفتها بمزيد من الحذر وعطرتها كذلك، لا بل وأخرجتها إلى الهواء الطلق، سوى أنني أعرفها في محافظتها، وحبها للثبات في المكان، وهي في نتظار دائم للأيدي التي تقيم معها علاقة، مع كتاب مقيم في مجتمعها.
لا أذكر أن هناك من أولوا اهتماماً بكتبهم مثلي. لمْ لا، فأنا اعتبرتها، ولا زلت، عصارة حيوات.في كل كتاب حياة كاملة، حتى أكثر الكتب تميّزا بالتفاهة، يمكنها أن تفيد، لأن قراءتها تعمّق التجربة في الحياة.
هذا يزيد في حيرتي، في قلقي، في نفوري مما اخترته لنفسي، ومما أوصلتني إليه نفسي هذه، نفسي الأمّارة بالكتب!
لأكثر من مرة واجهت نفسي. إنه قلقي على ما أنا فيه. كنت أحس أن نفسي لها مسلك آخر، وكأن لا صلة لي بها، حين أراجع حساباتي معها، حساباتها معي، وبامتداد هذي السنين الطوال.
في كل عملية مراجعة كنت أصطدم بجدار صلد. جدار ناتىء، شوكي، لأنكفىء على نفسي، فأجدني مجدداً مواجهاً إياها، مواجهاً إياي. أنا هاملت في مواجهة شبح والده. ومع سريان فعل هذا الشعور بوجود نحس ما، يبقيني عرضة لتصورات متضاربة، وفي مثل هذا العمر، ووسط هذا الكم الهائل من العناوين، أجدني في عراء مكشوف من الجهات كافة.
كان يُخيَّل إلي أن هناك من يرصدني، من يقهقه ساخراً مما أوقعتني نفسي فيه، وكأنه يقول لي: هاهي خلاصة حياتك. عشها إذاً بكامل مرارتها.. صحتين وهناء، ألست أنت من رضيت بأن تكون صاحب اسم. ماذا جناه اسمك عليك؟
حالة يأس تضيق الخناق علي، كما لو أنني دفعت بنفسي في نفق مسدود وإلى آخره، وقد أصبح العالم من حولي أصم ، إنما وقد استحال عيوناً.. إنها آلاف مؤلَّفة من العيون وهي تتربص به دون أن يرف لها جفن.
كأني لم أعد أنّي، كأن جسدي بكامله تآمر علي، لأضع حد للحياة التي جعلتني هكذا.
الظلام يحيط بي، كأنه دوامة تشدني إلى أسفل، لتغيّبني، وتُفقدني وعيي كاملاً.
المكتبة ماثلة أمام ناظري. إنها كما هي بعناوينها، برفوفها. وميض ما ، برقيّ صامتٌ، يشدني بقوة تبصّرني بما أنا فيه، بالحالة السريرية الخاصة التي عشتها مريضاً ومحللاً نفسياً ودون كلام .
يتنبَّه إلى وجود غيمة سوداء سربلته بسوادها الرطب ، وقد انحسرت. ثمة صوت يصعب عليه تحديد مصدره يحرّك يديه، وهويلامس " اللابتوب " الموضوع أمامه على الطاولة،أصابع يديه تتحرك صوب صفحة بيضاء، كأنه لم يكن من كان حتى قبل لُحيظات،وهويكتب:
يكفي! لقد آن أوان الكتابة، وعلي أن أكتب قصتي!